إذا استقرّ الملك في نصاب معيّن ومنبت واحد من القبيل القائمين بالدّولة وانفردوا به ودفعوا سائر القبيل عنه وتداوله بنوهم واحدا بعد واحد بحسب التّرشيح فربّما حدث التّغلّب على المنصب من وزرائهم وحاشيتهم وسببه في الأكثر ولاية صبيّ صغير أو مضعف من أهل المنبت يترشّح للولاية بعهد أبيه أو بترشيح ذويه وخوله ويؤنس منه العجز عن القيام بالملك فيقوم به كافله من وزراء أبيه وحاشيته ومواليه أو قبيله ويورّي بحفظ أمره عليه حتّى يؤنس منه الاستبداد ويجعل ذلك ذريعة للملك فيحجب الصّبيّ عن النّاس ويعوّده إليها ترف أحواله ويسيمه في مراعيها متى أمكنه وينسيه النّظر في الأمور السّلطانيّة حتّى يستبدّ عليه وهو بما عوّده يعتقد أنّ حظّ السّلطان من الملك إنّما هو جلوس السّرير وإعطاء الصّفقة وخطاب التّهويل والقعود مع النّساء خلف الحجاب وأنّ الحلّ والرّبط والأمر والنّهي ومباشرة الأحوال الملوكيّة وتفقّدها من النّظر في الجيش والمال والثّغور إنّما هو للوزير ويسلّم له في ذلك إلى أن تستحكم له صبغة الرّئاسة والاستبداد ويتحوّل الملك إليه ويؤثر به عشيرته وأبناءه من بعده كما وقع لبني بويه والتّرك وكافور الإخشيديّ وغيرهم بالمشرق وللمنصور بن أبي عامر بالأندلس.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وقد يتفطّن ذلك المحجور المغلّب لشأنه فيحاول على [١] الخروج من ربقة الحجر والاستبداد ويرجع الملك إلى نصابه ويضرب على أيدي المتغلّبين عليه إمّا بقتل أو برفع عن الرّتبة فقط إلّا أنّ ذلك في النّادر الأقلّ لأنّ الدّولة إذا أخذت في تغلّب الوزراء والأولياء استمرّ لها ذلك وقلّ أن تخرج عنه لأنّ ذلك إنّما يوجد في الأكثر عن أحوال التّرف ونشأة أبناء الملك منغمسين في نعيمه قد نسوا عهد الرّجولة وألفوا أخلاق الدّايات والأظآر [٢] وربوا عليها فلا ينزعون إلى رئاسة ولا يعرفون استبدادا من تغلّب إنّما همّهم في القنوع بالأبّهة والتّنفّس في اللّذّات وأنواع التّرف وهذا التّغلّب يكون للموالي والمصطنعين عند استبداد عشير الملك على قومهم وانفرادهم به دونهم وهو عارض للدّولة ضروريّ كما قدّمناه وهذان مرضان لا برء للدّولة منهما إلّا في الأقلّ النّادر وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ من يَشاءُ ٢: ٢٤٧ وهو على كلّ شيء قدير.