فنقول اعلم. أرشدنا الله وإيّاك أنّا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلّها على هيئة من التّرتيب والإحكام وربط الأسباب بالمسبّبات واتّصال الأكوان بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي غاياته وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثمانيّ وأوّلا عالم العناصر المشاهدة كيف تدرج صاعدا من الأرض إلى الماء ثمّ إلى الهواء ثمّ إلى النّار متّصلا بعضها ببعض وكلّ واحد منها مستعدّ إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا وهابطا ويستحيل بعض الأوقات والصّاعد منها ألطف ممّا قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك وهو ألطف من الكلّ على طبقات اتّصل بعضها ببعض على هيئة لا يدرك الحسّ منها إلّا الحركات فقط وبها يهتدي بعضهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها وما بعد ذلك من وجود الذّوات الّتي لها هذه الآثار فيها ثمّ انظر إلى عالم التّكوين كيف ابتدأ من المعادن ثمّ النّبات ثمّ الحيوان على هيئة بديعة من التّدريج آخر أفق المعادن متّصل بأوّل أفق النّبات مثل الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق النّبات مثل النّخل والكرم متّصل بأوّل أفق الحيوان مثل الحلزون والصّدف ولم يوجد لهما إلّا قوة اللّمس فقط ومعنى الاتّصال في هذه المكوّنات أنّ آخر أفق منها
[ ١ / ١٢٠ ]
مستعدّ بالاستعداد الغريب [١] لأن يصير أول أفق الّذي بعده واتّسع عالم الحيوان وتعدّدت أنواعه وانتهى في تدريج التّكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والرّويّة ترتفع إليه من عالم القدرة [٢] الّذي اجتمع فيه الحسّ والإدراك ولم ينته إلى الرّويّة والفكر بالفعل وكان ذلك أوّل أفق من الإنسان بعده وهذا غاية شهودنا ثمّ إنّا نجد في العوالم على اختلافها آثارا متنوّعة ففي عالم الحسّ آثار من حركات الأفلاك والعناصر وفي عالم التّكوين آثار من حركة النّموّ والإدراك تشهد كلّها بأنّ لها مؤثّرا مباينا للأجسام فهو روحانيّ ويتّصل بالمكوّنات لوجود اتّصال هذا العالم في وجودها ولذلك هو النّفس المدركة والمحرّكة ولا بدّ فوقها من وجود آخر يعطيها قوى الإدراك والحركة ويتّصل بها أيضا ويكون ذاته إدراكا صرفا وتعقّلا محضا وهو عالم الملائكة فوجب من ذلك أن يكون للنّفس استعداد للانسلاخ من البشريّة إلى الملكيّة ليصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الأوقات في لمحة من اللّمحات وذلك بعد أن تكمل ذاتها الرّوحانيّة بالفعل كما نذكره بعد ويكون لها اتّصال بالأفق الّذي بعدها شأن الموجودات المرتّبة كما قدّمناه فلها في الاتّصال جهتا العلوّ والسّفل وهي متّصلة بالبدن من أسفل منها وتكتسب به المدارك الحسّيّة الّتي تستعدّ بها للحصول على التّعقّل بالفعل ومتّصلة من جهة الأعلى منها بأفق الملائكة ومكتسبة به المدارك العلميّة والغيبيّة فإنّ عالم الحوادث موجود في تعقّلاتهم من غير زمان وهذا على ما قدّمناه من التّرتيب المحكم في الوجود باتّصال ذواته وقواه بعضها ببعض ثمّ إنّ هذه النّفس الإنسانيّة غائبة عن العيان وآثارها ظاهرة في البدن فكأنّه وجميع أجزائه مجتمعة ومفترقة آلات للنّفس ولقواها أمّا الفاعليّة فالبطش باليد والمشي بالرّجل والكلام باللّسان والحركة الكلّيّة بالبدن متدافعا وأمّا المدركة وإن كانت قوى الإدراك مرتّبة
_________________
(١) وفي بعض النسخ: القريب وليس لهما أي معنى هنا. والمرجح أنها محرفة عن كلمة غريزي.
(٢) كذا في جميع النسخ ما عدا نسخة لجنة البيان العربيّ: القردة وهي منسجمة مع سياق معنى العبارة هنا.
[ ١ / ١٢١ ]
ومرتقيّة إلى القوّة العليا منها ومن المفكّرة الّتي يعبّر عنها بالنّاطقيّة فقوى الحسّ الظّاهرة بآلاته من السّمع والبصر وسائرها يرتقي إلى الباطن وأوّله الحسّ المشترك وهو قوّة تدرك المحسوسات مبصرة ومسموعة وملموسة وغيرها في حالة واحدة وبذلك فارقت قوّة الحسّ الظّاهر لأنّ المحسوسات لا تزدحم عليها في الوقت الواحد ثمّ يؤدّيه الحسّ المشترك إلى الخيال وهي قوة تمثّل الشّيء المحسوس في النّفس كما هو مجرّد عن الموادّ الخارجة فقط وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن الأوّل من الدّماغ مقدّمه للأولى ومؤخّره للثّانية ثمّ يرتقي الخيال إلى الواهمة والحافظة فالواهمة لإدراك المعاني المتعلّقة بالشّخصيّات كعداوة زيد وصداقة عمرو ورحمة الأب وافتراس الذّئب والحافظة لإيداع المدركات كلّها متخيّلة وهي لها كالخزانة تحفظها لوقت الحاجة إليها وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن المؤخّر من الدّماغ أوّله للأولى ومؤخّره للأخرى ثمّ ترتقي جميعها إلى قوّة الفكر وآلته البطن الأوسط من الدّماغ وهي القوّة الّتي يقع بها حركة الرّؤية والتّوجّه نحو التّعقّل فتحرّك النّفس بها دائما لما ركب فيها من النّزوع للتّخلّص من درك القوّة والاستعداد الّذي للبشريّة وتخرج إلى الفعل في تعقّلها متشبّهة بالملإ الأعلى الرّوحانيّ وتصير في أوّل مراتب الرّوحانيّات في إدراكها بغير الآلات الجسمانيّة فهي متحرّكة دائما ومتوجّهة نحو ذلك وقد تنسلخ بالكلّيّة من البشريّة وروحانيّتها إلى الملكيّة من الأفق الأعلى من غير اكتساب بل بما جعل الله فيها من الجبلة والفطرة الأولى في ذلك.