والسّبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء وأنّ وراء كلّ رأي منها وهوى عصبيّة تمانع دونها فيكثر الانتقاض على الدّولة والخروج عليها في كلّ وقت وإن كانت ذات عصبيّة لأنّ كلّ عصبيّة ممّن تحت يدها تظنّ في نفسها منعة وقوّة وانظر ما وقع من ذلك بإفريقيّة والمغرب منذ أوّل الإسلام ولهذا العهد فإنّ ساكن هذه الأوطان من البربر أهل قبائل وعصبيّات فلم يغن فيهم الغلب الأوّل الّذي كان لابن أبي سرح عليهم وعلى الإفرنجة شيئا وعاودوا بعد ذلك الثّورة والرّدّة مرّة بعد أخرى وعظم الإثخان [١] من المسلمين فيهم ولمّا استقرّ الدّين عندهم عادوا إلى الثّورة والخروج والأخذ بدين الخوارج مرّات عديدة قال ابن أبي زيد ارتدّت البرابرة بالمغرب اثنتي عشرة مرّة ولم تستقرّ كلمة الإسلام فيهم إلّا لعهد ولاية موسى بن نصير فما بعده وهذا معنى ما ينقل عن عمر أنّ إفريقة مفرّقة لقلوب أهلها إشارة إلى ما فيها من كثرة العصائب والقبائل الحاملة لهم على عدم الإذعان والانقياد ولم يكن العراق لذلك العهد بتلك الصّفة ولا الشّام إنّما كانت حاميتها من فارس والرّوم والكافّة دهماء أهل مدن وأمصار فلمّا غلبهم المسلمون على الأمر وانتزعوه من أيديهم لم يبق فيها ممانع ولا مشاقّ [٢] والبربر قبائلهم بالمغرب أكثر من أن تحصى وكلّهم بادية وأهل عصائب وعشائر وكلّما هلكت قبيلة عادت الأخرى مكانها وإلى دينها من الخلاف والرّدّة فطال أمر العرب في تمهيد الدّولة بوطن إفريقية والمغرب وكذلك كان الأمر بالشّام لعهد بني إسرائيل كان فيه من
_________________
(١) اثخن في العدو: أكثر في القتل والجرح وورد في الآية ٦٧ من سورة الأنفال «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ ٨: ٦٧» .
(٢) مخالف وفي الآية ٤ من سورة الحشر «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا الله وَرَسُولَهُ ٥٩: ٤» .
[ ١ / ٢٠٦ ]
قبائل فلسطين وكنعان وبني عيصو وبني مدين وبني لوط والرّوم واليونان والعمالقة وأكريكش والنّبط من جانب الجزيرة والموصل ما لا يحصى كثرة وتنوّعا في العصبيّة فصعب على بني إسرائيل تمهيد دولتهم ورسوخ أمرهم واضطرب عليهم الملك مرّة بعد أخرى وسرى ذلك الخلاف إليهم فاختلفوا على سلطانهم وخرجوا عليه ولم يكن لهم ملك موطّد سائر أيّامهم إلى أن غلبهم الفرس ثمّ يونان ثمّ الرّوم آخر أمرهم عند الجلاء والله غالب على أمره وبعكس هذا أيضا الأوطان الخالية من العصبيّات يسهل تمهيد الدّولة فيها ويكون سلطانها وازعا لقلّة الهرج والانتقاض ولا تحتاج الدّولة فيها إلى كثير من العصبيّة كما هو الشّأن في مصر والشّام لهذا العهد إذ هي خلو من القبائل والعصبيّات كأن لم يكن الشّام معدنا لهم كما قلناه فملك مصر في غاية الدّعة والرّسوخ لقلّة الخوارج وأهل العصائب إنّما هو سلطان ورعيّة ودولتها قائمة بملوك التّرك وعصائبهم يغلبون على الأمر واحدا بعد واحد وينتقل الأمر فيهم من منبت إلى منبت والخلافة مسمّاة للعبّاسيّ من أعقاب الخلفاء ببغداد وكذا شأن الأندلس لهذا العهد فإنّ عصبيّة ابن الأحمر سلطانها لم تكن لأوّل دولتهم بقويّة ولا كانت كرّات [١] إنّما يكون أهل بيت من بيوت العرب أهل الدّولة الأمويّة بقوا من ذلك القلّة وذلك أنّ أهل الأندلس لمّا انقرضت الدّولة العربيّة منهم وملكهم البربر من لمتونة والموحّدين سئموا ملكتهم وثقلت وطأتهم عليهم فأشربت القلوب بغضائهم وأمكن الموحّدون والسّادة في آخر الدّولة كثيرا من الحصون للطّاغية [٢] في سبيل الاستظهار به على شأنهم من تملّك الحضرة مراكش فاجتمع من كان بقي بها من أهل العصبيّة القديمة معادن من بيوت العرب تجافى بهم المنبت عن الحاضرة والأمصار بعض الشّيء ورسخوا في العصبيّة مثل ابن هود وابن الأحمر وابن مردنيش وأمثالهم فقام ابن هود بالأمر ودعا بدعوة الخلافة العبّاسيّة بالمشرق وحمل النّاس على الخروج
_________________
(١) متتالية ومتتابعة.
(٢) الاسم الّذي أطلقه عرب الأندلس على ملك الفرنج في البرتغال وقشتالة.
[ ١ / ٢٠٧ ]
على الموحّدين فنبذوا إليهم العهد وأخرجوهم واستقلّ ابن هود بالأمر في الأندلس ثمّ سما ابن الأحمر للأمر وخالف ابن هود في دعوته فدعا هؤلاء لابن أبي حفص صاحب إفريقية من الموحّدين وقام بالأمر وتناوله بعصابة قريبة من قرابته كانوا يسمّون الرّؤساء ولم يحتج لأكثر منهم لقلّة العصائب بالأندلس وإنّها سلطان ورعيّة ثمّ استظهر بعد ذلك على الطّاغية بمن يجيز إليه البحر من أعياص زناتة فصاروا معه عصبة على المثاغرة والرّبّاط ثمّ سما لصاحب من ملوك زناتة أمل في الاستيلاء على الأندلس فصار أولئك الأعياص عصابة ابن الأحمر على الامتناع منه إلى أن تأثّل [١] أمره ورسخ وألفته النّفوس وعجز النّاس عن مطالبته وورثه أعقابه لهذا العهد فلا تظنّ أنّه بغير عصابة فليس كذلك وقد كان مبدؤه بعصابة إلّا أنّها قليلة وعلى قدر الحاجة فإنّ قطر الأندلس لقلّة العصائب والقبائل فيه يغني عن كثرة العصبيّة في التّغلّب عليهم والله غنيّ عن العالمين.