وهو أمر لم يصحّ ولا نقله أحد من أئمّة النّقل والّذي وقع في الصّحيح من طلب الدّواة والقرطاس ليكتب الوصيّة وأنّ عمر منع من ذلك فدليل واضح على أنّه لم يقع وكذا قول عمر ﵁ حين طعن وسئل في العهد فقال: «إن أعهد فقد عهد من هو خير منّي» يعني أبا بكر «وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي» يعني النّبيّ ﷺ لم يعهد وكذلك قول عليّ للعبّاس ﵄ حين دعاه للدّخول إلى النّبيّ ﷺ يسألانه عن شأنهما في العهد فأبى عليّ من ذلك وقال إنّه إن منعنا منها فلا نطمع فيها آخر الدّهر وهذا دليل على أنّ عليّا علم أنّه لم يوص ولا عهد إلى أحد وشبهة الإماميّة في ذلك إنّما هي كون الإمامة من أركان الدّين كما يزعمون وليس كذلك وإنّما هي من المصالح العامّة المفوّضة إلى نظر الخلق ولو كانت من أركان الدّين لكان شأنها شأن الصّلاة ولكان يستخلف فيها كما استخلف أبا بكر في الصّلاة ولكان يشتهر كما اشتهر أمر الصّلاة واحتجاج الصّحابة على خلافة أبي بكر بقياسها على الصّلاة في قولهم ارتضاه رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا دليل على أنّ الوصيّة لم تقع.
ويدلّ ذلك أيضا على أنّ أمر الإمامة والعهد بها لم يكن مهمّا كما هو اليوم وشأن العصبيّة المراعاة في الاجتماع والافتراق في مجاري العادة لم يكن يومئذ بذلك الاعتبار لأنّ أمر الدّين والإسلام كان كلّه بخوارق العادة من تأليف القلوب عليه واستماتة النّاس دونه وذلك من أجلّ الأحوال الّتي كانوا يشاهدونها في حضور
[ ١ / ٢٦٥ ]
الملائكة لنصرهم وتردّد خبر السّماء بينهم وتجدّد خطاب الله في كلّ حادثة تتلى عليهم فلم يحتج إلى مراعاة العصبيّة لما شمل النّاس من صبغة الانقياد والإذعان وما يستفزّهم من تتابع المعجزات الخارقة والأحوال الإلهيّة الواقعة والملائكة المتردّدة الّتي وجموا منها ودهشوا من تتابعها فكان أمر الخلافة والملك والعهد والعصبيّة وسائر هذه الأنواع مندرجا في ذلك القبيل كما وقع فلمّا انحصر ذلك المدد بذهاب تلك المعجزات ثمّ بفناء القرون الّذين شاهدوها فاستحالت تلك الصّبغة قليلا قليلا وذهبت الخوارق وصار الحكم للعادة كما كان فاعتبر أمر العصبيّة ومجاري العوائد فيما ينشأ عنها من المصالح والمفاسد وأصبح الملك والخلافة والعهد بهما مهمّا من المهمّات الأكيدة كما زعموا ولم يكن ذلك من قبل فانظر كيف كانت الخلافة لعهد النّبيّ ﷺ غير مهمّة فلم يعهد فيها ثمّ تدرّجت الأهميّة زمان الخلافة بعض الشّيء بما دعت الضّرورة إليه في الحماية والجهاد وشأن الرّدّة والفتوحات فكانوا بالخيار في الفعل والتّرك كما ذكرناه عن عمر ﵁ ثمّ صارت اليوم من أهمّ الأمور للإلفة على الحماية والقيام بالمصالح فاعتبرت فيها العصبيّة الّتي هي سرّ الوازع عن الفرقة والتّخاذل ومنشأ الاجتماع والتّوافق الكفيل بمقاصد الشّريعة وأحكامها.