تناولَ الذهبيَّ جملة كبيرةٌ من المؤرخين فترجموا له تراجم تختلف طُولًا وقِصَرًا، وتتباينُ في نوعية المعلومات التي تقدِّمُها استنادًا إلى اختلافِ مشاربهم وتنوعِ ثقافاتهم واهتماماتِهم وأمزجتِهم. ونجد بينَهُم رِفاقًا له في طَلَبِ العلم وتلامذةً، وتلامذةً لتلامذتِه وهلم جرًا إلى أزمنةٍ متأخرةٍ.
وقد ترجم له من معاصريه رفيقه علمُ الدين البِرْزاليُّ (^١) "ت ٧٣٩ هـ"، وابنُ الوَرْدِي (^٢) "ت ٧٤٩ هـ"، والصَّفَدِيُّ (^٣) "ت ٧٦٤ هـ"، وابنُ شاكر الكُتبِيُّ (^٤) "ت ٧٦٤ هـ"، وشمس الدين الحُسينيُّ (^٥) "ت ٧٦٥ هـ"، والإسنويُّ (^٦) "ت ٧٧٤ هـ"، والسبكيُّ (^٧) "ت ٧٧١ هـ"، وبدر الدين النابلسيُّ (^٨) "ت ٧٧٢ هـ"،
_________________
(١) في معجم شيوخه. وهذا المعجم في عداد المفقودات في عالم المخطوطات العربية، لكن ترجمة الذهبي فيه منقوله في كتاب "رونق الألفاظ" لسبط ابن حجر، و"المنهل الصافي" لابن تغري بردي وغيرهما.
(٢) تتمة المختصر، ج ٢ ص ٣٤٩.
(٣) الوافي، ج ٢ ص ١٦٣ - ١٦٨، ونَكْت الهميان، ص ٢٤١ - ٢٤٤.
(٤) فوات الوفيات: ج ٢ ص ١٨٣، وعيون التواريخ، الورقة ٨٦ - ٨٨ (كيمبرج ٢٩٢٣).
(٥) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٤ - ٣٨، والذيل على العبر، ص ٢٦٧ - ٢٦٩.
(٦) طبقات الشافعية، ج ١ ص ٥٥٨ - ٥٥٩ (ط. الجبوري).
(٧) طبقات الشافعية الكبرى، ج ٩ ص ١٠٠ - ١١٦ (من الطبعة الجديدة بعناية صديقينا العالمين الطناحي والحلو رحمهما الله)، وطبقات الشافعية الوسطى (دار الكتب ٥٥٤ تاريخ) وفيها زيادات عما في الطبقات الكبرى، ومعيد النعم، ص ٨٤، ٨٧، ومعجم الشيوخ (التيمورية ١٤٤٦ تاريخ).
(٨) معجم الشيوخ، ولم أقف عليه، وقد وقف عليه ابن حجر بخطه (الدرر، ج ٢ ص ١٢٢) ونقل ترجمة الذهبي منه (الدرر، ج ٣ ص ٤٢٧)، وكان الذهبي قد ذكره في معجمه المختص في حرف النون ٢٨٧.
[ المقدمة / ١١ ]
وابنُ كثير (^١) "ت ٧٧٤ هـ"، وابن رافعٍ السلامي (^٢) "ت ٧٧٤ هـ"، وبدر الدين الزركشي (^٣) "ت ٧٩٤ هـ".
وليس في هذه التراجم من اختلافٍ كبير، إلا أن ترجمتي الصفدي والسبكي كانتا من أكثرِ التراجمِ فائدةً لنا؛ فقد قدم لنا الصفدي رأيهُ الشخصي في تقويم الذهبي وتخلُّصِه من الجمود، ونقلَ تقويمًا لكمال الدين ابن الزملكاني "ت ٧٢٧ هـ" لكتابه "تاريخ الإسلام" بعد أنْ أنهاه مطالعة. كما أشار في مقدمة كتابه "الوافي "إلى أن عمدته في تأليف كتابه كان على كتاب "تاريخ الإسلام" للذهبي (^٤). أما السبكي فإنه الوحيدُ الذي انتقد الذهبيَّ في كتابه "تاريخ الإسلام" انتقادًا مرًا، كما نقل نقدًا لتلميذه صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي "ت ٧٦١ هـ". وأشار إلى العلاقة التي تربط بين كُلٍّ من المزيِّ والبرزالي وابن تيمية والذهبي وميلهم إلى آراء الحنابلة. وقدم السبكيّ في كل الذي كتبه تقويمًا أشعريًا للذهبي.
أما الذين ترجموا له بعد عصره فهم: ابنُ دقماق (^٥) "ت ٨٠٩ هـ"، وابنُ الجزريِّ (^٦) "ت ٨٣٣ هـ"، وابن ناصر الدين الدمشقي (^٧) "ت ٨٤٢ هـ"، وابن قاضي شهبة (^٨) "ت ٨٥١ هـ"، وابن حجر العسقلاني (^٩) "ت ٨٥٢ هـ"، وبدر الدين العيني (^١٠) "ت ٨٥٥ هـ"، وابن تغري بردي (^١١) "ت ٨٧٤ هـ"، وسبط ابن
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ١٤ ص ٢٢٥، وطبقات الشافعية (نسخة الرباط ٢١٩ ك).
(٢) كتاب الوفيات ٢/ ٥٥ - ٥٦، ومعجم شيوخه الذي لم يصل إلينا، إلا أن سبط ابن حجر نقل ترجمة الذهبي منه في كتابه "رونق الألفاظ".
(٣) عقود الجمان، الورقة ٧٩ (نسخة مكتبة فاتح بإستانبول رقم ٢٤٣٥).
(٤) الوافي، ج ١ ص ٥٠ - ٥١.
(٥) ترجمان الزمان، الورقة ٩٨ - ٩٩ (أحمد الثالث ٢٩٢٧).
(٦) غاية النهاية، ج ٢ ص ٧١.
(٧) التبيان، الورقة ١٦٦، ومقدمة توضيح المشتبه ١/ ١١٥، والرد الوافر، ص ٣١ - ٣٦.
(٨) طبقات الشافعية، ٣/ ٢٠٨، والإعلام بتاريخ أهل الإسلام، م ١ الورقة ٩٠ (باريس ١٣٩٨ عربي).
(٩) الدرر، ج ٣ ص ٤٢٦ - ٤٢٧.
(١٠) عقد الجمان، الورقة ٣٧ (أحمد الثالث ٢٩١١).
(١١) المنهل الصافي، الورقة ٦٩ - ٧٢ (أحمد الثالث ٣٠١٨)، والنجوم الزاهرة ج ١٠ ص ١٨٢ - ١٨٣، والدليل الشافي، الورقة ٩٦ (نسخة مكتبة قره جلبي باستانبول رقم ٢٦٦).
[ المقدمة / ١٢ ]
حجر (^١) "٨٩٩ هـ"، والسخاوي (^٢) "ت ٩٠٢ هـ"، ويوسف بن عبد الهادي (^٣) "ت ٩٠٩ هـ"، والسيوطي (^٤) "ت ٩١١ هـ"، والنعيمي (^٥) "ت ٩٢٧ هـ"، وابن الحريري (^٦) "ت بعد ٩٢٦ هـ"، وابن طولون (^٧) "ت ٩٥٣ هـ"، وطاش كبري زادة (^٨) "ت ٩٦٧ هـ"، وابن هداية اللّه المصنف (^٩) "ت ١٠١٤ هـ"، وابن العماد الحنبلي (^١٠) "ت ١٠٨٩ هـ"، والبغدادي (^١١) "ت ١٠٩٣ هـ"، والشوكاني (^١٢) "ت ١٢٥٠ هـ"، والقنوجي (^١٣) "ت ١٣٠٧ هـ"، والكتاني (^١٤).
وتُقَدِّمُ تراجمُ المتأخِّرينَ نُقولًا جيدة عن بعض معاصريه مما لم يصل إلينا. ونحن نعلم أنَّ الذهبيَّ خلف عددًا كبيرًا من التلاميذِ النُّجب من متعيني رواة القرن الثامن الهجري، وكان لكثيرٍ من هؤلاء مشيخات أو معجمات لشيوخهم (^١٥).
فكانت هذه المادة هي المعين لما كتبه المتأخرون عن الذهبي. إضافة إلى أن هذه التراجمَ تمثلُ رأيَ أجيال العلماء في الذهبي وتقدير علمه وكتبه.
_________________
(١) رونق الألفاظ، الورقة ١٨٠ - ١٨٣ (مصورة معهد المخطوطات رقم ١٠٨٧ تاريخ).
(٢) وجيز الكلام، ١/ ٣١ بتحقيقنا والإعلان (في غير موضع منه فراجع فهرسته).
(٣) معجم الشافعية، الورقة ٢٥ - ٢٦ (ظاهرية ٤٥٥١ عام).
(٤) طبقات الحفاظ، الورقة ٨٤ - ٨٥ (نسخة مكتبة البلدية بالإسكندرية رقم ٨٢٢ ب).
(٥) تنبيه الدارس، ج ١ ص ٧٨ وراجع فهرس الجزء الثاني أيضًا.
(٦) منتخب الزمان، الورقة ٢٠٧ - ٢٠٨ (مصورة التيمورية ٢٤٠٥).
(٧) القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، ص ٣٢٨ (دمشق ١٩٤٩).
(٨) مفتاح السعادة، ج ١ ص ٢٦١، ج ٢ ص ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٩) طبقات الشافعية، ص ٢٣٢ (بيروت ١٩٧١).
(١٠) شذرات الذهب، ج ٦ ص ١٥٣.
(١١) تراجم العلماء، الورقة ٦٩ - ٧٠ (رئيس الكتاب بإستانبول، رقم ٦٢٧).
(١٢) البدر الطالع، ج ٢ ص ١١٠ - ١١٢.
(١٣) التاج المكلل، ص ٤١١ - ٤١٢.
(١٤) فهرس الفهارس، ج ١ ص ٣١٢ - ٣١٤ (فاس ١٣٤٦ هـ).
(١٥) كان القرن الثامن مشحونًا بكثرة المشيخات، يعرف ذلك من يقرأ كتاب الدرر لابن حجر وغيره من الكتب المؤلفة في رجال هذه الفترة. وانظر أيضًا: السخاوي: الإعلان ص ٦٠٥ فما بعد، والذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ١١، ١٨، ١٩، ٢٠، ٢٢، ٣٥، ٣٧، ٤١، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٨، ٥٩، ٦٠، ٦٤، ٧٥، ٧٦، ٧٩، ٨٠، ٨٤، ٨٨، م ٢ ورقة ١، ٣، ١٠، ١١، ١٥، ١٧، ٢٠، ٢٥، ٤٥، ٤٨، ٥٢، ٥٤، ٥٦، ٦٠، ٦٢، ٦٣، ٧٠، ٧١، ٧٧، ٨٣، ٨٦، ٨٩، ١٠٠.
[ المقدمة / ١٣ ]
على أن هذه التراجم كانت متفاوتةً في قيمتها، فقد نقلها قسمٌ منهم عن المتقدمين المعروفين لنا فلم نفد منها كثيرًا. أما القسم الآخر فكان مفيدًا؛ فقد كان ابنُ الجزريِّ هو الوحيد الذي ترجم للذهبي باعتباره أستاذًا في القراءات وأشار إلى أنه سلخ كتابه "طبقات القراء" وأدخله في كتابه "غاية النهاية". أما ابنُ ناصر الدين وابن قاضي شهبة وابن حجر فهم من الذين اتَّصَلُوِا بكتبِ الذهبي؛ فقد شرح ابنُ ناصر الدين كتابَ "المشتبه" للذهبي، ونَظمَ كتابه "تذكرة الحفاظ". ولخص ابن قاضي شهبة "تاريخ الإسلام". وكان لابن حجر اتصالٌ قويٌّ بكثيرٍ من مؤلفات الذهبي، وهو من أعظم النقاد في القرن التاسع الهجري، ولذلك فإن رأيه في الذهبي له قيمته العلمية، أما ابن تغري بردي وسبط ابن حجر فهما أكثر من عني بذكر مؤلفات الذهبي وآثاره؛ ففي الوقت الذي ذكر فيه السبكي (٢٤) مؤلفًا، والصفدي (٣٨) مؤلفًا، وهما من أكثرِ الناس اتصالًا به ذكر لنا ابن تغري بردي وسبط ابن حجر قرابة المئة أثر بين مختصرٍ وتأليفٍ وتخريج. أما كتاب "الإعلان" للسخاوي فقد كان من أحسنِ المصادر المتأخرة، وقد انفرد بعدة أمورٍ لم نجدها في غيره من الكتب، فهو الوحيدُ الذي نقل إلينا خطة الذهبي لتاريخه "المحيط" الذي لم يؤلفه وقد أفادتنا هذه الخطة كثيرًا في تَفَهُّم مفهومِ التاريخ عند الذهبي ومدى التصاقه بالتراجم، بل إنَّ السخاويَّ بنى أصلَ كتابهِ على خطة الذهبي هذه بعد أنْ أضافَ إليها. وقد أشار السخاويُّ إلى نقدِ السبكي وابن المرابط للذهبي ونقل أقوالهما ورَدَّ عليها وفَنَّدها ونقلَ آراء العلماء فيها، كما شاهد خط ابن بصخان المقرئ على الصفحة التي ترجم له الذهبي فيها وكيف أقْذَعَ في الكلام على الذهبي بسبب كلام الذهبيِّ فيه. وقد انفرد السخاويُّ بذكر بعض آثار الذهبي، بل نقل كتيبًا صغيرًا له في كتابه هو "الأمصار ذوات الآثار"، وهو الوحيدُ الذي أشار إلى رسالة الذهبيِّ إلى ابن تيميةَ مما وثق نسبتها إليه لاسيما وقد شَكَّ فيها غيرُ واحدٍ، ثم قدم لنا السخاويُّ تقويمًا لكتب الذهبي في نهاية القرن الثامن الهجري. والسخاوي بعد ذلك من كبار علماء التاريخ امتاز بمنهجٍ على درجةٍ كبيرة من الرُّقيِّ، فأقواله لها قيمتها.
[ المقدمة / ١٤ ]
وكتبَ عن الذهبيِّ من المحدثين العرب حسام الدين القدسي (^١)، والأستاذ سعيد الأفغاني (^٢)، وشيخنا الدكتور مصطفى جواد (^٣)، والدكتور صلاح الدين المنجد (^٤)، وغيرهم (^٥). وكتب عنه من المستشرقين: شبيز (^٦)، وبروكلمان (^٧)، وسوموجي (^٨).
وليس في هذه الكتابات الحديثة أكثر من تلخيص لما هو شائعٌ في المصادر، إلا أن ما كتبه الدكتور المنجد يعد جيدًا بسبب اعتمادِه على معجم شيوخ الذهبي وإنْ كان فيما كتبه بعض الأوهام، وقد أفَدنا منها. وكتبتُ أنا سيرة موجزةً لحياتِه في مقدمة كتابه "أهل المئة فصاعدًا" (^٩)، وفيها بعض الأوهام أيضًا، ثم كتبت في سنة ١٩٧٥ م كتابي "الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام" الذي طبع في القاهرة في مطلع سنة ١٩٧٦ م والذي نال بحمدِ اللّه تعالى ومَنِّهِ ثناءَ أهلِ العلم عليه.
وقد عنينا عند تأليفنا لكتابنا المذكور العناية التامة بمؤلفات الذهبي، لإيماننا بأنَّ من أكثر الينابيع صفاءً وأعلاها ثقةً في تدوين سير العلماء هو دراسة ما خَلَّفَهُ صاحبُ السيرة من تراث كتابي، لا سيما إذا كان العالمُ ظاهرَ الشخصيةِ في كتبه من جهة، وإذا كان قد تناول عصره الذي عاشَ فيه وشاهده من جهة أخرى. ومن هنا كان استيعابُنَا لمؤلفاتِ الذهبيِّ على غايةٍ من الأهمية في استنباط أحداثِ سيرته العلمية؛ وآية ذلك أن الذهبيَّ ترك لنا ثروةً ضخمة من
_________________
(١) مقدمة الجزء الأول من تاريخ الإسلام، ج ١ ص ٣ - ١٢.
(٢) مقدمة سيرة ابن حزم (مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، م ١٦ ج ٩ ص ٣٨٧ - ٣٩٨).
(٣) مقدمة المختصر المحتاج إليه، ج ١ ص ١٤ - ١٦.
(٤) دائرة المعارف الإسلامية، مادة "الذهبي" من الترجمة العربية.
(٥) كتب معظم محققي وناشري كتب الذهبي ترجمة لحياته في مقدمات هذه الكتب وليس فيها جديد.
(٦) spies، O.: Beitrage Zur arabaischen، Leteraturgeschichte ١١٢ (Leipziq ١٩٣٢).
(٧) Brockelmann، D.: Geschichte der Arabischen، Leteratur، Bannd ٢ p. ٥٧ - ٦٠.
(٨) Somogyi: Dhahabi، in Ency. OF Islam (New ed).
(٩) مجلة المورد، العدد الرابع من المجلد الثاني، ص ١٠٧ - ١١٣. منه نسخة بدار الكتب المصرية، برقم (٦٥ حديث) وصورت لنفسي نسخة منه.
[ المقدمة / ١٥ ]
الكتابات. وقد ظهرتْ شخصيتُه على أشدها في الأقسام الأخيرة من كتبه، وبخاصة تاريخ الإسلام، وتذكرة الحُفَّاظ، وسيرِ أعلامِ النبلاء، ومعرفة القُرَّاء الكبار وغيرها. يضاف إلى أن ما وصلَ إلينا من كتابات للذهبي في الحديث والتاريخ والعقائد، يُوضِّحُ جوانبَ غير معروفة من سيرته، فكان أنْ جمعنا ما تَناثَر منها في ثنايا كتبه من نصوص أفادتنا في دراسة سيرته مدققين تلكم النصوص ومقارنينَ إياها بما حَفِظَتْهُ لنا كُتبُ التراجم على مَر العصور.
فضلًا عن أن الإمامَ الذهبيَّ ترك لنا ثلاثة معجمات لشيوخه: المعجم الكبير، والمعجم الأوسط، والمعجم الصغير، وقد وصل إلينا معجمه الكبير (^١)، ومعجمه الصغير (^٢).
ومعلومٌ أنَّ أيَّ معجم للشيوخ يمثلُ في حقيقته سجلًا أمينًا لتطور سيرةِ صاحبهِ العلمية، وقائمة بشيوخه الذين كان على اتصالٍ وثيقٍ بهم بحُكْم رؤيتِه لهم واتِّصالهِ بهم وتَتَلْمُذِه عليهم، ومن ثَمَّ فإن دراسته تؤدي بالباحَث إلى تَلَمُّس الطريق الذي اتخذته دراساته ولقاؤه المشايخ وما أَخَذَ عنهم، وأسماء الكتب والأجزاء التي سمعها منهم مما يشيرُ إلى نوعيةِ اهتمامِه واتجاهاته العلمية، ولذلك فإنها تُعَدُّ من أنفس المصادرِ والمنابع التي يستقي منها الباحثون الكاتبون في سير العلماء، فضَلًا عن أنها تكون المادة الرئيسة لمؤلفي كتب التراجم والرجال خاصة أولئك الذين لم يدركوا عصرَ المؤلف، وإن لم يشيروا إلى ذلك دائمًا (^٣).
وقد عنيتُ عنايةً كبيرةً بمعجمه الكبير ودرستُه بإمعانٍ ورويَّةٍ، وتَحصَّلَتْ
_________________
(١) سيأتي الكلام عليه مفصلًا بعد قليل.
(٢) منه نسخة بدار الكتب الظاهرية برقم (١٢ مجموع) ويسمى "المعجم اللطيف" أيضًا وهو من تخريج الذهبي نفسه.
(٣) انظر بحثنا: "معاجم الشيوخ والمشيخات وأهميتها في دراسة التاريخ الإسلامي" مجلة الأقلام البغدادية ج ٧ السنة الخامسة (١٩٦٩) ص ٦١ فما بعد، ودراستنا عن ابن الدبيثي في المجلة التاريخية (العدد الثالث ص ١١ - ١٢)، ومقدمتنا لـ "مشيخة النعال البغدادي" ص ٥ فما بعد (مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد ١٩٧٥ م بالاشتراك مع عمي العلامة الدكتور ناجي معروف). وقد ذكر السخاوي في الجواهر والدرر أن الذهبي ألف سيرة لنفسه (ص ٧٤٦) ولكنها لم تصل إلينا.
[ المقدمة / ١٦ ]
لدي منه نسختان: نقلت الأولى من نسخةٍ بخط المؤلف (^١). أما النسخة الثانية فقد قرئت على المؤلف سنة ٧٤٥ هـ، وهي تمثل آخرَ نشرةٍ له، فقد جاء في آخر المجلد الثاني من هذه النسخة سماع صاحبها عبد الله بن أحمد بن يوسف الزرندي (^٢) على مُؤلِّفِه ومُخَرِّجه "الحجة شيخ الإسلام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايماز ابن الذهبي - أبقاه الله - في مجالس آخرها يوم السبت رابع عشري شهر رمضان المعظم من سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وقُوبِلَ بأصلِ المخرج وأشارَ بإسقاطِ جماعةٍ من المكتوبينَ على حواشي الأصلِ من أصحاب ابن البخاري (^٣) فلم يكتبوا هنا وما عليه مكتوب في الحواشي بخطي وأصله بيد عمي". وقد أشار عبدُ الله الزرندي، سامع النسخة، في حواشيها، وبخطه، إلى مقابلته بالأصل وقراءته على المؤلف في غيرِ موضع منها (^٤). ومع أن الذهبيَّ كان قد كتب معجمه وخَرَّجَهُ منذ فترة مبكرة، لكنه بقي يَزيدُ ويحذفُ ويُصَحِّحُ ويُعَلِّقُ ويدقق حتى سنة ٧٤٥ هـ (^٥). وقد ظلت بعض الإضافات والإشارات التي تدل على نشرِ الكتاب أكثرَ من مرة واضحة في أصلِ النسخة التي قُوبلت على المؤلف، مثال ذلك قوله: "والله يمد في عمره.
_________________
(١) نسخة أحمد الثالث (رقم ٤٦٢) وهي في (٢٢٧) ورقة، وجاء في آخرها أن عدد التراجم في سنة ٧٣٨ هـ (١٢٧٨) ترجمة، وذكر أن المؤلف أنهى كتابة المعجم في أول صفر سنة ٧٢٧ هـ، وهي في مجلدين، يبدأ الأول بحرف الألف وينتهي في أثناء حرف العين، ويبدأ المجلد الثاني بمن اسمه "علي" من حرف العين، وينتهي بنهاية الكتاب.
(٢) هو جلال الدين عبد الله بن أحمد بن يوسف الزرندي المدني، ولد سنة ٧٢٠ هـ ومات شابًّا في شعبان سنة ٧٤٩ هـ (ابن حجر: الدرر، ج ٢ ص ٣٥٢). وهذه النسخة في دار الكتب المصرية برقم ٦٥ مصطلح، وهي التي نشرها صديقنا الفاضل العالم الدكتور محمد الحبيب الهيلة سنة ١٩٨٨.
(٣) هو الإمام فخر الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المعروف بابن البخاري "٥٩٥ - ٦٩٠ هـ" صاحب المشيخة المشهورة التي سمعها الخلق العظيم، وفي خزانة كتبي نسخة مصورة منها عن نسخة المكتبة الأحمدية بحلب ذات الرقم ٢٦١.
(٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٤٤، ٦٩، ٧٦، ٨٤، ٨٦، م ٢ ورقة ١٠، ٢٤، ٤١، ٨٠.
(٥) جاء في آخر النسخة من معجم الشيوخ: "تم الكتاب بحمد الله وعونه في ضاحي نهار الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبع مئة على يد أفقر العباد وأحوجهم إلى مغفرته حسين بن محمد سبط الشيخ محمد بن سعد الكاتب ﵀". (م ٢ الورقة ١٠٠).
[ المقدمة / ١٧ ]
توفي ليلة الجمعة سابع جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبع مئة" (^١). وقوله في ترجمة شيخه ورفيقه علم الدين البرزالي: "فالله يُلهمه رشده ويمد في عمره" ثم يقول في آخر الترجمة: "توفي بِخُلَيْص في ثالث ذي الحجة سنة تسع وثلاثين" (^٢)، وقال في ترجمة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن تمام التلي الصالحي الخياط: "فالله يبارك في عمره … توفي في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبع مئة" (^٣). ومع أنَّ الكتبَ التي ترجمت له ذكرت أن هذا المعجمَ حوى نحوًا من ألف وثلاث مئة ترجمة (^٤). إلا أن هذه النسخة تتضمن ألفًا وأربعين ترجمة (^٥)، وقد انخفض العددُ بسبب إشارةِ المؤلفِ إلى إسقاطِ جماعةٍ من المكتوبين على حواشي الأصل من أصحاب ابن البخاري (^٦).
اشتمل معجمُ الذهبيِّ الكبير على شيوخه بالسماع والإجازة مخلوطين إلا أنه لم يستوعبهم، وخاصة شيوخه بالإجازة، إذْ ربما أجاز له الرجلُ ولم يشعر به بخلاف مَنْ سمع منه فإنه يعرفه معرفةً جيدة بسبب اللُّقْيَا. واعتذر الذهبيُّ عن الجمع بين الشيوخِ بالسماع والإجازةِ بأنه وجدَ الحافظَ الكبير أبا القاسم بن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ قَد خلطهم أيضًا (^٧). وكتب الذهبي معجمه هذا على حروفِ المعجم في الأسماء والآباء والأجداد، وابتدأ بالأحمدين في حرف الألف تكريمًا لاسم النبي ﷺ (^٨) وعمل إحالات للأسماء والنسب المشهورة (^٩) وتناول فيه اسم المُتَرْجَمِ وشيئًا من سيرتهِ الحياتيةِ والعلمية،
_________________
(١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٢٨.
(٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ ورقة ٢٥.
(٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ ورقة ٣١.
(٤) انظر مثلًا: الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٤، ابن ناصر الدين: بديعة الزمان، ورقة ١٦٦، العيني: عقد الجمان، ورقة ٣٧.
(٥) بموجب طبعة الدكتور الهيلة علمًا أن نسخة إستانبول (المنقولة عن نسخة المؤلف الموجودة سنة ٧٢٧ هـ) قد حوت ١٢٧٨ ترجمة كما أشرنا سابقًا، ويبدو أن مؤلفي سيرته قصدوا هذا الرقمَ فهو قريبٌ إلى ما ذكروا.
(٦) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ ورقة ١٠١.
(٧) انظر مقدمة المعجم (م ١ ورقة ١) وراجع عن تنظيم معجمات الشيوخ وترتيبها مقدمة كتاب "مشيخة النعال البغدادي" ص ١٦ فما بعد.
(٨) م ١ ورقة ٢ لكنه لم يبدأ بالمحمدين في حرف الميم (م ٢ ورقة ٢٨).
(٩) انظر مثلًا م ١ ورقة ٣٩.
[ المقدمة / ١٨ ]
وأورد بعد ذلك حديثًا أَو روايةً عنه بسنده، وتكلم على الأحاديث وخَرَّجها، كما أورد بعض الكتب والأجزاء التي سمعها منه.