أظهرت الدراسات الحديثة لكتب الطبقات التي سبقت تاريخ الإسلام للذهبي أنها لم تستعمل "الطبقة" كوحدة زمنية ثابتة، بل كانت تعني اللقيا في
_________________
(١) انظر في الباب الثالث الكلام على نسخ الكتاب.
[ المقدمة / ٧١ ]
الأغلب (^١). وقد رتب الذهبي كثيرًا من كتبة الرئيسة على الطبقات، بالرغم مما في هذا النظام من بعض العيوب (^٢). لكن مفهوم الطبقة عند الذهبي يختلف من كتاب إلى آخر، حيث نجد أنه رتب كتابه "تذكرة الحفاظ" الذي تناول فيه كبارَ حُفَّاظ الحديثِ من الصحابة حتى عصره، على إحدى وعشرين طبقة استنادًا إلى اللقيا بين المشايخ، وهو بذلك لم يدخل سِني الوفيات باعتباره، حيث نجدها متداخلة بين طبقة وأخرى، وقد علل الذهبيُّ ذلك بقوله في ترجمة أبي الأحوص سلام بن سليم: "مات سنة تسع وسبعين ومئة مع مالك وحماد وإنما أخَّرته لأنه أصغر منهما قليلًا، ولابد في كل طبقة من مجاذبة الطبقتين وإلا فلو بُولغ في تقسيم الطبقات لجاءت كل طبقة ثلاث طبقات وأكثر" (^٣). أما كتابه الآخر "معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار" (^٤) فقد جعله في سبع عشرة طبقة فقط حسب اللقيا في القراءة مع أنه تناول الفترة الزمنية نفسها التي تناولها كتابه "تذكرة الحفاظ" ومع أنه جعل الصحابة طبقتين. بينما رتب كتابه الثالث "سير أعلام النبلاء" على أربعين طبقة، علمًا أن الفترة الزمنية التي تناولها هي نفسها التي تناولها في كتابيه السابقين (^٥).
ومن هذا الذي قدمنا يتضح لنا أن الذهبي لم يراع الوحدة الزمنية الثابتة في جميع هذه الكتب. أما كتابه "المُعين في طبقات المحدثين" فقد جعل الطبقات الأولى فيه تتخذ أسماء المشهورين فيها نحو قوله: "طبقة الزهري وقتادة" (^٦) و"طبقة الأعمش وأبي حنيفة" (^٧) و"طبقة ابن المديني
_________________
(١) راجع عن مفهوم الطبقة عند المؤلفين السابقين، الدكتور أكرم العمري: مقدمة كتاب الطبقات لخليفة بن خياط، ص ٤٥ فما بعد، وبحثنا: مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ. (مجلة الأقلام، العدد الخاص من السنة الأولى، بغداد ١٩٦٥).
(٢) لعل من أهم عيوبه الرئيسة هو عدم اتباع المصنفين تقسيمًا واحدًا حيث يتباين عدد الطبقات بين مصنف وآخر، فلم يعد بالإمكان أن نكتفي بالقول أن فلانًا الفلاني في الطبقة الفلانية لأنه قد يكون في الطبقة السادسة عند مؤلف بينما هو في الطبقة الثامنة عند مؤلف آخر (انظر التفاصيل عند العمري: بحوث ص ١٨٦).
(٣) الذهبي: تذكرة، ج ١ ص ٢٥٠.
(٤) حققناه بالمشاركة سنة ١٩٨٤ في مجلدين. ونشرته مؤسسة الرسالة ببيروت.
(٥) تنظر مقدمتي لسير أعلام النبلاء ١/ ١٠٠.
(٦) الورقة ٧ من نسختي المصورة.
(٧) الورقة ٨.
[ المقدمة / ٧٢ ]
وأحمد" (^١) ونحوها، إلا أنه غَيَّرَ هذه الطريقة حينما وصل إلى مطلع القرن الثالث الهجري حيث أخذ يستعمل السنوات التقريبية في الطبقة نحو قوله: "الطبقة الذين بقوا بعد الثلاث مئة وإلى حدود العشرين والثلاث مئة" (^٢) و"طبقة من الثلاثين وإلى ما بعد الخمسين وخمس مئة" (^٣) وهلم جرًّا. ويتبين من دراسة هذه الوحدات الزمنية التي ذكرها أن الطبقة قد تكون في حدود عشرين سنة (^٤) أو خمس وعشرين (^٥) أو ثلاثين سنة (^٦). وبذلك يتحدد مفهوم "الطبقة" عند الذهبي في جميع الكتب المذكورة باللقيا بين المشايخ، والتعاصر بين مجموعة من الناس.
ولكن الذهبي جعل الطبقة عشر سنوات في "تاريخ الإسلام" فتألف كتابه من سبعين طبقة، فهل يعني هذا أنه وضع تحديدًا زمنيا واضحًا للطبقة مخالفًا طريقته في كتبه الأخرى؟ علمًا أن عمله هذا لم يسبقه فيه أحد فيما نعلم. وقد دفع عمله هذا الباحثين المعنيين بعلم التاريخ إلى القول بأنه خالف الأقدمينَ الذين اعتبروا اللقيا أساسَ التقسيم على الطبقات، بل خالف نهجه هو في "تذكرة الحفاظ" الذي اعتبر فيه اللقيا ولم يعتبر الوفيات. (^٧)
على أننا لا نعتقد أن الذهبي خالف الأقدمين في مفهوم الطبقة فقد استعملها بالمفهوم نفسه في جميع كتبه الأخرى كما بينا قبل قليل، بينما استعمل "الطبقة" في "تاريخ الإسلام" لتدل على "العقد" وهو مفهومٌ يختلف عن المفهوم الذي أراده في كتبه الأخرى والذي جارى فيه الأقدمين. ومن ثم فإننا نعتقد أن ربط الشكل الذي اتبعه الذهبي في "تاريخ الإسلام" بأدبِ الطبقات أمرٌ يحتاج إلى إعادة نظر، بل يجب أن يربط، فيما نرى، بأدبِ التنظيم على السنين الذي يخضع لتعاقُبِ السنين المفردة، فَتُذكرُ مختلفُ الحوادث والوفيات في كلِّ سنةٍ منفصلة عن الأخرى. وآيات هذا الذي نقوله
_________________
(١) الورقة ١٤.
(٢) الورقة ١٩.
(٣) الورقة ٣٢.
(٤) الورقة ٢١، ٣٢.
(٥) الورقة ٢٢، ٢٤.
(٦) الورقة ٢٠، ٢١.
(٧) انظر: روزنتال: علم التاريخ، ص ١٢١، العمري: بحوث، ص ١٩١.
[ المقدمة / ٧٣ ]
ودِلالاته في الترتيب الذي اتبعه الذهبي في كتابه؛ فقد رتب الحوادث على السنين مبتدئًا بالسنة الأولى للهجرة ومنتهيًا بسنة ٧٠٠ هـ، وجعل حوادث كل سنة منفردة بنفسها، ووضع لها عنوانًا خاصًّا. وكان يفصل الحادثة عن الأخرى في السنة الواحدة باستعماله لفظة "وفيها"، أو يذكر الشهر الذي وقعت فيه نحو قوله: "وفي المحرم" أو "وفي رمضان" ونحوهما، وربما عيَّن اليومَ، لا سيما في القسم الأخير من كتابه.
وعلى الرغم من أن الذهبي قسم كتابه إلى "عقود"، وهو الذي أطلق عليه لفظة "طبقة" فإنه لم يلتزم بهذا التقسيم في الحوادث إطلاقًا، ولو التزم به لكان من المفروض أن يذكر حوادث الطبقة مندمجة ببعضها، بل إنه لم يلتزم حتى بذكر حوادثِ كلِّ طبقةٍ ووفياتها بصورةٍ منتظمة. وقد وصل إلينا، لحسن الحظ، قسم من تاريخه بخطه، ومن دراسة هذا القسم تتبين صحةُ دعوانا: ففي المجلدين السابع (^١) والثامن (^٢) اللذين أرَّخَ فيهما ما بين سنتي ١٧١ - ٢٣٠ هـ ذكر حوادث "الطبقة" مرتبةً حسب السنين ثم ذكر وفياتها، ولكن القسم الموجود من المجلد الثاني عشر (^٣) ليس فيه غير الوفيات من سنة ٣٥١ هـ إلى سنة ٤٠٠ هـ، وكذلك المجلد الثالث عشر (^٤) لم يحتو غير الوفيات من سنة ٤٠١ هـ إلى سنة ٤٥٠ هـ، أما المجلد الخامس عشر (^٥) فترد فيه وفيات ٥٠١ - ٥٤٦ هـ (^٦) متسلسلة ثم حوادث السنوات ٥٠١ - ٥٥٠ هـ متسلسلة في مكان واحد أيضًا (^٧). والظاهر أنه اتبع هذه الطريقة، أعني: جمع حوادث كل مجلد في مكان واحد، في جميع المجلدات ابتداء من المجلد الحادي عشر الذي يبتدئ من أول سنة ٣٠١ هـ إلى نهاية المجلد الخامس عشر. ويبدو - أيضًا - أن المجلدات الأربعة المبتدئة بالمجلد الحادي عشر والمنتهية بالمجلد الرابع عشر قد احتوى كل مجلد منها - أيضًا - على حوادث خمسين سنة
_________________
(١) أيا صوفيا ٣٠٠٦.
(٢) أيا صوفيا ٣٠٠٧.
(٣) أيا صوفيا ٣٠٠٨.
(٤) أيا صوفيا ٣٠٠٩.
(٥) أيا صوفيا ٣٠١٠.
(٦) الورقة ٢ - ٤٦ من النسخة أعلاه.
(٧) الورقة ٤٧ فما بعد من النسخة أعلاه.
[ المقدمة / ٧٤ ]
بصورة متتالية، وهاكَ دلالات ذلك:
١ - على الرغم من عدم وصول المجلد الحادي عشر إلينا، فإننا استطعنا من إشارة وردت عند السخاوي في كتاب "الإعلان" أنْ نعرفَ أن المجلد العاشر من نسخة الذهبي الموقوفة على المدرسة المحمودية بالقاهرة قد انتهى بنهاية المتوفين من الطبقة الثلاثين (^١) (٢٩١ - ٣٠٠ هـ). ولما كان المجلد الثاني عشر قد وصل إلينا وهو يتناول الفترة من سنة ٣٥٠ هـ إلى سنة ٤٠٠ هـ (^٢) فقد أصبح من الواضح أن الذهبي تناول في المجلد الحادي عشر الفترة الممتدة من سنة ٣٠١ هـ إلى سنة ٣٥٠ هـ. ولكن كيف عرفنا أنه تناول حوادث هذه الفترة مجتمعة ولم تصلْ إلينا أية قطعةٍ من هذا المجلد الذي هو بخطه؟ وجواب ذلك في النسخ التي نسخت عنها وحافظت على ذاتية الذهبي في بعض تنظيمه، فمن ذلك - مثلًا - المجلد المحفوظ في مكتبة أحمد الثالث برقم (٢٩١٧/ ١٥) والذي اختص بالحوادث فقط (^٣)، حيث نجد حوادثَ السنين (٣٠١ - ٣٥٠ هـ) قد سارت متناسقةً ومتتابعة من غير وجود أي عنوان يدل على أن الذهبي تناول حوادث كل طبقة - مثلًا - بصورة منفصلة (^٤)، بل إنَّ الخط نفسه يتغير في بداية حوادث سنة (٣٥١ هـ) التي بدأها الناسخ بعنوان جديد وورقة جديدة. وعند تتبعنا لتنظيم هذا المجلد المحفوظ في مكتبة أحمد الثالث ومقارنته بما تبقى لنا من مجلدات بخط المؤلف نجده يضع بدايات للحوادث كلما انتقل من مجلد إلى آخر، أو من مجموعة حوادث جمعها الذهبي إلى أخرى حيث بدأ حوادث سنة ٥٠١ هـ بالبسملة وبداية ورقة
_________________
(١) ذكر السخاوي عند الكلام على كتابه الذي جمعه على حروف المعجم وأصله من "تاريخ الإسلام" للذهبي أن هناك نقصًا يسيرًا في نسخة "تاريخ الإسلام" الموقوفة على المدرسة المحمودية، وهي النسخة التي اعتمدها في تجريد التراجم، فقال: "وقد سقط من آخر الطبقة الثلاثين، وهي سنة إحدى وتسعين ومئتين إلى آخر القرن، وهو آخر المجلد العاشر: من ذكر محمود بن أحمد بن الفرج إلى آخر الطبقة ولم يثبته البدر البشتكي في النسخة التي بخطه بالباسطية فكأنه سقط قبل كتابته، فيراجع من نسخة أخرى" ص ٥٩٧ - ٥٩٨.
(٢) أيا صوفيا ٣٠٠٨، وانظر أعلاه وصفه عند كلامنا على نسختنا الملفقة (رقم ١٠).
(٣) انظر أعلاه كلامنا على نسختنا الملفقة (رقم ١٨).
(٤) الورقة ١ - ٥٠ من النسخة أعلاه.
[ المقدمة / ٧٥ ]
جديدة (^١)، واستمر كلامه على حوادث السنين متناسقًا حتى سنة ٥٥٠ هـ (^٢). وفي مطلع القرن السابع بدأ الحوادث بصفحة جديدة ووضع لها عنوانًا (^٣)، ثم تناول حوادث عشرين سنة بصورة متتابعة ومتناسقة (^٤)، وهي الحوادث الموجودة على هذا الشكل في المجلد الثامن عشر الذي وصل إلينا بخط المؤلف (^٥). ثم ابتدأ حوادث سنة ٦٢١ هـ ببداية جديدة ووضع لها عنوانًا وسار به بصورة رتيبة إلى سنة ٦٥٠ هـ (^٦)، وهو ما فعله الذهبي في المجلد التاسع عشر من نسخته (^٧). وقد قال في بداية حوادث ٦٥١ هـ "بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي، ذكر الحوادث الكائنة في هذه السنين العشر" (^٨) وهذه هي عبارة الذهبي بنصها (^٩).
٢ - وهذا الذي ذكرته من المحافظة على الترتيب في المجلد المحفوظ بمكتبة السلطان أحمد الثالث رقم (٢٩١٧/ ١٥) قد حافظ عليه - أيضًا - ناسخ المجلد المحفوظ في المكتبة الأحمدية بحلب رقم (١٢٢٠/ ١) والمتضمن حوادث السنوات (٣٠١ - ٥٥٠ هـ) (^١٠) وصاحب النسخة المحفوظة في مكتبة أحمد الثالث برقم (٢٩١٧/ ٤) والتي تبين لنا أنها انتقاء من "تاريخ الإسلام" (^١١).
٣ - أما المجلد الثاني عشر فقد وصلت إلينا جميع تراجمه مسلسلة وهي تشمل
_________________
(١) الورقة ١١٩ وقارن الورقة ١ - ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠).
(٢) الورقة ١٦٧.
(٣) الورقة ٢٥٠.
(٤) الورقة ٢٨٠.
(٥) الورقة ٢١٩ - ٢٥١ (أيا صوفيا ٣٠١١). وانظر أعلاه وصف هذا المجلد في الكلام على نسختنا الملفقة (رقم ١٩).
(٦) الورقة ٢٨١ فما بعد.
(٧) الورقة ٢٢٧ فما بعد (أيا صوفيا ١٢ ٣٠).
(٨) الورقة ٣٣٣.
(٩) الورقة ٢٩٥ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
(١٠) انظر وصفه أعلاه في نسختنا الملفقة (رقم ١٤).
(١١) الورقة ٢٢١ ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الانتقاء كان في حياة المؤلف سنة ٧٣٩ هـ. وقد تبين لنا نتيجة المقارنة الدقيقة أن المنتقي قد حافظ على ذكر الحوادث ولم يختصر فيها وأن الاختصار وقع في تراجم غير المشهورين.
[ المقدمة / ٧٦ ]
وفيات السنوات (٣٥١ - ٤٠٠ هـ) (^١) والظاهر أنه كان يحتوي على حوادث هذه الفترة، فإضافة إلى ما قدمنا ذكره في الفقرتين السابقتين من أدلة تنظيمية (^٢)، فإنَّ وجودَ خَطِّ الصلاحِ الصفديِّ على طرة هذا المجلد بقراءة الحوادث خيرُ دليلٍ على ما نقول، فالذي حفظناه من ترجمة الصفديِّ لشيخه الذهبي أنه قرأ عليه من "تاريخ الإسلام المغازي والسيرة النبوية إلى آخر أيام الحسن وجميع الحوادث إلى آخر سنة سبع مئة" (^٣) فأين هي الحوادث التي قرأها الصفدي والتي وضع خطه على المجلد من أجلها؟. ثم يتكامل يقيننا بعد ذلك بجمع الذهبي لحوادث هذه الخمسين سنة في مكان واحد حينما ننظر إلى تسلسل الوفيات في هذا المجلد من سنة ٣٥١ هـ إلى سنة ٤٠٠ هـ، من غير فجوةٍ ولا انقطاع.
٤ - وقد وصلت إلينا جميع وفيات المجلد الثالث عشر متتابعة، وهي وفيات السنوات (٤٠١ - ٤٥٠ هـ) ولم تصل إلينا حوادث هذه الفترة مع عدم توافر احتمال وجودها في المجلدات الأخرى كما سيتضح بعد قليل.
٥ - ومما قدمنا من أدلةٍ وتسلسلٍ لمحتوياتِ المجلدات التي كتبها الذهبي بخطه ووصول المجلد الخامس عشر إلينا، وهو يتضمنُ وفياتِ السنواتِ من ٥٠١ هـ إلى أثناء ٥٤٦ هـ وحوادث السنوات (٥٠١ - ٥٥٠ هـ) (^٤)، يظهر لنا أن المجلد الرابع عشر الذي لم يصل إلينا، كان يتناول حوادث ووفيات السنوات ٤٥١ - ٥٠٠ هـ.
٦ - ثم إن وجود حوادث السنوات (٥٠١ - ٥٥٠ هـ) في المجلد الخامس عشر من نسخة المؤلف يقطع من غير شك احتمالَ وجودِ حوادث السنوات السابقة لهذه المدة في المجلدين السادس عشر والسابع عشر. ولما كانت
_________________
(١) أيا صوفيا ٣٠٠٨.
(٢) وانظر أيضًا بداية الحوادث في النسخة الحلبية رقم ١٢٢٠/ ١ لسنة ٣٥١ هـ (الورقة ٧٥) حيث يبدأ الناسخ بالبسملة والدعاء بالتيسير ثم يذكر حوادث السنوات متتابعة إلى سنة ٤٠٠ هـ ويبدأ حوادث سنة ٤٠١ هـ بورقة جديدة.
(٣) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٣ ونكت الهميان ص ٢٤٢. وانظر طرة المجلد الحادي والعشرين من نسخة المؤلف التي بخطه (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) انظر أعلاه وصف هذا المجلد في كلامنا على نسختنا الملفقة (رقم ١٥).
[ المقدمة / ٧٧ ]
الفترات الزمانية للمجلدات من الحادي عشر إلى الرابع عشر متساوية حيث اشتمل كُلُّ مجلدٍ منها على خمسين سنة، فإنه يبدو من غير المحتمل أنْ يكونَ أحد المجلدات قد تضمن من الحوادث ما هو زائد على نطاقه الزماني.
٧ - ولما كان البدر البشتكي قد حافظ على تقسيم الذهبي ونقل نسختيه من خط المؤلف فقد عرفنا من نصه أن المجلد السادس عشر ينتهي بنهاية الطبقة الثامنة والخمسين، وأن المجلد السابع عشر قد انتهى بنهاية الطبقة الستين، ويؤيده وصول المجلد الثامن عشر كاملًا بخطه.
أما المجلد الثامن عشر (^١) فقد أورد الذهبي فيه وفيات السنوات (٦٠١ - ٦٢٠ هـ) مجتمعة ثم أعقبها بذكر حوادث المدة نفسها (^٢)، وقال في نهاية الوفيات: "وقد انقضى ما انتهى إليَّ عِلْمُه من وفيات هؤلاء الذين انتقلوا إلى الله في هذه العشرين سنة، فلنشرع فيما وقع الاختيارُ عليه من حوادث هذه العشرين سنة - إن شاء الله - " (^٣) بينما تناول المجلد التاسع عشر (^٤) وفيات السنوات (٦٢١ - ٦٤٠ هـ) ثم أعقبها بحوادث السنوات (٦٢١ - ٦٥٠ هـ) (^٥) وابتدأها بقوله: "ومن الحوادث" (^٦)، ولم نجد وكما هو في المجلدات الأخرى أيضًا أيَّ فاصل بين حوادث طبقة وأخرى (^٧)، ثم توكيده ذلك بقوله في أول حوادث سنة ٦٤١ هـ من المجلد التاسع عشر، وهي بداية الطبقة الخامسة والستين: "بسم الله الرحمن الرحيم: ومن حوادث المجلد العشرين عشر سنين" (^٨).
_________________
(١) أيا صوفيا ٣٠١١.
(٢) الورقة ٢١٩ - ٢٥١ من المجلد أعلاه.
(٣) الورقة ٢١٧ من المجلد أعلاه.
(٤) أيا صوفيا ٣٠١٢.
(٥) الورقة ٢٢٧ - ٢٧٠ منه.
(٦) الورقة ٢٢٧ منه أيضًا.
(٧) انظر الورقة ٢٤٣ من النسخة الأصلية (غير المصورة) حيث تنتهي حوادث سنة ٦٣٠ هـ وتبدأ في ظهرها حوادث سنة ٦٣١ هـ وهي بداية الطبقة الرابعة والستين.
(٨) الورقة ٢٥٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وقد انتهت حوادث سنة ٦٤٠ هـ وابتدأت حوادث سنة ٦٤١ هـ في وجه الورقة نفسها.
[ المقدمة / ٧٨ ]
ولعلَّ الذي يؤيد رأينا هذا ويزيده قوةً هو أن الذهبيَّ لا يقتصر في إطلاق لفظ "الطبقة" على التراجم حسب، بل يطلقه - أيضًا - على الحوادث وهي متسلسلة وبعيدة تمامًا عن مكانها، فقد قال في نهاية حوادث سنة (٥٥٠ هـ) من النسخة التي بخطه: "آخر الطبقة الخامسة والخمسين والحمد لله" (^١)، فإذا كان مفهوم الطبقة يُرادُ به تحديد جماعة من الناس فكيف يصحُّ إطلاقُه على الحوادث؟!
قد توصلنا إذن إلى أنَّ مفهومَ "الطبقة" في كتاب "تاريخ الإسلام" يعني "العقد". ويحق للقارئ الباحث بعد كل هذا الذي أطلنا القولَ فيه، ودللنا عليه أنْ يتساءلَ عن سبب تنظيم الذهبي كتابه على "عقود" فنقول عندئذ: إنَّ ذلك لم يكن إلا لحاجةٍ تنظيمية استشعرها الذهبيُّ لا سيما في الفترة الأولى من كتابه التي تمتد إلى سنة (٣٠٠ هـ) حيث لم تتوافر فيها لديه وفيات عدد كبير من المترجَمين بصورة دقيقة. فلم يكن ليستطيع أنْ ينظم وفياتهم حسب السنين، وإذا ما رَتَّبهم كذلك فإنه سوف يضطر لإعادةِ ذِكْرِ الشخصِ أكثرَ من مرة استنادًا إلى الاختلافِ الحاصل في تاريخ وفاته، وهي الطريقة التي اتبعها حينما نظم الوفيات على السنين اعتبارًا من سنة (٣٠١ هـ). وقد أشار الذهبي إلى ذلك في مقدمة كتابه حينما قال: "ولم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي، بل اتَّكَلُوا على حفظهم، فذهبت وفيات خَلْقٍ من الأعيان من الصحابة ومن تبعهم إلى قريب زمان أبي عبد الله الشافعي فكتبنا أسمائهم على الطبقات تقريبًا" (^٢).
إنَّ عدمَ توافر تواريخ وفيات المترجَمين في الفترة الأولى من تاريخ الإسلام بصورة دقيقة من جهة، وقلتهم من جهة أخرى (^٣) دفعت الذهبيَّ إلى
_________________
(١) الورقة ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠).
(٢) تاريخ الإسلام، ١/ ١٠ (من طبعتنا).
(٣) اعتذر الذهبي عن قلة ما هو مذكور من التراجم في السنين الأولى من كتابه فقال في أثناء السنة الأولى للهجرة: "والسبب في قلة من توفي في هذا العام وما بعده من السنين أن المسلمين كانوا قليلين بالنسبة إلى مَنْ بعدهم، فإن الإسلام لم يكن إلا ببعض الحجاز أو من هاجر إلى الحبشة. وفي خلافة عمر - بل وقبل - انتشر الإسلام في الأقاليم، فبهذا يظهر لك قلة مَنْ توفي في صدر الإسلام وسبب كثرة من توفي في زمن التابعين فمن بعدهم" تاريخ الإسلام ١/ ٢٠ وقال في آخر سنة ٢٨ هـ من كتابه: "وقل من مات وضبط موته في هذه السنوات كما ترى" ٢/ ١٧٩.
[ المقدمة / ٧٩ ]
أنْ يدمج الحوادث والتراجم في العقود الأربعة الأولى من "تاريخ الإسلام"، بل لم يظهر لفظ "الطبقة" في العقود الثلاثة الأولى إطلاقًا، فقد انتقل من السنة العاشرة للهجرة إلى الحادية عشرة من غير إشارة إلى بدء طبقة جديدة (^١)، وانتقل من سنة عشرين إلى سنة إحدى وعشرين من غير ذكر للطبقة أيضًا (^٢). أما الطبقة الرابعة (٣١ - ٤٠ هـ) فقد ذكر عنوانها ولم نجد فحواها وفائدتها، فقد خلط الذهبيُّ الوفيات بالحوادث في هذا العقد خلط كتب الحوليات (^٣).
ولننظر الآن إلى تنظيم الوفيات في هذه السنين الأربعين، إذا كان هناك من تنظيم، ففي المدة الواقعة (١ - ١١ هـ) ذكر الذهبي بعض الوفيات القليلة جدًّا ضمن الحوادث بحيث لا يشعر الباحث بأهميتها وترجم للنبيِّ ﷺ ترجمة طويلة باعتبار وفاته حادثًا من حوادث سنة ١١ هـ (^٤). وبعد أن تكلم على خلافة أبي بكر ﵁ من ضمن حوادث هذه السنة وقصة الأسود العنسي، وجيش أسامة، وشأن أبي بكر مع فاطمة وأخبار الردَّةِ وما جرى فيها (^٥)، ذكر وفاة فاطمة وبعض الصحابة (^٦)، ولم يراع في ذكر هذه الوفيات أيَّ نوعٍ من أنواع التنظيم، لا من حيثُ قِدَم الوفاةِ ولا من حيث الترتيب على حروف المعجم غير ورودها في سنة ١١ هـ، أما في سنة ١٢ هـ فقد ذكر فيها مَنْ توفي في وقعة اليمامة من غير ترتيب (^٧)، وذكر بعدها بعض الحوادث القصيرة (^٨)، ثم عاد إلى الوفيات ثانية (^٩)، ثم ذكر بعض الحوادث، وهكذا نجد تباينًا كبيرًا في التنظيم. وفي السنين التالية نجده يرتب بعض وفيات السنين على حروف المعجم كما هو في سنة ثلاث عشرة (^١٠)، وأربع
_________________
(١) انظر ١/ ٤٧٧.
(٢) انظر ٢/ ١٢٣.
(٣) ٢/ ١٩٨ - ٣٨٢.
(٤) الورقة ١ - ١٧٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٥) = ١/ ٤٧٩ - ٨٣٧ (من طبعتنا).
(٥) ٢/ ٥ - ٢٩.
(٦) ٢/ ٢٩ - ٣٥.
(٧) ٢/ ٣٦ - ٤٦.
(٨) ٢/ ٤٧.
(٩) ٢/ ٤٧ - ٤٨.
(١٠) ٢/ ٥٢ - ٧٢.
[ المقدمة / ٨٠ ]
عشرة (^١)، وخمس عشرة (^٢)، وثلاثين (^٣)، ويدمج بعض الوفيات في سنين أخرى بالحوادث أو يذكرها في آخر الحوادث من غير ترتيب كما في سنة ست عشرة (^٤)، وسبع عشرة (^٥)، وثماني عشرة (^٦)، وتسع عشرة (^٧) وعشرين (^٨)، وإحدى وعشرين (^٩)، وثلاث وعشرين (^١٠)، وأربع وعشرين (^١١)، والسنوات من إحدى وثلاثين إلى أربعين (^١٢)، في حين لم يذكر في بعض السنين أية ترجمة (^١٣). ولكنه ذكر من توفي في خلافة عمر على التقريب في سنة وفاته وهي سنة ٢٣ هـ، ورتبهم على حروف المعجم (^١٤)، ثم ذكر في نهاية سنة ثلاثين من توفي في خلافة عثمان تقريبًا ونظمهم على حروف المعجم أيضًا (^١٥)، مع أن عثمان قتل سنة ٣٥ هـ، كما هو مشهور، وقد ترجم له هناك ترجمة حافلة (^١٦).
من كل هذا الذي قدمنا يتضح لنا أنه لم يكن هناك تنظيم سار على نَسَقٍ واحد على الإطلاق، في هذه المدة الممتدة حتى سنة ٤٠ هـ، ولم يكن للتراجم أي أثرٍ واضح في الكتاب يميزها عن الحوادث. وهذا هو الذي يفسر لنا سبب قراءة الصفدي لكتاب "تاريخ الإسلام" من أوله إلى آخر أيام الحسن، ثم اقتصاره على الحوادث إلى نهاية الكتاب، مع أن الصفديَّ لم يكن يريد أن
_________________
(١) ٢/ ٧٣ - ٨١.
(٢) ٢/ ٨٢ - ٩١.
(٣) ٢/ ١٨٢ - ١٨٥.
(٤) ٢/ ٩٢ - ٩٦.
(٥) ٢/ ٩٧ - ٩٨.
(٦) ٢/ ٩٩ - ١٠٤.
(٧) ٢/ ١٠٦ - ١٠٩.
(٨) ٢/ ١١٠ - ١٢١.
(٩) ٢/ ١٢٣ - ١٣١.
(١٠) ٢/ ١٣٧ - ١٦٧.
(١١) ٢/ ١٦٩ - ١٧٢.
(١٢) ٢/ ١٩٨ - ٣٨١.
(١٣) ٢/ ١٧٤ و١٧٥ و١٧٦ - ١٧٨ و١٧٩ و١٨٠ - ١٨١.
(١٤) ٢/ ١٦٠ - ١٦٧.
(١٥) ٢/ ١٨٦ - ١٩٦.
(١٦) ٢/ ٢٥٧ فما بعد.
[ المقدمة / ٨١ ]
يقرأ من هذا التاريخ على مؤلفه غير الحوادث كما يبدو (^١)، لأنَّ تاريخ الإسلام حتى أيام الحسن لم يكن غير تاريخ حوادث، فيه بعض الوفيات ولم يكن بالإمكان فصل الحوادث عن الوفيات.
وابتداء من سنة ٤١ هـ وحتى سنة ٣٠٠ هـ اتَّبع الذهبيُّ تنظيمًا جديدًا مغايرًا لما سار عليه في المدة السابقة، فصار ينظم وفيات كل عشر سنوات على حروف المعجم ومن ثم فإنه لم يعتن بذكر وفيات المترجَمين داخل الطبقة دائمًا، وأغفل وفيات عدد كبير منهم، بسبب عدم معرفته بسنة وفاتهم على وجه الدقة، فلو أخذنا أول طبقة في هذا التنظيم الجديد وهي الطبقة الخامسة (٤١ - ٥٠ هـ) - مثلًا - لوجدنا عدد المترجَمين فيها ٧٩ ترجمة (^٢)، لم يذكر غير تواريخ وفيات خمسة وعشرين منهم فقط، أما الآخرون فقد تركهم غُفلًا من تاريخ الوفاة، أو حدد عصرهم تقريبًا نحو قوله - مثلًا -: "وعاش إلى دهر معاوية" (^٣)، و"توفي في إمرة معاوية" (^٤)، و"مات وسط إمرة معاوية" (^٥)، و"توفي في أول خلافة معاوية" (^٦)، و"توفي في صدر خلافة معاوية" (^٧)، و"توفي في خلافة معاوية" (^٨)، و"بقي إلى هذا الوقت" (^٩). ولو أخذنا الطبقة العاشرة - مثلًا - (٩١ - ١٠٠ هـ) لوجدنا أنه أورد فيها ٢٨٤ ترجمة (^١٠) لكنه لم يذكر سوى تاريخ وفاة ٨٥ ترجمة منها فقط، وكتب الباقي على التقريب مستعملًا في بعض الأحيان العبارات الدالة على تعيين أوقاتهم التقريبية نحو قوله: "توفي في خلافة الوليد" (^١١)، و"توفي في آخر خلافة الوليد" (^١٢)،
_________________
(١) راجع الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٣، ونكت الهميان، ص ٢٤٢.
(٢) ٢/ ٣٩٣ - ٤٥٤.
(٣) ٢/ ٣٩٣.
(٤) ٢/ ٤٣١.
(٥) ٢/ ٣٩٦.
(٦) ٢/ ٤٠٧.
(٧) ٢/ ٤١٤.
(٨) ٢/ ٤١٣ و٤١٧ و٤٣٩.
(٩) ٢/ ٣٩٦.
(١٠) ٢/ ١٠٥١ و١٢١٠.
(١١) ٢/ ١٠٨٥ و١٠٩٢ و١١٣٢.
(١٢) ٢/ ١١٣٨.
[ المقدمة / ٨٢ ]
و"توفي في إمرة الحجاج" (^١)، و"توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز" (^٢) ونحو ذلك. وينطبق هذا الذي قلناه من عدم تقييد الوفيات، إلا في القلة، على جميعِ المدة الواقعة في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الذهبيِّ ابتداء من سنة ٤١ هـ.
من ثم نلاحظ بعد كل ذلك تباينًا كبيرًا جدًّا بين كبار المؤرخين الذين نقل الذهبيُّ عنهم تواريخَ الوفيات في ضبطها وتحديدها، لا سيما في غير المشهورين، فإذا ما قدمنا أمثلة لاختلاف هؤلاء المؤرخين في المشهورين جدًّا عرفنا مدى التباين الكبير في غيرهم، فهذا أبو موسى الأشعري وتلك شهرته اختلفت مواردُ الذهبيِّ اختلافًا بينًا في تاريخ وفاته، فذكر الهيثم بن عدي أنه توفي سنة ٤٢ هـ، ووافقه ابن مندة، وقال أبو نعيم الأصبهاني ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبو بكر بن أبي شيبة وقعنب التميمي: توفي سنة ٤٤ هـ، أما الواقدي فذكر أن وفاته سنة ٥٢ هـ، وجعلها المدائني سنة ٥٣ هـ (^٣). وهذا سعيد بن المسيب عالم أهل المدينة بلا مدافعة تختلفُ جُلُّ موارد الذهبي في وفاته، فيذكر الهيثم بن عدي وسعيد بن عفير ومحمد بن عبد الله بن نمير أن وفاته سنة ٩٤ هـ، ويذكر أبو نعيم الأصبهاني وعلي بن المديني أنها سنة ٩٣ هـ، ويقول يحيى القطان: إنها سنة ٩١ هـ أو سنة ٩٢ هـ، وينقل الذهبي عن محمد بن سواء عن همام عن قتادة أنه توفي سنة ٨٩ هـ ثم ينقل عن أبي عبد الله الحاكم النيسابوري قوله: "فأما أئمة الحديث فأكثرُهم على أنه توفي سنة خمس ومئة" (^٤). وهذا عروة بن الزبير بن العوام الإمام الفقيه المشهور نقل الذهبيُّ عن أبي نعيم وابن المديني وخليفة: أنه مات سنة ٩٣ هـ، ونقل عن الهيثم بن عدي والواقدي وَأبي حفص الفلاس: أنه توفي سنة ٩٤ هـ، ونقل عن يحيى بن بكير: أنه توفي سنة ٩٥ هـ (^٥). ومثل هذه الأمثلة كثيرة جدًّا، بل هي الصفة الغالبة على "تاريخ الإسلام" في هذه الحقبة، فكيف يستطيع الذهبيُّ بعد
_________________
(١) ٢/ ١١٥٩.
(٢) ٢/ ١٠٨٤.
(٣) ٢/ ٤٥٤.
(٤) ٢/ ١١٠٧.
(٥) ٢/ ١١٤٢ وانظر بعض الأمثلة في الحقب التالية الورقة ١٢١ هـ ١٩١ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
[ المقدمة / ٨٣ ]
كل هذا أنْ يُرتِّبَ التراجمَ حسب السنين؟ ولذلك اخترع "العقد" وسماه "طبقة" بحيث تستوعب السنوات العشر كثيرًا من مثل هذا الاختلاف. ومن أجل أن يقدم للقارئ تسهيلًا فقد ذكر أسماء بعض الأعلام في أول حوادث السنة التي رجح وفاتهم فيها.
وابتداء من سنة ٣٠١ هـ وإلى نهاية الكتاب غَيَّرَ الذهبيُّ تنظيمه مرة أخرى فصار يذكرُ وفيات كُلِّ سنةٍ بصورة مستقلة مرتبًا تراجمَ السنةِ الواحدة على حروف المعجم، وذاكرًا المتوفَّين على التقريب في نهاية كل "طبقة".
ويَحقُّ للباحثِ الذي قرأ ما حَبَّرناه قبلَ قليل أنْ يتساءل: كيف استطاع الذهبيُّ أن ينقل تنظيم كتابه هذه النقلة بين سنة وأخرى؟ وكيف تَمكَّنَ من حل الإشكالات الكثيرة والمصاعب الجمة التي واجهته في ضبط الوفيات والخُلف الذي بينها؟ فنقول عندئذ:
١ - من المعلوم عند أهل العلم بالتاريخ أن التدوين في هذه الحقبة قد ازداد ازديادًا عظيمًا (^١)، ولذلك توافرت مادةٌ جيدة في الوفيات، (^٢) وقد أشار الذهبيُّ إلى ذلك في مقدمة كتابه فقال بعد الذي ذكره من عدم اعتناء المتقدمين بضبط الوفيات: "ثم اعتنى المتأخرون بضبط وفيات العلماء وغيرهم حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتنا لهم، فلهذا حفظت وفيات خلق من المجهولين" (^٣). وهكذا توافرت للذهبيِّ مادةٌ غنيةٌ ودقيقة نسبيًا من تواريخ
_________________
(١) انظر عن انتشار التدوين والصراع الذي جرى قبل هذا بسبب تفضيل الروايات الشفوية والحفظ عليه، والمفاضلة بينه وبين الحفظ: بحث الدكتور صالح العلي "المحاضرات الشفهية" وبحثه الآخر: "مواد الكتابة" وكلاهما مكتوب بالآلة الكاتبة ببغداد سنة ١٩٧٣ م، وبحث الأستاذ كولتسيهر عن "الصراع حول مكانة الحديث عند المسلمين". Goldziher Kampfe um die Stellung des Hadith im Islam (ZDMG Band ٦ ip. ٨٦٠). المنشور في مجلة جمعية المستشرقين الألمان (ZDMG) م ٦١ ص ٨٦٠ فما بعد.
(٢) من المناسب أن أُشير هنا إلى أنه بجانب كثير من الكتب المؤلفة في علم الرجال نجد القرن الرابع يشهد التأليف بكتب "الوفيات"؛ فقد ألف كل من عبد الباقي بن قانع البغدادي المتوفى سنة ٣١٥ هـ ومحمد بن عبد الله بن زبر الدمشقي المتوفى سنة ٣٧٩ هـ كتابيهما في "الوفيات"، انظر بحثنا: كتب الوفيات، ص ٢٤٠.
(٣) ١/ ١٠ (من طبعتنا).
[ المقدمة / ٨٤ ]
وفيات المترجَمين وإنْ ظلت طائفة منهم مجهولة عنده وعند غيره من المؤرخين.
٢ - ومن دراسة هذا القسم من الكتاب يتبين لنا أنَّ الذهبيَّ قد تمكن أن يتبع منهجًا تنظيميًا يخفف فيه كثيرًا من عدد الذين لم يستطع التَّثَبُّتَ من تواريخِ وفياتهم، ويزيل كثيرًا من الإرباك الذي يتأتَّى من كثرةِ المذكورين في آخر الطبقة على التقريب، وذلك بأن ينظم بعضًا من هؤلاء في وفيات السنة التي كان لهم آخر ذِكْرٍ فيها، بعد أنْ صَرَّحَ في غير موضع من كتابه بأنه لم يعرف وفاتهم يقينًا، وأنه إنما كتبهم في وفيات السنة على التقدير (^١)، ونبَّه على ذلك بعبارات دالة نحو قوله: "حدث في هذه السنة" (^٢)، و"حدث في شوال من هذه السنة" (^٣)، و"لم تضبط وفاته وإنما حدث في هذه السنة" (^٤)، و"حدث في هذا العام ولعله مات فيه" (^٥)، و"حدث في هذه السنة وتوفي بعدها" (^٦)، و"حدث في السنة ولم يذكروا وفاته"، و"حدث بنيسابور في هذه السنة وتوفي بعد ذلك" (^٧)، و"حدث في هذا العام ولم تعرف وفاته" (^٨)، و"حدث في هذه السنة، وانقطع خبره" (^٩)، و"حدث في أواخر سنة تسع وأظنه توفي سنة عشر" (^١٠) و"توفي بعد سنه سبع" (^١١)، و"انقطع خبره من هذا العام"، و"توفي في حدود هذه السنة" (^١٢)، و"سمع منه في هذا العام" (^١٣)، و"سمع منه في هذه
_________________
(١) انظر مثلًا الورقة ١٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) قال: "قلت: هو والذي قبله لا أعرف وفاتهما يقينًا"، والورقة ٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) قال: "لا أعلم تاريخ موته وإنما كتبته هنا اتفاقًا"، والورقة ١٣٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٨٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٢) انظر مثلًا الورقة ٨٧، ١١٣، ١٨٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٣) الورقة ١٦٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٤) الورقة ١٣٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٨٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٥) الورقة ١٢٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) الورقة ١٨٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٧) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٩٨.
(٨) الورقة ١٢٨، ١٢٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٩) الورقة ٣٣٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١٠) ٧/ ١٦٥ (من طبعتنا) وقد ذكر في سنة ٣١٠.
(١١) ٧/ ١٢٢، علمًا أنه ذكره في سنة ٣٠٧.
(١٢) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٩٨.
(١٣) الورقة ٨٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
[ المقدمة / ٨٥ ]
السنة ولم تؤرخ وفاته" (^١)، و"أجاز للخولاني في هذه السنة" (^٢)، و"كان حيًا في هذه السنة"، و"بقي إلى بعد هذا العام بيسير" (^٣)، و"بقي إلى هذا العام" (^٤)، و"كان حيًا في هذا الوقت ولم أر له تاريخ وفاة" (^٥)، ونحوها.
٣ - وقد رأينا الذهبي دائما يحاول أن يجد وحدات زمنية يَتَّسع نطاقُها لتشملَ أولئك المتوفَّين على التقريب، وهنا وجد هذه الوحدة الزمنية أيضًا، فوضع غير المعروفين منهم في نهاية كل عقد ومَيَّزهم بعناوينَ تحملُ العبارات الدالة على عدم تمكنه من ضبطِ تاريخ وفاتهم نحو قوله: "ذِكْرُ مَنْ لم أعرف تاريخَ موته من أهل هذه الطبقة كتبتهم على التقريب" (^٦)، أو "مَنْ كان حيًا في هذا الوقت، ولم أعرف تاريخ وفاته فكتبتهم تخمينًا لا يقينًا" (^٧)، أو "مَنْ لم نَحْفظ وفاته وله شهرة كتبناه تقريبًا" (^٨)، أو "المتوفون في عشر السبعين وثلاث مئة تقريبًا لا يقينًا" (^٩)، أو "ممن كان في هذا الوقت" (^١٠)، أو"المتوفون بعد الأربع مئة ظنًا" (^١١)، أو "المتوفون في هذا الحدود ما بين الستين والسبعين" (^١٢) - يعني وخمس مئة -، أو "وممن كان في هذا الوقت" (^١٣)، أو "المتوفَّون على التخمين" (^١٤)، ونحوها من هذه العناوين. وقد رتب الذهبيُّ غير المعروفين هؤلاء على حروف المعجم (^١٥) أيضًا.
_________________
(١) الورقة ١٣١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٢) الورقة ٢٣٩ من النسخة السابقة.
(٣) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٩٨.
(٤) الورقة ١٩٢، ١٩٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٥) ينظر: الذهبي ومنهجه ٢٩٨.
(٦) ٧/ ١٦٩ (من طبعتنا).
(٧) ٧/ ٦٠٠.
(٨) ٨/ ١٥٨.
(٩) الورقة ١٠٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(١٠) الورقة ٢١٠ من النسخة السابقة.
(١١) الورقة ١٠٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١٢) ١٢/ ٤٤٧.
(١٣) ١٢/ ٩٢٢.
(١٤) ١٢/ ٦٥٢.
(١٥) قد نلاحظ في آخر تراجم المذكورين على التقريب عدم انتظام في الترتيب المعجمي (انظر مثلًا الورقة ١١٢ - ١١٣، ١٧١ - ١٧٢، ٢٠٨، ٢٥٧ - ٢٥٨، أحمد الثالث=
[ المقدمة / ٨٦ ]
ولما كان الذهبيُّ قد غير التنظيم ابتداء من مطلع القرن الرابع الهجري وجعله على السنين فكان من الطبيعي أن يكون عدد المترجَمين غير المعروفة وفياتهم في العقود الأولى من هذا التنظيم الجديد أكبر بكثير مما هو عليه في العقود الأخيرة، على الرغم من إيجاد بعض الأساليب المخففة لعددهم مما ذكرنا قبل قليل .. وقد لاحظنا نتيجةً لما قمنا به من إحصاءات بعد تحقيقنا للكتاب على أفضل النسخ أن عددهم كان يأخذ بالتناقص كلما اقترب الكتاب من عصر المؤلف، فمن بين عدد تراجم الطبقة الحادية والثلاثين (٣٠١ - ٣١٠ هـ) البالغ (٦٦٣) ترجمة وجدنا (١٦٧) ترجمة منها قد ذكرت في نهاية الطبقة على التقريب (^١)، لعدم وقوفِ المؤلف على وفياتهم، في حين بلغ عددهم في الطبقة التي بعدها (٨٤) نفسًا (^٢)، وفي الطبقة الثالثة والثلاثين (٧٩) نفسًا (^٣)، وفي الطبقة الخامسة والثلاثين (٨٥) نفسًا (^٤)، وفي السادسة والثلاثين (٧٣) نفسًا (^٥)، وفي الطبقة الثامنة والثلاثين (٦٨) نفسًا (^٦)، وفي الطبقة الأربعين (٤٨) نفسًا (^٧)، وفي الثانية والأربعين (٥٢) نفسًا (^٨) بينما بلغوا في الطبقة الثالثة والأربعين (٢٦) نفسًا (^٩)، وفي الرابعة والأربعين (٢٧)
_________________
(١) = ٢٩١٧/ ٩) على أن هذا لا علاقة له بالتنظيم إذ جاء من الإضافات التي أضافها الذهبي إلى نسخته فيما بعد ووضع لها إشارات تشير إلى مواضعها وطلب إلى النساخ وضعها في مكانها الصحيح، إلا أن النساخ أبقوا عليها حيث كانت. على أن بعض النساخ الفهماء، ومنهم بدر الدين البشتكي، قد أعادوا تنظيم التراجم في كثير من الأحيان لإدراكهم أن المصنف أراد ذلك، فقد ذكر البشتكي في آخر الطبقة التاسعة والخمسين أنه فعل ذلك، قال: "وقدمت من الأسماء وأخرت على شرطه ما يجب". وقد سرنا نحن على هذه القاعدة في جل المواضع.
(٢) ٧/ ١٦٩ - ٢٠٢ (من طبعتنا).
(٣) ٧/ ٣٨٠ - ٤٠٠.
(٤) ٧/ ٦٠٠ - ٦٢٠.
(٥) ٧/ ٩٠٠ - ٩٢٠.
(٦) ٨/ ١٥٨ - ١٧٦.
(٧) ٨/ ٤٨٨ - ٥٠٢.
(٨) ٨/ ٨٢٥ - ٨٤٠.
(٩) ٩/ ٣٢٦ - ٣٣٨.
(١٠) ٩/ ٤٨٤ - ٤٩٠.
[ المقدمة / ٨٧ ]
نفسًا (^١)، وفي الخامسة والأربعين (١١) نفسًا (^٢)، فإذا ما انتقلنا إلى القرن السابع وجدنا هذا العدد يتناقص حيث لم يتجاوز عدد المذكورين على التقريب في نهاية أول عقد منه (٦٠١ - ٦١٠ هـ) (١٨) ترجمة (^٣)، وفي العقدين الثاني (^٤) والثالث (^٥) أربع تراجم، وفي العقد الرابع سبع عشرة ترجمة (^٦)، وفي العقد الثامن عشر تراجم (^٧)، أما العقدان الأخيران من الكتاب فلم نجد فيهما ذكرًا للمتوفين على التقريب، مع أن عدد الذين ذكر الذهبيُّ وفاتهم في الطبقة الأخيرة من كتابه قد بلغ (٨٢٥) مترجَم (^٨).
وفي أثناء تبييض الذهبيِّ لكتابه وبعد الانتهاء من كتابته، كان يعثر دائمًا على وفيات بعض من لم يعرف وفاتهم من أولئك الذين كتبهم على التقريب، سواء أكان ذلك في القسم المنظم على "العقود" أم في القسم المنظم عى السنين فكان يضع إشارة لذلك ويطلب من النُّسَّاخ تحويلهم إلى مواضعهم الأصلية الصحيحة، فقد تبين له فيما بعد مثلًا، أنَّ المنذر بن عبد الله بن المنذر القرشي الأسدي الذي ترجم له أولًا في الطبقة الثامنة (١٧١ - ١٨٠ هـ) قد توفي سنة ١٨١ هـ لذلك طلب تأخيره إلى الطبقة التاسعة عشرة (^٩). ومن ذلك - أيضًا - ما قال في أثناء وفيات سنة ٣٢٤ هـ: "محمد بن أحمد بن عمر الداجري - يُحَوَّل إلى هنا من تقريب الطبقة الماضية" (^١٠) ومثلُ هذا كثير في كتابه (^١١).
إنَّ ذكر الحوادثِ سنةً بعد سنة من أول الكتاب إلى آخره ثم تنظيم التراجم ابتداء من سنة ٣٠١ هـ على السنين قد جعل الذهبيَّ، فيما نعتقد، يغير رأيه في
_________________
(١) ٩/ ٥٩٨ - ٦٠٤.
(٢) ٩/ ٧٥٧ - ٧٦٠.
(٣) ١٣/ ٢٥٧ - ٢٦٤.
(٤) ١٣/ ٦٢٧ - ٦٢٨.
(٥) ١٣/ ٩٤٧ - ٩٥٠.
(٦) ١٤/ ٣٣٨ - ٣٤١.
(٧) ١٥/ ٤١٠ - ٤١٤.
(٨) الورقة ٢١٠ - ٣١٩ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٩) الورقة ١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(١٠) الورقة ١٣٣ (أحمد الثالث ٩/ ٢٩١٧) وانظر أيضًا الورقة ١١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(١١) انظر أدناه كلامنا على تنظيم التراجم.
[ المقدمة / ٨٨ ]
عنوانِ الكتاب فيحذف منه لفظ "طبقات" ويضع لفظ "وفيات" بدلًا منه فيصير عنوان الكتاب "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام" بدلًا من "تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام". ودليلنا على ذلك أن العنوان الذي ورد فيه لفظ "طبقات" لم يرد إلا في طرتي المجلدين الثاني والحادي والعشرين من النسخة التي بخطه، بينما ورد العنوان الذي يحمل لفظ "وفيات" بخطه في المجلدات الثمانية التي وصلت إلينا من هذه النسخة. ويزدادُ يقيننا، بل يتكامل في هذا الأمر حينما نتذكر أن طرتي المجلدين الثاني والحادي والعشرين هما من الطرر التي كتبها الذهبيُّ عند انتهائه من الكتاب أول مرة، وأن الطررَ الثماني الأخرى كانت تمثِّلُ الإخراجَ الأخير لكتابه.