هذا، وكان البارون «كارّادوقو» قد عثر على جزء صغير، اعتقد أنّه مختصر تاريخ الأنطاكي، فألحقه بآخر النسخة - B) ب) الباريسية، من وجه الورقة ٢١٢ ب حتى وجه الورقة ٢١٨ ب. وحين نشر الأب لويس شيخو تاريخ الأنطاكي، ألحق به هذا الجزء الصغير، دون أن يتحقّق إن كان مختصرا لهذا التاريخ، أم أنه مختصر لكتاب آخر، وجاء في طبعته أنّ الملحق يتناول التاريخ الهجري من سنة ٣٤٩ إلى سنة ٣٧٠ (٩٦٠ - ٩٨٠ م.).
وفي الواقع، إن الملحق يتناول أحداثا تصل إلى سنة ٤٠٠ هـ. وليس إلى سنة ٣٧٠ هـ. فقط.
كما أنّ الملحق، ليس كلّه، يعتبر مختصرا من تاريخ الأنطاكي، كما أنه ليس لمؤلّف واحد، ففي الملحق أكثر من خبر لا نجده في تاريخ الأنطاكي. ولغة الملحق وأسلوب صياغته ليست على وتيرة واحدة، على صغره، فهو في قسمه الأول حتى خلافة المعزّ يتّفق بأسلوبه مع تاريخ الأنطاكي إلى حدّ بعيد.
أما القسم الثاني منه، واعتبارا من خلافة المعزّ، فيختلف أسلوب كاتبه اختلافا واضحا، حيث نجده يطلق لقب «أمير المؤمنين» على الخليفة الفاطمي، ويقرن اسمه بقوله: «صلوات الله عليه»، وبقوله: «﵇»، مما يعني أنّ الكاتب من الإسماعيلية الفاطميين.
وبهذا يمكن القول إن «الملحق» هو نسخة ملفّقة لأكثر من مؤلّف، به ثغرات
[ ١ / ١٤ ]
تاريخية كثيرة وواسعة، فقراته مضّطربة، وأخباره مبتورة ومشوّشة، في أكثرها، وبه أوهام ونقص وتحريف، وتقديم وتأخير.
وقد اجتهدت في تحقيق نصوصه وتوضيح ما غمض منها بما توفّر لي من المصادر.
ولما كان كلّ من الأب لويس شيخو، والمستشرقين كاراتشوفسكي وفاسيليف، لم يعتنوا بتحقيق تاريخ الأنطاكي عند نشره كما يقتضي التحقيق العلمي، من تعريف وترجمة للأعلام، وضبط للتواريخ، وتقييد للأسماء، وشرح للمصطلحات والألفاظ اللغوية، ومقارنة النصوص بالمصادر الأساسية، وتحديد المواقع والأماكن بالرجوع إلى معاجم البلدان، وتصحيح للأخطاء، وتصويب للأغلاط، وما إلى ذلك من مقتضيات التحقيق والتعليق والشرح.
فقد رأيت أن أتوفّر لهذا العمل، مقدّما «تاريخ الأنطاكي» إلى المكتبة العربية، محقّقا لأول مرة، مع فهرسة شاملة للأعلام، والأماكن، والمصطلحات، والمصادر والمراجع.
راجيا من الله التوفيق والسداد فيما وطّدت النفس عليه من بعث للتراث العربي. شاكرا لمؤسّسة «جرّوس برسّ» بطرابلس، حسن عنايتها بإخراج هذا الكتاب ونشره.
والله الموفّق.
المحقّق
عمر عبد السلام تدمري
طرابلس الشام
الجمعة في ٩ ربيع الآخر ١٤٠٩ هـ.
١٨ تشرين الثاني ١٩٨٨ م.
[ ١ / ١٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم /٨٢ ب/الكتاب الذي صنّفه يحيى بن سعيد الأنطاكي تتبّعا لتاريخ سعيد ابن (١) بطريق