وذلك أنّ الملك كما قدّمناه إنّما هو بالعصبيّة والعصبيّة متألّفة من عصبات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلّها فتغلبها وتستولي عليها حتّى تصيّرها جميعا في ضمنها وبذلك يكون الاجتماع والغلب على النّاس والدّول وسرّه أنّ العصبيّة العامّة للقبيل هي مثل المزاج للمتكوّن والمزاج إنّما يكون عن العناصر وقد تبيّن في موضعه أنّ العناصر إذا اجتمعت متكافئة فلا يقع منها مزاج أصلا بل لا بدّ من أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكلّ حتّى تجمعها وتؤلّفها وتصيّرها عصبيّة واحدة شاملة لجميع العصائب وهي موجودة في ضمنها
_________________
(١) ترسخ وتأصّل.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وتلك العصبيّة الكبرى إنّما تكون لقوم أهل بيت ورئاسة فيهم، ولا بدّ من أن يكون واحد منهم رئيسا لهم غالبا عليهم فيتعيّن رئيسا للعصبيّات كلّها لغلب منبته لجميعها وإذا تعيّن له ذلك فمن الطّبيعة الحيوانيّة خلق الكبر والأنفة فيأنف حينئذ من المساهمة والمشاركة في استتباعهم والتّحكّم فيهم ويجيء خلق التّألّه الّذي في طباع البشر مع ما تقتضيه السّياسة من انفراد الحاكم لفساد الكلّ باختلاف الحكّام «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا ٢١: ٢٢» [١] فتجدع حينئذ أنوف العصبيّات وتفلح شكائمهم عن أن يسموا إلى مشاركته في التّحكّم وتقرع عصبيّتهم عن ذلك وينفرد به ما استطاع حتّى لا يترك لأحد منهم في الأمر لا ناقة ولا جملا فينفرد بذلك المجد بكلّيّته ويدفعهم عن مساهمته وقد يتمّ ذلك للأوّل من ملوك الدّولة وقد لا يتمّ إلّا للثّاني والثّالث على قدر ممانعة العصبيّات وقوّتها إلّا أنّه أمر لا بدّ منه في الدّول سنّة الله الّتي قد خلت في عباده والله تعالى أعلم.