وأمّا الكهانة فهي أيضا من خواصّ النّفس الإنسانيّة وذلك أنّه قد تقدّم لنا في جميع ما مرّ أنّ للنّفس الإنسانيّة استعدادا للانسلاخ من البشريّة إلى الرّوحانيّة الّتي فوقها وأنّه يحصل من ذلك لمحة للبشر في صنف الأنبياء بما فطروا عليه من ذلك وتقرّر أنّه يحصل لهم من غير اكتساب ولا استعانة بشيء من المدارك ولا من التّصوّرات ولا من الأفعال البدنيّة كلاما أو حركة ولا بأمر من الأمور إنّما هو انسلاخ من البشريّة إلى الملكيّة بالفطرة في لحظة أقرب من لمح البصر وإذا كان كذلك وكان ذلك الاستعداد موجودا في الطّبيعة البشريّة فيعطى التّقسيم العقليّ وإنّ هنا صنفا آخر من البشر ناقصا عن رتبة الصّنف الأوّل نقصان الضّدّ عن ضدّه الكامل لأنّ عدم الاستعانة في ذلك الإدراك ضدّ الاستعانة فيه وشتّان ما بينهما
[ ١ / ١٢٥ ]
فإذا أعطي تقسيم الوجود إلى هنا صنفا آخر من البشر مفطورا على أن تتحرّك قوّته العقليّة حركتها الفكريّة بالإرادة عند ما يبعثها النّزوع لذلك وهي ناقصة عنه بالجبلة عند ما يعوّقها العجز عن ذلك تشبّث بأمور جزئيّة محسوسة أو متخيّلة كالأجسام الشّفّافة وعظام الحيوانات وسجع الكلام وما سنح من طير أو حيوان فيستديم ذلك الإحساس أو التّخيّل مستعينا به في ذلك الانسلاخ الّذي يقصده ويكون كالمشيّع له وهذه القوّة الّتي فيهم مبدأ لذلك الإدراك هي الكهانة ولكون هذه النّفوس مفطورة على النّقص والقصور عن الكمال كان إدراكها في الجزئيّات أكثر من الكلّيّات ولذلك تكون المخيّلة فيهم في غاية القوّة لأنّها آلة الجزئيّات فتنفذ فيها نفوذا تامّا في نوم أو يقظة وتكون عندها حاضرة عتيدة تحضرها المخيّلة وتكون لها كالمرآة تنظر فيها دائما ولا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات لأنّ وحيه من وحي الشّيطان وأرفع أحوال هذا الصّنف أن يستعين بالكلام الّذي فيه السّجع والموازنة ليشتغل به عن الحواسّ ويقوى بعض الشّيء على ذلك الاتّصال النّاقص فيهجس في قلبه عن تلك الحركة والّذي يشيّعها من ذلك الأجنبيّ ما يقذفه على لسانه فربّما صدق ووافق الحقّ وربّما كذب لأنّه يتمّم نقصه بأمر أجنبيّ عن ذاته المدركة ومباين لها غير ملائم فيعرض له الصّدق والكذب جميعا ولا يكون موثوقا به وربّما يفزع إلى الظّنون والتّخمينات حرصا على الظّفر بالإدراك بزعمه وتمويها على السّائلين وأصحاب هذا السّجع هم المخصوصون باسم الكهّان لأنّهم أرفع سائر أصنافهم وقد قال ﷺ في مثله «هذا من سجع الكهّان» فجعل السّجع مختصّا بهم بمقتضى الإضافة وقد قال لابن صيّاد حين سأله كاشفا عن حاله بالأخبار كيف يأتيك هذا الأمر؟ قال: «يأتيني صادقا وكاذبا» فقال: «خلط عليك الأمر» يعني أنّ النّبوة خاصّتها الصّدق فلا يعتريها الكذب بحال لأنّها اتّصال من ذات النّبيّ بالملإ الأعلى من غير مشيّع ولا استعانة بأجنبيّ والكهانة لما احتاج صاحبها بسبب عجزه إلى
[ ١ / ١٢٦ ]
الاستعانة بالتّصوّرات الأجنبيّة كانت داخلة في إدراكه والتبست بالإدراك الّذي توجّه إليه فصار مختلطا بها وطرقه الكذب من هذه الجهة فامتنع أن تكون نبوة وإنّما قلنا إنّ أرفع مراتب الكهانة حالة السّجع لأنّ معنى السّجع أخفّ من سائر المغيّبات من المرئيّات والمسموعات وتدلّ خفّة المعنى على قرب ذلك الاتّصال والإدراك والبعد فيه عن العجز بعض الشّيء وقد زعم بعض النّاس أنّ هذه الكهانة قد انقطعت منذ زمن النّبوة بما وقع من شأن رجم الشّياطين بالشّهب بين يدي البعثة وأنّ ذلك كان لمنعهم من خبر السّماء كما وقع في القرآن والكهّان إنّما يتعرّفون أخبار السّماء من الشّياطين فبطلت الكهانة من يومئذ ولا يقوم من ذلك دليل لأنّ علوم الكهّان كما تكون من الشّياطين تكون من نفوسهم أيضا كما قرّرناه وأيضا فالآية إنّما دلّت على منع الشّياطين من نوع واحد من أخبار السّماء وهو ما يتعلّق بخبر البعثة ولم يمنعوا ممّا سوى ذلك. وأيضا فإنّما كان ذلك الانقطاع بين يدي النّبوة فقط ولعلّها عادت بعد ذلك إلى ما كانت عليه وهذا هو الظّاهر لأنّ هذه المدارك كلّها تخمد في زمن النّبوة كما تخمد الكواكب والسّرج عند وجود الشّمس لأنّ النّبوة هي النّور الأعظم الّذي يخفى معه كلّ نور ويذهب.
وقد زعم بعض الحكماء أنّها إنّما توجد بين يدي النّبوة ثمّ تنقطع وهكذا كلّ نبؤه وقعت لأنّ وجود النّبوة لا بدّ له من وضع فلكيّ يقتضيه وفي تمام ذلك الوضع تمام تلك النّبوة الّتي دلّ عليها ونقص ذلك الوضع عن التّمام يقتضي وجود طبيعة من ذلك النّوع الّذي يقتضيه ناقصة وهو معنى الكاهن على ما قرّرناه فقبل أن يتمّ ذلك الوضع الكامل يقع الوضع النّاقص ويقتضي وجود الكاهن إمّا واحدا أو متعدّدا فإذا تمّ ذلك الوضع تمّ وجود النّبيّ بكماله وانقضت الأوضاع الدّالّة على مثل تلك الطّبيعة فلا يوجد منها شيء بعد وهذا بناء على أنّ بعض الوضع الفلكيّ يقتضي بعض أثره وهو غير مسلّم. فلعلّ الوضع إنّما يقتضي ذلك الأثر بهيئته الخالصة ولو نقص بعض أجزائها فلا يقتضي شيئا، لا إنّه يقتضي ذلك الأثر
[ ١ / ١٢٧ ]
ناقصا كما قالوه. ثمّ إنّ هؤلاء الكهّان إذا عاصروا زمن النّبوة فإنّهم عارفون بصدق النّبيّ ودلالة معجزته لأنّ لهم بعض الوجدان من أمر النّبوة كما لكلّ إنسان من أمر اليوم ومعقوبيّة تلك النّسبة موجودة للكاهن بأشدّ ممّا للنّائم ولا يصدّهم عن ذلك ويوقعهم في التّكذيب إلّا قوّة المطامع في أنّها نبوة لهم فيقعون في العناد كما وقع لأميّة بن أبي الصلت فإنّه كان يطمع أن يتنبّأ وكذا وقع لابن صيّاد ولمسيلمة وغيرهم فإذا غلب الإيمان وانقطعت تلك الأمانيّ آمنوا أحسن إيمان كما وقع لطليحة الأسديّ وسواد بن قارب وكان لهما في الفتوحات الإسلاميّة من الآثار الشّاهدة بحسن الإيمان.