اهتم الذهبيُّ بقراءة القرآن الكريم، والعِناية بدراسة علم القِراءات فتوجه سنة ٦٩١ هـ هو ورفقةٌ له، إلى شيخ القُرّاء جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن داود العَسقلانيِّ ثم الدمشقيِّ المعروف بالفاضِلِي، فشرَعَ عليه بالجَمْع الكَبير (^٢)، وكان الفاضِلي قد صَحِبَ الشيخَ علمَ الدين السَّخَاويَّ المتوفى سنة ٦٤٣ هـ، وهو الذي انتهت إليه رياسة الإقراء في زمانه (^٣)، وجَمَعَ عليه القراءات السَّبع، وتَصَدَّر للإقراء بتُربة أُمِّ الصالح ولكنه أُصِيبَ بطرفٍ من الفالج فكان يُقرئ في بيته، وينتهي الذهبيُّ عليه إلى أواخر سورة القَصَص، ويَزداد الفالج على الشيخ فيمنع الطلبة من الدخول عليه ثم يموت سنة ٦٩٢ هـ، وتظل قراءة الذَّهبيِّ على الفاضليِّ ناقصة (^٤). ولكنه كان في أثناء شروعه بالجَمْع الكَبير على الفاضلي، قد شَرَعَ في الوقت نفسه يقرأ بالجمع الكَبيرِ على الشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن غالي الدِّمشقي "ت ٧٠٨ هـ" (^٥). وقرأ ختمةً جامعةً لمذاهب القرَّاء السبعة بما اشتملَ عليه كتاب "التَّيسير" للداني وكتاب "حِرْز الأماني" للشاطبي على ابن جِبْريل
_________________
(١) الذهبي: معرفة القراء، ج ٢ ص ٦٩٢. وتوفي الفاروثي سنة ٦٩٤.
(٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٧، ومعرفة القراء، ج ٢ ص ٧٠٣ - ٧٠٤، ابن الجزري: غاية، ج ٢ ص ٧١.
(٣) سبط ابن الجوزي: مرآة، ج ٨ ص ٧٥٨، القفطي: إنباه، ج ٢ ص ٣١١، الحسيني: صلة التكملة، (وفيات ٦٤٣)، الذهبي: العبر، ج ٥ ص ١٧٨، ابن كثير: البداية، ج ١٣ ص ١٧، ابن الجزري: غاية، ج ١ ص ٥٦٨.
(٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٧، ومعرفة القراء، ص ٥٦٢ - ٥٦٣، ٥٧٦ - ٥٩٢.
(٥) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٣٠، ومعرفة القراء، ص ٥٧٦.
[ المقدمة / ٢٥ ]
المِصْريّ نزيلِ دمشق (^١). وما لَبثَ الذهبيُّ أن أصبحَ على معرفةٍ جيدةٍ بالقراءات وأصولها ومسائِلها وهو لَمَّا يَزَل فتىً لم يتعد العِشرينَ من عُمُره، قال في ترجمة قاضي القضاة شهاب الدين أبي عبد اللّه محمد بن أحمد بن خليل الخويي ثم الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ٦٩٣ هـ: "جلستُ بين يديه وسألني عن غيرِ مسألةٍ من القراءات فَمَنَّ اللّهُ وأجبته وشهدَ في إجازتي من الحاضرينَ وأجاز لي مَرْوياته" (^٢). على أنه استمَّر في تحصيلِ هذا الفن فكتب في سنة ٦٩١ هـ "المقدمة في التجويد" عن مؤلفها المقرئ المُجَوِّد أبي عبد اللّه محمد بن جوهر التلعفري المتوفى سنة ٦٩٦ هـ (^٣)، وتلا ختمةً للسبعة على مجد الدين أبي بكر بن محمد المرسي نزيل دمشق المتوفى سنة ٧١٨ هـ (^٤) وجمع الختمة على شيخ القراء ببعلبك موفق الدين المتوفى سنة ٦٩٥ هـ (^٥)، وقرأ بالسبع أيضًا على المقرئ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن منصور الحلبي المتوفى سنة ٧٠٠ هـ، وكان الحلبي هذا من المتصدرين بالعادلية وبالجامع الأموي (^٦). وقرأ كتاب "المبهج في القراءات السبع" (^٧) لسبط الشيخ أبي منصور الخياط البغدادي، و"السبعة" لابن مجاهد وغيرهما علي شيخه أبي حفص عمر بن القَوَّاس المتوفى سنة ٦٩٨ هـ، وسمع "الشاطبية" من غير واحد من القراء (^٨).
وتميز الشاب في دراسة القراءات وبرع فيها براعة جعلت شيخه شمس الدين أبا عبد الله محمد بن العزيز الدمياطي ثم الدمشقي الشافعي، وهو من المقرئين المجودين، يتنازل عن حلقته بالجامع الأموي في أواخر سنة ٦٩٢ هـ أو أوائل سنة ٦٩٣ هـ حينما أصابه المرض الذي توفى فيه، وكان
_________________
(١) الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٦.
(٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٣١.
(٣) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٣٩.
(٤) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٩٨.
(٥) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٧٤.
(٦) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٦٥ - ٦٦.
(٧) عندي منه نسخة مصورة عن نسخة معهد إحياء المخطوطات (رقم ٧٥ قراءات وتجويد) وهو كتاب نفيس للغاية.
(٨) انظر مثلًا الذهبي ومعجم الشيوخ م ٢ الورقة ٣٥، ٦٩.
[ المقدمة / ٢٦ ]
الذهبيُّ قد أكملَ عليه القراءات قبل ذلك (^١)، فكان هذا أول منصبٍ علمي يتولاه الذهبيُّ فيما نعلم وإنْ لم يبق فيه أكثرَ من سنةٍ واحدة (^٢).