تتميّز لغة المؤلّف في كتابه أنها تتوسّط بين اللغة الجيّدة واللغة الركيكية، وإن كان معظم الكتاب أقرب إلى الفصحى، رغم الأغلاط النحوية واللغوية التي نبّهت إليها وصحّحتها وصوّبت ألفاظها في حواشي الكتاب. مع أن ثقافة المؤلّف عربية، فهو لا يعرف اليونانية كما يفترض بحكم موقعه، ونستدلّ على ذلك من أنه اطّلع على نصّ الكتاب الذي كان قد كتبه الأبجر ملك الرّها إلى السيد المسيح ﵇ وردّه عليه أن ترجما له عن اليونانية، حيث يقول إن الملك رومانوس عني بترجمة الرسالتين من السريانية إلى اليونانية، «وترجمها لنا إلى العربي الناقل الذي تولّى نقلهما إلى اليوناني على هيئتهما ونصّهما».
وقد عمد الأنطاكيّ إلى كتابة كلمة «ثلث» و«ثلثة» و«ثلثمائة» بحذف الألف في جميع المواضع، فقمت بإثباتها لتّتفق مع الرسّم المألوف، أما بقية الأغلاط فقد قمت بإثباتها كما هي في المتن، وعمدت إلى تصويبها وتصحيحها في الحواشي، إلاّ في بعض الأحيان، حيث أثّبتّ الألفاظ الصحيحة في المتن، وأشرت في الحاشية إلى أنها كانت غلطا في الأصل المخطوط.
بقي أن أشير في هذا المجال إلى أنّ أخبار الحاكم بأمر الله استغرقت نحو ثلث تاريخ الأنطاكي، ولم يكتف المؤلّف بسرد الأخبار والوقائع التي جرت في أيامه، بل نراه يقوم بوضع دراسة تحليلية لشخصية الحاكم وأسلوبه في الحكم
[ ١ / ١٠ ]
وتصرّفاته المتقلّبة، أكّد فيها على الخلل العقلي الذي يعتريه، والمزاجيّة المسيطرة على أحكامه. وهو موضوع خطير لا يزال مطروحا للمناقشة حتى الآن.
ومن أهمّ ما يلاحظ في تاريخ الأنطاكي هو توقّفه المفاجيء عند حوادث سنة ٤٢٥ هـ/١٠٣٤ م. مع أنّ المؤلّف وعد في أواخر كتابه أن يذكر بنود معاهدة الصلح بين الخليفة الفاطمي الظاهر والإمبراطور البيزنطي ميخائيل، التي تمّت سنة ٤٢٧ هـ. فهو يقول في هذا الصدد:
«. . ولم يذعن رومانوس الملك إلى الرجوع عمّا اشترطه في معنى حلب، وجزم أنه لا يعقد الهدنة إلاّ عليه، وتردّدت المكاتبة بين الجهتين في هذا المعنى في أيامه. وفي أيام ميخائيل الملك بعده مدّة ثلاث سنين ونصف إلى أن استقرّ الأمر فيها على ما يأتي فيما بعد ذكره».
ومن المؤسف أن الكتاب ينتهي بحوادث سنة ٤٢٥ هـ. /١٠٣٤ م. أي قبل أكثر من ربع قرن من وفاة الأنطاكي، مما يجعلنا نرجّح أنّ هناك جزءا ضائعا من آخر الكتاب، وهذا الجزء يمكن أن نقدّره بما يساوي ربع الكتاب، ومقياسنا في هذا، هو تقسيم المؤلّف نفسه لكتابه إلى جزءين، حيث ينتهي الجزء الأول بنهاية عهد الحاكم بأمر الله سنة ٤١١ هـ. /١٠٢١ م. أي أنّ الجزء الأول يتناول أحداث نحو خمس وثمانين سنة، بينما لم يصلنا من الجزء الثاني سوى أحداث أربع عشرة سنة فقط. وهذا تقسيم مخلّ في توازن الكتاب من حيث الشكل والمضمون، وهذا أيضا، يؤيّد وجهة نظرنا في أنّ جزءا كبيرا من الكتاب ضاع ولم يصلنا بسبب نجهله.