اعلم أنّ مصلحة الرّعيّة في السّلطان ليست في ذاته وجسمه من حسن شكله أو ملاحة وجهه أو عظم جثمانه أو اتّساع علمه أو جودة خطّه أو ثقوب ذهنه وإنّما مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم فإنّ الملك والسّلطان من الأمور الإضافيّة وهي نسبة بين منتسبين فحقيقة السّلطان أنّه المالك للرّعيّة القائم في أمورهم عليهم فالسّلطان من له رعيّة والرّعيّة من لها سلطان والصّفة الّتي له من حيث إضافته إليهم هي الّتي تسمّى الملكة وهي كونه يملكهم فإذا كانت هذه الملكة وتوابعها من الجودة بمكان حصل المقصود من السّلطان على أتمّ الوجوه فإنّها إن كانت جميلة صالحة كان ذلك مصلحة لهم وإن كانت سيئة متعسّفة كان ذلك ضررا عليهم وإهلاكا لهم.
ويعود حسن الملكة إلى الرّفق فإنّ الملك إذا كان قاهرا باطشا بالعقوبات منقّبا عن عورات النّاس وتعديد ذنوبهم شملهم الخوف والذّلّ ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة فتخلّقوا بها وفسدت بصائرهم وأخلاقهم وربّما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات ففسدت الحماية بفساد النّيّات وربّما أجمعوا على قتله لذلك فتفسد الدّولة ويخرّب السّياج وإن دام أمره عليهم وقهره فسدت العصبيّة لما قلناه أوّلا وفسد السّياج من أصله بالعجز عن الحماية وإذا كان رفيقا بهم متجاوزا عن سيئاتهم استناموا إليه ولاذوا به وأشربوا محبّته واستماتوا دونه في محاربة أعدائه فاستقام الأمر من كلّ جانب وأمّا توابع حسن الملكة فهي النّعمة عليهم والمدافعة عنهم فالمدافعة بها تتمّ حقيقة الملك وأمّا النّعمة عليهم والإحسان لهم فمن جملة الرّفق بهم والنّظر لهم في معاشهم وهي أصل كبير من التّحبّب إلى الرّعيّة واعلم أنّه
[ ١ / ٢٣٦ ]
قلّما تكون ملكة الرّفق في من يكون يقظا شديد الذّكاء من النّاس وأكثر ما يوجد الرّفق في الغفّل والمتغفّل وأقلّ ما يكون في اليقظ لأنّه يكلّف الرّعيّة فوق طاقتهم لنفوذ نظره فيما وراء مداركهم واطّلاعه على عواقب الأمور في مبادئها بالمعيّة فيهلكون لذلك قال ﷺ «سيروا على سير أضعفكم» ومن هذا الباب اشترط الشّارع في الحاكم قلّة الإفراط في الذّكاء، ومأخذه من قصّة زياد ابن أبي سفيان لمّا عزله عمر عن العراق وقال له: «لم عزلتني يا أمير المؤمنين ألعجز أم لخيانة» فقال عمر: «لم أعزلك لواحدة منهما ولكنّي كرهت أن أحمل فضل عقلك عن النّاس» فأخذ من هذا أنّ الحاكم لا يكون مفرط الذّكاء والكيس مثل زياد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص لما يتبع ذلك من التّعسّف وسوء الملكة وحمل الوجود على ما ليس في طبعه كما يأتي في آخر هذا الكتاب والله خير المالكين وتقرّر من هذا أنّ الكيس والذّكاء عيب في صاحب السّياسة لأنّه إفراط في الفكر كما أنّ البلادة إفراط في الجمود والطّرفان مذمومان من كلّ صفة إنسانيّة والمحمود هو التّوسّط كما في الكرم مع التّبذير والبخل وكما في الشّجاعة مع الهوج والجبن وغير ذلك من الصّفات الإنسانيّة ولهذا يوصف الشّديد الكيس بصفات الشّيطان فيقال شيطان ومتشيطن وأمثال ذلك والله يخلق ما يشاء وهو العليم القدير.