وصنف مفطور على الانسلاخ من البشريّة جملة جسمانيّتها وروحانيّتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى ليصير في لمحة من اللّمحات ملكا بالفعل ويحصل له شهود الملإ الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النّفسانيّ والخطاب الإلهيّ في تلك اللّمحة وهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جعل الله لهم الانسلاخ من البشريّة في تلك اللّمحة وهي حالة الوحي فطرة فطرهم الله عليها وجبلة صوّرهم فيها ونزّههم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها بالبشريّة بما ركّب في غرائزهم من القصد والاستقامة الّتي يحاذون بها تلك الوجهة وركّز في طبائعهم رغبة في العبادة تكشف بتلك الوجهة وتسيغ نحوها فهم يتوجّهون إلى ذلك الأفق بذلك النّوع من الانسلاخ متى شاءوا بتلك الفطرة الّتي فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة فلذا توجّهوا وانسلخوا عن بشريّتهم وتلقّوا في ذلك الملإ الأعلى ما يتلقّونه، وعاجوا به على المدارك البشريّة منزّلا في قواها لحكمة التّبليغ للعباد فتارة يسمع أحدهم دويّا كأنّه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الّذي ألقي إليه فلا ينقضي الدّويّ إلّا وقد وعاه وفهمه وتارة يتمثّل له الملك الّذي يلقي إليه رجلا فيكلّمه ويعي ما يقوله والتّلقّي من الملك والرّجوع إلى المدارك البشريّة وفهمه
[ ١ / ١٢٣ ]
ما ألقي عليه كلّه كأنّه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر لأنّه ليس في زمان بل كلّها تقع جميعا فيظهر كأنّها سريعة ولذلك سمّيت وحيا لأنّ الوحي في اللّغة الإسراع واعلم أنّ الأولى وهي حالة الدّويّ هي رتبة الأنبياء غير المرسلين على ما حقّقوه والثّانية وهي حالة تمثّل الملك رجلا يخاطب هي رتبة الأنبياء المرسلين ولذلك كانت أكمل من الأولى وهذا معنى الحديث الّذي فسّر فيه النّبيّ ﷺ الوحي لمّا سأله الحارث بن هشام وقال: كيف يأتيك الوحي؟
فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثّل لي الملك فيكلّمني فأعي ما يقول» وإنّما كانت الأولى أشدّ لأنّها مبدأ الخروج في ذلك الاتّصال من القوّة إلى الفعل فيعسر بعض العسر ولذلك لمّا عاج فيها على المدارك البشريّة اختصّت بالسّمع وصعب ما سواه وعند ما يتكرّر الوحي ويكثر التّلقّي يسهل ذلك الاتّصال فعند ما يعرّج إلى المدارك البشريّة يأتي على جميعها وخصوصا الأوضح منها وهو إدراك البصر وفي العبارة عن الوعي في الأولى بصيغة الماضي وفي الثّانية بصيغة المضارع لطيفة من البلاغة وهي أنّ الكلام جاء مجيء التّمثيل لحالتي الوحي فمثّل الحالة الأولى بالدّويّ الّذي هو في المتعارف غير كلام وأخبر أنّ الفهم والوعي يتبعه غبّ انقضائه فناسب عند تصوير انقضائه وانفصاله العبارة عن الوعي بالماضي المطابق للانقضاء والانقطاع ومثّل الملك في الحالة الثّانية برجل يخاطب ويتكلّم والكلام يساوقه الوعي فناسب العبارة بالمضارع المقتضي للتّجدّد. واعلم أنّ في حالة الوحي كلّها صعوبة على الجملة وشدّة قد أشار إليها القرآن قال تعالى:
«إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ٧٣: ٥» وقالت عائشة: «كان ممّا يعاني من التّنزيل شدّة» [١] وقالت: «كان ينزّل عليه الوحي في اليوم الشّديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا» . ولذلك كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط
_________________
(١) رواه ابن عباس وليست عائشة.
[ ١ / ١٢٤ ]
ما هو معروف وسبب ذلك أنّ الوحي كما قرّرنا مفارقة البشريّة إلى المدارك الملكيّة وتلقّي كلام النّفس فيحدث عنه شدّة من مفارقة الذّات ذاتها وانسلاخها عنها من أفقها إلى ذلك الأفق الآخر وهذا هو معنى الغطّ الّذي عبّر به في مبدإ الوحي في قوله «فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ وكذا ثانية وثالثة» . كما في الحديث وقد يفضي الاعتياد بالتّدريج فيه شيئا فشيئا إلى بعض السّهولة بالقياس إلى ما قبله ولذلك كان تنزّل نجوم القرآن وسوره وآيه حين كان بمكّة أقصر منها وهو بالمدينة وانظر إلى ما نقل في نزول سورة براءة في غزوة تبوك وأنّها نزّلت كلّها أو أكثرها عليه وهو يسير على ناقته بعد أن كان بمكّة ينزّل عليه بعض السّورة من قصار المفصل في وقت وينزّل الباقي في حين آخر وكذلك كان آخر ما نزّل بالمدينة آية الدّين وهي ما هي في الطّول بعد أن كانت الآية تنزّل بمكّة مثل آيات الرّحمن والذّاريات والمدثّر والضّحى والفلق وأمثالها. واعتبر من ذلك علامة تميّز بها بين المكّيّ والمدنيّ من السّور والآيات والله المرشد إلى الصّواب. هذا محصّل أمر النّبوة.