لعل خيرَ ما يصور منزلة الذهبي العلمية واتجاهاته الفكرية هو دراسة آثاره الكثيرة التي خَلَّفها، وتبيان قيمتها مقارنةً بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء والدارسينَ بها في العصورِ التالية، والمساهمة الفعلية التي قَدَّمتها للحضارة الإسلامية (^١).
وسيرة الذهبي العلمية، استنادًا إلى آثاره، ذات وجوهٍ متعددة يَستبينها الباحثُ الفاحصُ من نوعية تلك الآثار.
وأول ما يلاحظ الدارسُ العَدَد الضخمَ من الكتبِ التي اختصرها والتي تربو على خمسين كتابًا، معظمها من الكتب الكبيرةِ التي اكتسبت أهميةً عظيمة عند الدارسين، والتي تُعَدُّ من بين أحسن الكتبِ التي وضعت في عصرها وأكثرها أصالةً، مما يدلُّ على استيعاب الذهبي لمؤلفات السابقين، ومعرفته بالجيد الأصيلِ منها، وتمتعه بقابليةٍ ممتازة على الانتقاء.
ومما يثيرُ الانتباهَ أنَّ مختصرات الذهبي لم تكن اختصارات عادية يغلب عليها الجمودُ والنقلُ، بل إنَّ المطلع عليها الدارس لها برويةٍ وإمعان يجد فيها إضافاتٍ كثيرة، وتعليقاتٍ نفيسة، واستدراكاتٍ بارعة، وتصحيحاتٍ وتصويباتٍ لمؤلف الأصل إذا شعر بوهمه أو غلطه، ومقارناتٍ تَدلُّ على معرفته وتبحره في فن الكتاب المختصر؛ فهو اختصارٌ مع سَدِّ نقصٍ وتحقيق ونقد وتعليق وتدقيق، وهو أمر لا يتأتى إلا للباحثين البارعين الذي أُوتُوا بسطةً في العلم ومعرفة في فنونه.
والذهبي حين يُضيفُ إلى الكتابِ المختصر يشعر بضرورة ذلك لسد نقص
_________________
(١) استوفينا آثار الذهبي في كتابنا: "الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام" المطبوع بالقاهرة سنة ١٩٧٦ م ص ١٣٩ - ٢٧٦ فراجعه إن شئت استزادة.
[ المقدمة / ٤٧ ]
يعتري ذلك الكتاب. فحينما اختصر - مثلًا - كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لعز الدين بن الأثير المتوفى سنة ٦٣٥ هـ زاده من عدة تواريخ منها: "تاريخ الصحابة الذين نزلوا حمص" لأبي القاسم عبد الصمد بن سعيد الحمصي المتوفى سنة ٣٢٤ هـ، و"مسند" الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ، و"مسند" بقي بن مخلد المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، و"طبقات" ابن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ، ومن كتابات ابن سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤ هـ (^١). وقال سبط ابن حجر عند كلامه على اختصار الذهبي لمعجم شيوخ الأئمة النبل لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ: "زاده فوائد ومحاسن" (^٢).
ويجد الباحث في مختصرات الذهبي تعليقاتٍ نفيسة، من ذلك - مثلًا - ما
عمله في كتاب "الكاشف" الذي اختصره من "تهذيب الكمال" لأبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، فعلى الرغم من محافظة الذهبي على روح النص الأصلي، فقد بَثَّ فيه من روحه ونشر فيه من علمه ما جعله يكاد يكون مؤلفًا من تآليفه مخالفًا للأصل المختصر منه في كثيرٍ من الأمور، وآيةُ ذلك أنه عَلَّقَ على آراء بعض أئمة الجرح والتعديل فيه تعديلا أو إبطالًا، كما حقق كثيرًا من التراجم وزادها تدقيقًا لا نجده في الأصل. فضلًا عن بيان رأيه في كثير من الرواة على أسس من دراساته الواسعة وخبرته العميقة بعلم الحديث النبوي الشريف مما حدا بتاج الدين السبكي أن يَصِفَ هذا المختصر بأنه "كتاب نفيس" (^٣).
وتظهر براعة الذهبي في النقد والتحقيق في كثير من هذه المختصرات، فمن ذلك - مثلًا - ما ظهر في مختصره لكتاب "المستدرك على الصحيحين" لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ الذي قصد فيه مؤلفه أن يورد أحاديث على شرط البخاري ومسلم مما لم يذكراه في صحيحيهما، حيث يتبين لنا من مطالعة المختصر وتعليقات الذهبي عليه وتخريجاته يدل على ذلك
_________________
(١) انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٢١٨.
(٢) رونق الألفاظ، الورقة ١٨٠.
(٣) طبقات الشافعية، ج ٩ ص ١٠٤.
[ المقدمة / ٤٨ ]
قوله في ترجمة الحاكم في سير أعلام النبلاء (^١): "في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل؛ فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردت منها جزءًا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء".
وغالبًا ما يقوم الذهبي بتخريج الأحاديث الواردة في الكتب التي يقوم باختصارها، فغالب التخريج في كتاب "تلخيص العلل المتناهية في الأحاديث الواهية" الذي لخصه من كتاب "العلل" لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ هو من كلام الذهبي (^٢). ولما اختصر الذهبي كتاب "السنن الكبرى" للبيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ تكلم على أسانيد الكتاب بنفائس تَدلُّ على تبحُّرهِ بهذا الفن، ووضع رموزًا على الحديث لمن خَرَّجه من أصحاب الصحيحين والسنن الأربع، وخَرَّجَ الأحاديثَ التي لم ترد في هذه الكتب الستة.
وكثيرًا ما كان الذهبي يخرج تراجمَ الكتب التي يختصرها في علم الرجال، من ذلك - مثلًا - ما عمله في اختصاره لتاريخ ابن الدبيثي المتوفى سنة ٦٣٧ هـ حيثُ زادَ في كثير من تراجمه ولا سيما الرجال الذين أخذوا عن صاحبِ الترجمة، وهو ما أغفله ابن الدبيثي في تاريخه (^٣). كما تظهر مقارنات دقيقة بالكتب والتواريخ التي من بابته كتاريخ محب الدين بن النجار المتوفى سنة ٦٤٣ هـ الذي ذَيَّلَ به على تاريخ الخطيب المتوفى سنة ٤٦٣ هـ (^٤)، ووفيات الأعيان لابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ (^٥)، والتكملة لوفيات النقلة
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٧٥ - ١٧٦.
(٢) الذهبي: تلخيص العلل، ورقة ٨٥ (نسخة الأزهر رقم ٢٩٠ حديث).
(٣) انظر المختصر المحتاج، مثلًا ج ١ ص ١٨، ٢٠، ٢١، ٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٣٥، ٤٠، ٤٢، ٤٤، ٤٧، ١٠١، ١١٦، ١١٧، ١١٩، ١٤٨، ١٧٩، ١٩٩، … إلخ.
(٤) انظر المختصر المحتاج، مثلًا ج ١ ص ٢١، ٤٩، ٥١، ٦٩، ٧٢، ٧٧، ٨٠، ١٠١، ١٣٦، ١٤٩، ١٥٠، ١٥٨، ١٦٩، ١٧٠، ١٧٢، ١٧٥، ١٧٨، ١٨١، ١٨٣، ١٨٤، ١٨٨، ٢٠٠، ٢٠١، ٢١١، ٢١٢، ٢١٥، ٢١٦، ٢٢٠، ٢٢٣، ٢٢٧، ٢٢٨، … إلخ.
(٥) المصدر السابق، مثلًا ج ١ ص ١٥٨.
[ المقدمة / ٤٩ ]
لزكي الدين المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ (^١) وغيرها. أو من كتب الشعر ككتاب "الخريدة" للعماد الأصبهاني القرشي المتوفى سنة ٥٩٦ هـ (^٢). أو من كتابات كبار العلماء الذين أخذوا عن المترجم له، مثل زكي الدين البرزالي المتوفى سنة ٦٣٦ هـ (^٣)، وفخر الدين ابن البخاري المتوفى سنة ٦٩٠ هـ وصاحب "المشيخة" المشهورة (^٤)، وشهاب الدين أحمد بن إسحاق الأبرقوهي المتوفى سنة ٧٠١ هـ (^٥)، وضياء الدين المقدسي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ (^٦) وغيرهم كثير أو من خطوط العلماء نحو قوله: "قرأت بخط ابن قدامة" (^٧). فضلًا عما أضافَ هو من الأسانيدِ التي قرأها على شيوخه مما يَتَّصلُ بتلك التراجم، وهي إضافةٌ أصيلةٌ للترجمة، فهو حينما يقول مثلًا: "وروى لنا عنه بمصر أبو المعالي الأبرقوهي" (^٨) أو "روى لنا عنه أبو العباس بن الظاهري وأبو الحسين اليونيني وعلي بن عبد الدائم ومحمد بن يوسف الإربلي … إلخ" (^٩) فمعنى ذلك أن هؤلاء الشيوخ قد أخذوا عن صاحب الترجمة (^١٠).
ومن إضافاته إلى تلك المختصرات أيضًا تواريخ وفيات المترجمين الذين لم يذكُرْ صاحبُ الكتاب الأصلي وفياتهم، فنحن نعلم - مثلًا - أن ابن الدبيثي لم يذكر وفاة أحدٍ ممن ذكرهم في تاريخه ممن تأخرت وفاته عن سنة ٦٢١ هـ وهي السنة التي حدث ابن الدبيثي فيها بتاريخه والتي تمثل آخرَ إخراجٍ له (^١١)، في حين أن وفيات بعضهم قد تأخرت إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري، فاستخرج الذهبيُّ وفياتهم وذكرها ليكون اختصاره أكمل ولتكون
_________________
(١) المصدر نفسه ج ١ ص ١٧٥.
(٢) المختصر، ج ١ ص ٢٢٥.
(٣) المختصر، مثلًا ج ٢ ص ٦٢.
(٤) المصدر نفسه، مثلًا ج ٢ ص ٦٣.
(٥) المختصر، مثلًا ج ٢ ص ٣٦.
(٦) المصدر نفسه، مثلًا ج ٢ ص ٣٦، ٦٢.
(٧) المصدر نفسه، مثلًا ج ١ ص ٦٥.
(٨) المصدر نفسه، ج ١ ص ٢١.
(٩) المصدر نفسه، ج ١ ص ٢٣.
(١٠) انظر مزيدًا من الأمثلة، المختصر، مثلًا ج ١ ص ٧٦، ١٣٠، ١٣٦، ١٤٠، ١٥٢، ٢٢٦، ٢٣١.
(١١) انظر كتابنا: تاريخ بغداد لابن الدبيثي، منهجه، موارده، أهميته، ص ٤ (بغداد ١٩٧٤).
[ المقدمة / ٥٠ ]
معلومات الكتاب أتم (^١). يضاف إلى ذلك أنه يروي بعض الأحاديث الواردة في هذه المختصرات بسنده إذا وجد مجالًا لذلك (^٢).
وأعاد الذهبيُّ تنظيمَ بعض الكتبِ التي اختصرها، فحينما اختصر كتاب "الكنى" لأبي أحمد الحاكم المتوفى سنة ٣٧٨ هـ أعادَ ترتيبَهُ على حروفِ المعجم بعد أنْ أضافَ إليه أشياء أخرى مما ليس فيه (^٣). كما رتب "المجرد من تهذيب الكمال" على عشرة طبقاتٍ ورَتَّبَ كُلَّ طبقةٍ على حروف المعجم، في حين كان كتاب "تهذيب الكمال" للمزي مرتبًا على حروف المعجم (^٤).
وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه عُني بالقراءاتِ ودرسها على كبار شيوخِ عصره من المقرئين المشهورين حتى أصبح "الأستاذ الثقة الكبير" (^٥) فيها. وذكر ابنُ ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ أنه كان "إمامًا في القراءات" (^٦). لكننا نلاحظُ في الوقت نفسه أنه لم يتخرج عليه في القراءات سوى عدد قليل جدًّا (^٧). ولعلَّ السببَ في ذلك يعود إلى أنه عُنيَ بهذه الناحية في مطلع حياته العلمية، ثم اتجه بعد ذلك إلى الحديثِ والتاريخ وغيرهما. ولم نعرف من آثاره في هذا الفن غير كتاب "التلويحات في علم القراءات" (^٨) وكتاب "معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار" الذي هو إلى كتب التراجم أقرب منه إلى القراءات وإنْ كانت محتوياته غالبًا ما تتعلقُ بموضوع القراءات. وقد شهد له ابن الجزري بالإحسان فيه (^٩)، لذلك سلخه بأجمعه في كتابه "غاية النهاية" كما
_________________
(١) انظر المختصر المحتاج إليه، مثلًا ج ١ ص ٧٦، ٨٦، ١٠٦، ١٣٣، ١٥١، ١٥٢، .. إلخ ونجد أيضًا ذكرًا لوفيات من يرد اسمه عرضًا في بعض الأحيان ج ١ ص ١٠٣.
(٢) المختصر المحتاج إليه ج ١ ص ٤٩، ٦٥.
(٣) انظر مقدمة نسخة فيض الله رقم ١٥٣١ من الكتاب.
(٤) انظر كلامنا على كتاب "المجرد من تهذيب الكمال " في كتابنا الذهبي ومنهجه ٢٣٠.
(٥) ابن الجزري: غاية، ج ٢ ص ٧١.
(٦) الرد الوافر، ص ٣١.
(٧) ابن الجزري: غاية، ج ٢ ص ٧١، قال: "ولم أعلم أحدًا قرأ عليه القراءات كاملًا، بل شيخنا الشهاب أحمد بن إبراهيم المنبجي الطحان قرأ عليه القرآن جميعه بقراءة أبي عمرو والبقرة جمعًا. وروى عنه الحروف إبراهيم بن أحمد الشامي ومحمد بن أحمد بن اللبان وجماعة. وسمع منه الشاطبية يحيى بن أبي بكر البوني وحدث بها عنه في اليمن ".
(٨) انظر كتابنا الذهبي ومنهجه ١٤٠.
(٩) غاية، ج ٢ ص ٧١.
[ المقدمة / ٥١ ]
نَصَّ على ذلك في المقدمة (^١) ووصفه شمس الدين السخاوي بأنه "كتاب حافل" (^٢). ومع كل ذلك فإنَّ هذا الوجه من حياة الذهبي العلمية هو أضعف الوجوه وأقلها آثارًا.
على أنَّ مكانة الذهبيِّ العلمية وبراعته تظهران في أحسن الوجوه إشراقًا وأكثرها تألقًا عند دراستنا له مُحَدِّثًا يعنى بهذا الفن، فقد مهر الذهبيُّ في علم الحديث وجمع فيه الكتب الكثيرة "حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفًا" (^٣). وقد رأينا إقباله العظيم عليه وشَرَهه لسماعِه وذاك العدد الضخم من الشيوخ الذين حوتهم معجماتُ شيوخِه الثلاثة والكتب والأجزاء والمجاميع الكثيرة التي قرأها على الشيوخ أكثر من مرة. وقد فَتحتْ له هذه المعرفةُ الواسعة آفاقًا عظيمةً في هذا الفن فاختصر عددًا كبيرًا من الكتب وألَّفَ عددًا أكبر يستبينه الباحثُ عند إلقائِه نظرةً على قائمةِ مؤلفاتِه في هذا المجال. كما ألف في مصطلح الحديث كتبًا، وخرَّجَ التخاريجَ الكثيرة من الأربعينات، والثلاثينات، والعوالي، والأجزاء، ومعجمات الشيوخ، والمشيخات، وغيرها مما فَصَّلْنَا القولَ فيه عند كلامنا على آثاره.
ومع أن الذهبي قد عاش في عصرٍ غَلَبَ عليه الجمودُ والنقلُ والتلخيص، فإنه قد تخلَّص من كثيرٍ من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته، قال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: "لم أجدْ عنده جُمودَ المحدثين ولا كودنة (^٤) النَّقَلَةِ بل هو فقيهُ النظر له دُرْبةٌ بأقوالِ الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات. وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنَّه لا يتعدى حديثًا يورده حتى يُبَيِّنَ ما فيه من ضَعْفِ متنٍ أو ظلامِ إسنادٍ أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده" (^٥).
إن هذه البراعة في علم الحديث والتمكن منه ذاك التمكن، جعلت الذهبيَّ ينطلق بعد ذلك يُجَرِّحُ، ويُعَدِّلُ، ويفرع، ويصحح، ويعلل، ويستدرك على
_________________
(١) المصدر نفسه، ج ١ ص ٣.
(٢) الإعلان، ص ٥٦٤.
(٣) ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٤٢٦.
(٤) الكودنة: البلادة.
(٥) الوافي، ج ٢ ص ١٦٣.
[ المقدمة / ٥٢ ]
كبار العلماء (^١)، "فدخل في كل باب من أبوابه" على حَدِّ تعبيرِ تلميذِه تاج الدين السبكي (^٢)، حتى أطلق عليه معاصروه "محدث العصر" (^٣). وبلغ اعتراف حافظ عصره الإمام ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ بفضل الذهبي وبراعته إلى درجة أنه شرب ماء زمزم سائلًا الله أنْ يصلَ إلى مرتبة الذهبي في الحفظ وفطنته (^٤).
ومفهومُ التاريخِ عند الذهبيِّ يَتَّصلُ اتصالًا وثيقًا بالحديث النبوي وعلومه، ويظهر ذلك من كتب الرجال التي يطلق الذهبي عليها اسم "التاريخ". وقد أصبح واضحًا أن الغاية الرئيسية من العناية بالرجال تأتي لضبط الرواة أولًا (^٥)، وهو ما يظهرُ في معظم مقدمات كتبه في هذا الفن، وهو مفهوم ساد عن المحدثين المؤرخين لاسيما في ذلك العصر (^٦).
وعلى علم الرجال، وعلى آثار الذهبي فيه، قامت شهرتُه الواسعةُ باعتباره مؤرخًا، كما نرى. وقد خلف الذهبيُّ في هذا الفن عددًا ضخمًا من الآثار ابتدأها باختصار أمهات الكتب المؤلفة فيه، كالتواريخ المحلية مثل "تاريخ
_________________
(١) الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٥.
(٢) الطبقات الوسطى (ترجمة الذهبي من نسخة دار الكتب المصرية رقم ٥٥٤).
(٣) السبكي: الطبقات، ج ٩ ص ١٠٠، العيني: عقد الجمان، ورقة ٣٧ (أحمد الثالث رقم ٢٩١١).
(٤) استنادًا إلى حديث رسول الله ﷺ "ماء زمزم لما شُربَ له" وقد ذكر ذلك تلميذه السخاوي في الإعلان (ص ٤٧٢). وقديمًا شرب ابن خزيمة المتوفى سنة ٣١١ هـ ماء زمزم وطلب علمًا نافعًا (الذهبي: تذكرة، ج ٢ ص ٧٢١). وقال الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ: "شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حُسْنَ التصنيف" (الذهبي: تذكرة، ج ٣ ص ١٠٤٤). وألف شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ رسالة في "التزام ما لا يلزم فيما ورد في ماء زمزم" منها نسخة في خزانة كتب جستربتي في دبلن ضمن مجموع برقم ٣٣١٧.
(٥) انظر كتابنا: "أثر الحديث في نشأة التاريخ عند المسلمين". بغداد، مطبعة الحكومة ١٩٦٦ م، وبحثنا: "مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين" المنشور في مجلة الأقلام البغدادية، السنة الأولى، العدد الثالث ١٩٦٥ م.
(٦) حينما شعر الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ أن من بين مستدركاته على الذهبي في كتابه "المشتبه" أسماء لشعراء وفرسان في الجاهلية وما أشبه ممن ليست لهم روايةٌ حديثية، اعتذر عن ذلك بقوله: "فإنَّ غالب من ذكرت يأتي ذكره في كتب المغازي والسير والمبتدأ والأنساب والتواريخ والأخبار ولا يستغني طالب الحديث عن ضبط ما يرد في ذلك من الأسماء ولو لم يكن لهم رواية". تبصير المنتبه، ج ٤ ص ١٥١٣.
[ المقدمة / ٥٣ ]
مدينة السلام" للخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، والذيول عليه لابن السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢ هـ، وابن الدبيثي المتوفى سنة ٦٣٧ هـ، وابن النجار المتوفى سنة ٦٤٣ هـ. ومنها أيضًا "تاريخ دمشق" لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ، و"تاريخ مصر" لابن يونس المتوفى سنة ٣٤٧ هـ، و"تاريخ نيسابور" لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ، و"تاريخ خوارزم" لابن أرسلان الخوارزمي المتوفى سنة ٥٦٨ هـ. ومن كتب الوفيات: "التكملة لوفيات النقلة" لزكي الدين المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ وصلته للحسيني المتوفى سنة ٦٩٥ هـ. ومن كتب الأنساب: كتاب "الأنساب" لأبي سعد السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢ هـ. ومن كتب الصحابة كتاب "أسد الغابة" لابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ هـ. ومن كتب رجال الصحاح والسنن مثل كتاب "تهذيب الكمال في معرفة الرجال" لأبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، و"المعجم المشتمل على أسماء شيوخ الأئمة النبل" لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ وغيرها. فكانت هذه المختصراتُ المادةَ الرئيسةَ التي كَوَّنَتْ شخصيته العلمية ومعرفته بالعصور السابقة. أما تراجم المعاصرين فَيُعَدُّ الذهبيُّ من بين أحسن الذين كتبوا فيهم، وقد أدرك أهميةَ هذا الأمر فكان كتابه "المعجم المختص بالمحدثين" خير دليل على ذلك، ولا عبرة بعد ذلك بمن انتقده لتناوله التاريخ المعاصر كابن الوردي (^١)، لأنَّ هذا هو التاريخ الأكثر أهمية وخطرًا، وهو الذي يعطي المؤرخَ أهميته البالغة بين المؤرخين ويميزه عن غيره.
لقد أنتجت هذه المعرفةُ الرجالية الواسعة مؤلفات كثيرة لعل من أهمها كتابه العظيم "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام" الذي هو إلى كتب الرجال أقرب منه إلى التاريخ بمفهومه الحديث كما سيأتي بيانه في فصول قادمة، ثم ذلك العدد الضخم من المؤلفات التي سوف نُفَصِّلُ القولَ فيها في فصل آتٍ.
ولعل مما يميز الذهبي عن غيره من بعض مؤلفي كتب الرجال أنه لم يقتصر في تأليفه على عصرٍ معين، أو فئةٍ معينة، أو تنظيم معين، بل تناولت
_________________
(١) ابن الوردي: تتمة المختصر، ج ٢ ص ٣٤٩.
[ المقدمة / ٥٤ ]
مؤلفاتُه رجالَ الإسلام من أولِ ظهورهِ حتى عصره، بله المعاصرينَ له. وهو في كتابته للترجمة فنانٌ تراجميٌّ مليء بفن التراجم يجد الباحثُ فيها دقةً متناهيةً في التعبير وحبكًا للترجمة تشدُّ القارئ إليها مع تعدد الموارد وانتقاء لأفضلها، وإبداء لآرائه الشخصية فيها (^١).
وقد عانى الذهبيُّ كتابة "السيرة" وهو فَنٌّ خاص له مميزاته التي تجعله يختلف عن كتابة "الترجمة" المجردة، فكتب في سير الخلفاء الراشدين، وأئمة الفقه، والحديث، وغيرهم.
ومعرفة الذهبي الواسعة في الرجال دفعت تاج الدين السبكي الذي انتقده في بعض المواضع إلى القول: "إنه كان شيخَ الجرحِ والتعديل ورجل الرجال، وكأنما جُمعت الأمةُ في صعيدٍ واحد فنظرها ثم أخذ يعبر عنها إخبار مَنْ حَضَرها" (^٢). وقد ازداد شأنه بعد عصره بحيث اعتبر هو والمزي مؤرخي القرن الثامن اللذين لا ينافسهما أحد (^٣)، وعَدَّهُ الإمامُ السيوطيُّ المتوفى سنة ٩١١ هـ رأسَ طبقةٍ ذكر فيها القطب الحلبي المتوفى سنة ٧٣٥ هـ وابن سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤ هـ وشمس الدين المقدسي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ وتقي الدين السبكي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ وعلم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ وشهاب الدين النابلسي المتوفى سنة ٧٥٨ هـ (^٤)، وهم من أعلام الحُفَّاظِ المحدثين المؤرخين، وذكر أن المحدثين في عصره عيالٌ في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعةٍ أحدهم الذهبي (^٥).
ومع أن براعة الذهبي التاريخية أكثر ما ظهرت في الرجال فإنه قد درس التاريخ السياسي، واختصر عددًا من المؤلفات الرئيسة فيه مثل تاريخ أبي شامة المتوفى سنة ٦٦٥ هـ وتاريخ أبي الفدا المتوفى سنة ٧٣٢ هـ وغيرهما، وأفاد من معظم التواريخ المعروفة في عصره ودرسها كسيرة ابن إسحاق المتوفى سنة ١٥١ هـ وتواريخ: الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وابن الأثير المتوفى سنة
_________________
(١) انظر الباب الثاني من هذا البحث عند كلامنا على منهج الذهبي في تاريخ الإسلام.
(٢) السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠١.
(٣) السخاوي: الإعلام، ص ٢٠٤.
(٤) السيوطي: طبقات الحفاظ، ورقة ٨٥ فما بعد (نسخة الإسكندرية).
(٥) المصدر نفسه، ورقة ٨٦.
[ المقدمة / ٥٥ ]
٦٣٠ هـ وابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ وغيرها مما يَطُولُ تَعدادُه (^١). وقد ظهرت هذه الكتابات في تواريخه المرتبة على الحوادث والوفيات مثل "تاريخ الإسلام" و"العبر" و"دول الإسلام" وغيرها. ونَستبينُ من نطاقِ كتاباتِه هذه أنه كان مؤرخًا جَوَّالَ الذهنية استطاع استيعابَ عصورِ التاريخِ الإسلامي من أول ظهوره حتى زمانه الذي كتب فيه مؤلفاته، وهي فترةٌ تزيد على السبعة قرون، فألف في كل هذه العصور بعد أنْ درسها دراسةً عميقةً قامت على دعامتين رئيستين هما: الرواية الشفوية والكتب. وهذا أمرٌ لم يتأت لكثيرٍ من العلماء الذين سبقوه أو عاصروه. وحينما كتب الذهبيُّ كتابه "تذكرة الحفاظ" ورتبه على الطبقات تكلم في نهاية أكثرها على الأوضاع السياسيةِ والثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي تناولته فأجَملَ الأوضاعَ العامةَ بفقراتٍ قليلة دللت على سَعَةِ أُفقهِ التاريخي وقدرته الفائقة على تصوير حقبةٍ كاملة من الزمن وعلى امتداد العالم الإسلامي المترامي الأطراف بعبارةٍ وجيزة. وهذا أمرٌ لا يتأتى إلا لمن استوعبَ العصرَ ودرسه دراسةً عميقة بحيث حصل له مثل هذا التصور والفهم العام (^٢).
ثم إن هذه المعرفة الرجالية الواسعة مع ما أُوتيَ من ذكاءٍ وإدراك واسعين جعلت منه ناقدًا رجاليًا ماهرًا، تدل على ذلك مؤلفاته في النقد وأصوله والتي من أبرزها كتابه العظيم "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" الذي اعتبره معاصروه (^٣) ومَنْ جاء بعدهم (^٤) من أحسن كتبه وأجلها. وقد تناوله عددٌ كبيرٌ من الحفاظ والعلماء والمعنيين بالنقد استدراكًا وتعقيبًا وتلخيصًا بحيث قال شمس الدين السخاوي: "وعَوَّلَ عليه مَنْ جاء بعده" (^٥).
وللذهبيِّ التفاتاتٌ بارعة في أصول النقد؛ فقد ألف رسالة في "ذْكر مَنْ يعتمد قولُه في الجرح والتعديل" تكلم فيها على أصول النقد وطبقات النقاد
_________________
(١) انظر أدناه كلامنا على نهج الذهبي في الموارد.
(٢) انظر مثلًا الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج ١ ص ٧٠، ١٥٨ - ١٦٠، ٢٤٤، ٣٢٨، ج ٢ ص ٥٣٠، ٦٢٧ - ٦٢٨، ج ٤ ص ١٢٦٦، ١٤٨٥.
(٣) السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٤، الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٥.
(٤) ابن حجر: لسان الميزان، ج ١ ص ٤.
(٥) الإعلان، ص ٥٨٧.
[ المقدمة / ٥٦ ]
وكيفية أخذ أقوالهم (^١). وأورد في مقدمة "الميزان" عبارات الجرح والتعديل من أعلى مراتبها إلى أدناها وبَيَّنَ مدلولاتها في النقد (^٢). وهو في كتبه يشرح بعض هذه الأصول، من ذلك مثلًا ما ذكره في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي، قال: "شيعيٌّ جَلْدٌ، لكنه صَدوقٌ، فلنا صِدْقُه وعليه بدعته. وقد وَثَّقَهُ أحمد بن حنبل، وابنُ معين، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غاليًا في التشيع. وقال السعدي: زائغ مجاهر. فلقائلٍ أنْ يقولَ: كيف ساغ توثيقُ مبتدعٍ وحَدُّ الثقةِ العدالةُ والإتقان؟ فكيف يكون عدلًا مَنْ هو صاحب بدعة؟ وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كَغُلُوِّ التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرق (^٣)، فهذا كثيرٌ في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ حديثُ هؤلاء لذهب جملةٌ من الآثار النبوية، وهذه مَفْسَدةٌ بينةٌ. ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر ﵄، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوعُ لا يُحْتَجُّ بهم ولا كرامة .. ولم يكن أبان ابن تغلب يَعْرضُ للشيخين أصلًا، بل قد يعتقد عليًا أفضل منهما" (^٤). وقال في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني: "أحَدُ الأعلامِ صَدوقٌ، تُكُلِّمَ فيه بلا حجةٍ، ولكن هذه عقوبةٌ من الله لكلامه في ابن مندة بهوى، قال الخطيب: "رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أنه يطلق في الإجازة أخبرنا ولا يبين. قلت (يعني الذهبي): هذا مذهبٌ رآه أبو نعيم وغيره، وهو ضربٌ من التدليس. وكلام ابن مندة في أبي نعيم فظيع، لا أُحبُّ حكايته، ولا أقبلُ قولَ كُلٍّ منهما في الآخر، لا أعلم لهما ذنبًا أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها … قلتُ: كلامُ الأقران بعضهم في بعض لا يُعْبَأُ به، لاسيما إذا لاحَ لكَ أنه لعداوةٍ أو لمذهبٍ أو لحسد، ما ينجو منه إلا مَنْ عصم الله، وما علمتُ أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئتُ لسردتُ من ذلك كراريسَ، اللهم فلا تجعلْ في قلوبنا غلًا للذين
_________________
(١) نسخة أيا صوفيا رقم ٢٩٥٣، ونشرها صديقنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وطبعت أربع طبعات.
(٢) ميزان الاعتدال، ج ١ ص ٣ - ٤.
(٣) لعل هذا هو الأصوب في قراءتها، وفي الأصل: "تحرف" بالفاء.
(٤) ميزان الاعتدال، ج ١ ص ٥ - ٦ وانظر أمثلة أخرى في معجم الشيوخ م ١ الورقة ٢٥٦، م ٢ الورقة ٧٢.
[ المقدمة / ٥٧ ]
آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" (^١).
ولم يكن الذهبي ليصدر اتباعًا لآراء الآخرين في النقد فهو يخالفهم في بعض الأحيان حين لا يجد لآرائهم من سندٍ قوي يؤيدها، فمن ذلك - مثلًا - ما جاء في ترجمة زيد بن وهب الجهني، أحد التابعين، وهو الذي تكلم فيه أبو يعقوب الفسوي في "تاريخه" وذكر أن في حديثه خللًا كبيرًا، فقال: "ولا عبرةَ بكلام الفسويِّ" (^٢) وأورد في "ميزان الاعتدال" مآخذَ الفسوي عليه ورَدَّ عليها ثم قال: "فهذا الذي استنكره الفسويُّ من حديثه ما سُبق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا كثيرًا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد" (^٣) والميزان مليءٌ بمثل هذه النقدات لا مجال لتكثيرِ الأمثلةِ منها.
ولم يقتصر نقد الذهبي على الرجال حسب، بل تَعَدَّى ذلك إلى نقدِ الموارد التي يطالعها أو يختصرها أو يأخذ منها، وهو ما يعرف اليوم بنقد المصادر؛ من ذلك مثلًا نقده لكتاب "الضعفاء" لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ الذي اختصره وذَيَّلَ عليه، فقال في ترجمة أبان بن يزيد العطار: "قد أورده أيضًا العلامة ابن الجوزي في الضعفاء ولم يذكر فيه أقوال مَنْ وثقه. وهذا من عيوبِ كتابهِ يسردُ الجرحَ ويسكتُ عن التوثيق" (^٤). وقال في ترجمة حفص بن بغيل من الميزان: "قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف. قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا؛ فإن ابن القطان يتكلم في كل مَنْ لم يقل فيه إمامٌ عاصَرَ ذاك الرجلَ أو أخذ عمن عاصره مما يدلُّ على عدالته. وهذا شيء كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خَلْقٌ كثير مستورون، ما ضَعَّفَهُمْ أحدٌ ولا هُمْ بمجاهيل" (^٥). وانتقد الذهبيُّ كتاب "الضعفاء" لأبي جعفر بن عمرو العقيلي المتوفى سنة ٣٢٢ هـ لإيرادِه بعضَ الثقاتِ ومنهم حافظ عصره
_________________
(١) نفسه، ج ١ ص ١١١ وانظر تاريخ الإسلام، الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٢) الذهبي: تذكرة، ج ١ ص ٦٧.
(٣) الذهبي: ميزان الاعتدال، ج ٢ ص ١٠٧ وانظر: تاريخ الإسلام، الورقة ٤٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٤) المصدر نفسه، ج ١ ص ١٦. وقد تكلم في هذه المسألة ابن حجر في اللسان فراجعه هناك تجد فائدة.
(٥) ميزان الاعتدال، ج ١ ص ٥٥٦.
[ المقدمة / ٥٨ ]
عليّ بن المديني المتوفى سنة ٢٣٤ هـ فقال في ترجمة ابن المديني من الميزان: "ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء فبئس ما صنع" ورد عليه حينما نقل قولَ عبد الله بن أحمد بن حنبل: "كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه … ثم ترك حديثه"، بقوله: "بل حديثه عنه في مسنده" وهذا رَدٌّ مفحمٌ من الذهبي، بل قال بعد ذلك: "وهذا أبو عبد الله البخاري - وناهيك به - قد شَحَنَ صحيحه بحديث ابن المديني" (^١). ولا يقتصر الذهبيُّ في نقد الكتب على إيراد مساوئها، بل كثيرًا ما يذكر محاسنها ومميزاتها؛ فقد سبق أنْ قال إنَّ كتاب العقيلي مفيد (^٢)، وقال عن كتاب "الكامل" لابن عدي المتوفى سنة ٣٦٥ هـ إنه "أكمل الكتب وأجملها في ذلك" (^٣)، وقال في ترجمة الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ هـ: "وإذا شئتَ أنْ تتبين براعةَ هذا الإمام الفرد فطالع العلل له فإنك تندهش ويطول تعجبك" (^٤).
ونحن نعلم أيضًا أن الذهبيَّ قد عانى في تآليف خاصة رَدَّ بها على كتب معينة، فقد ألف كتابًا في الرد على ابن القطان المتوفى سنة ٦٢٨ هـ (^٥). كما ألف كتاب "مَنْ تُكُلِّمَ فيه وهو مُوَثَّقٌ" رَدَّ به على جملة من كتب الضعفاء.
وبسبب هذا الذي قدمنا ذكره من براعة الذهبي في النقد والتمكن منه، فقد أصبح "شيخَ الجرح والتعديل" كما ذكر تاج الدين السبكي (^٦). وقال ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ: "ناقد المحدثين وإمام المعدلين والمجرحين … وكان آيةً في نقد الرجال، عمدةً في الجرح والتعديل" (^٧)، وقال شمس الدين السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ: "وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال" (^٨)، فأصبحت أقوالُ الذهبيِّ فيمن يترجمُ لهم تُعتبرُ عند النقاد
_________________
(١) ميزان الاعتدال، ج ٣ ص ١٣٨ - ١٤٠.
(٢) المصدر نفسه، ج ١ ص ٢.
(٣) المصدر نفسه، ج ١ ص ٢.
(٤) تذكرة الحفاظ، ج ٣ ص ٩٩٣ - ٩٩٤.
(٥) الذهبي: الرد على ابن القطان، (نسخة الظاهرية، مجموع رقم ٧٠).
(٦) الطبقات، ج ٩ ص ١٠١.
(٧) الرد الوافر، ص ٣١.
(٨) الإعلان، ص ٧٢٢.
[ المقدمة / ٥٩ ]
والمؤرخين الذين جاؤوا بعده أقصى حدودِ الاعتبار، وظهرتْ بصورةٍ جلية في المؤلفات التي كتبتْ بعد عصره، ولا سيما في مؤلفات مؤرخ القرن التاسع وحافظه ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ (^١).
وتطالعنا عند قراءة كتب الذهبي العديد من الأمثلة التي تدل على قوته في البحث والاستدلال، ومناقشة آراء الغير بروحٍ علميٍّ يعتمدُ الدليلَ والإقناع، من ذلك - مثلًا - مناقشته لمن اتهم الحافظ أبا حاتم محمد بن حبان البستي التميمي المتوفى سنة ٣٥٤ هـ بالزندقة لقوله: "إنَّ النبوة هي العلم والعمل" وما تبع ذلك من كتابةِ الخليفةِ أمرًا بقتله لهذا السبب، قال الذهبيُّ: "وهذا أيضًا له مَحْملٌ حَسَنٌ ولم يرد حصر المبتدأ بالخبر، ومثله: الحج عرفة. فمعلومٌ أن الرجلَ لا يصيرُ حاجًا بمجردِ الوقوفِ بعرفة، وإنما ذكر مهمَّ الحجِّ، ومهمَّ النبوة؛ إذْ أكملُ صفاتِ النبيِّ العلم والعمل، ولا يكون أحد نبيًا إلا أنْ يكون عالمًا عَاملًا. نعم، النبوةُ موهبةٌ من الله تعالى لمن اصطفاه من أولي العلم والعمل لا حيلةَ للبشرِ في اكتسابها أبدًا، وبها يتولَّدُ العلمُ النافع الصالح، ولا ريبَ أن إطلاق ما نقل عن أبي حاتم لا يسوغ، وذلك نفس فلسفي" (^٢). ومن الأمثلة الطريفة أيضًا مناقشته لمسألة معرفة النبي ﷺ الكتابة، فقال في ترجمة الحافظ العلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة ٤٧٤ هـ: "ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ، وكَفَّرَهُ بإجازةِ الكَتْبِ على رسولِ الله ﷺ النبيِّ الأمي وأنه تكذيبٌ بالقرآن، فتكلم في ذلك مَنْ لمَ يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنةَ وقَبَّحُوا عند العامة ما أتى به وتكلَّم به خطباؤهم في الجُمع وقال شاعرهم:
برئت ممن شَرَى دنيا بآخرةٍ … وقال: إنَّ رسول الله قد كتبا
وصنف أبو الوليد رسالةً بَيَّنَ فيها أن ذلك غير قادحٍ في المعجزة فرجع بها جماعة. قلتُ: ما كُلُّ مَنْ عرف أنْ يكتبَ اسمه فقط بخارجٍ عن كونه أميًّا لأنه
_________________
(١) انظر مثلًا كتابه: "لسان الميزان".
(٢) الذهبي: تذكرة، ج ٣ ص ٩٢١ - ٩٢٢، وانظر أيضًا ميزان الاعتدال، ج ٣ ص ٥٠٧ - ٥٠٨ ففيه تفصيل أكثر في هذه المسألة.
[ المقدمة / ٦٠ ]
لا يسمى كاتبًا. وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحُكْمُ للغَلَبةِ لا للصورة النادرة، فقد قال ﵇: "إنَّا أمةٌ أمية" أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ (٢)﴾ (^١) [الجمعة] وقال في موضع آخر معقبًا على هذه المسألة أيضًا: "قلتُ: وما المانعُ من جوازِ تعلم النبيِّ ﷺ يَسيرَ الكتابةِ بعد أنْ كان أميًا لا يدري ما الكتابة، فلعله لكثرةِ ما أملى على كتاب الوحي وكتاب السنن والكتب إلى الملوك عَرَفَ من الخَطِّ وفهمه وكتبَ الكلمةَ والكلمتين كما كتبَ اسمه الشريف يوم الحديبية محمد بن عبد الله، وليست كتابتُه لهذا القَدْرِ اليسيرِ ما يُخْرِجُه من كونِه أميًا ككثييرٍ من الملوك أميين ويكتبون العلامة" (^٢). ومثل هذا كثير في كتب الذهبي.
وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه كان حنبليَّ العقيدةِ قد أثَّرَتْ فيه البيئةُ الدمشقيةُ وصُحْبَتُه لشيخِ الإسلام ابن تيمية. ومع أن الذهبي لم يكن متحمسًا للخوض في مضايق العقائد ويعتبر السكوت فيها أوْلى وأسلم (^٣)، لكنه في الوقت نفسه أبدى آراءه في كثير من المواضع، وألف فيها. وقد اعتبر "الاعتزال بدعة" (^٤) وهاجم الفلاسفة اليونانيين هجومًا عنيفًا (^٥). وكان على غايةٍ من الإعجاب بأعمالِ السلف وإنجازاتهم (^٦)، واهتم اهتمامًا كبيرًا بذكر أخبار العلماء في المحنة التي أُصيبوا بها حينما أعلن المأمونُ رأيه وألزم الناس القولَ بخلقِ القرآن، وبَيَّنَ مواقفهم الجريئة من هذا الأمر (^٧).
لقد اختصر الذهبيُّ عددًا من الكتب المهمة في العقائد منها - مثلًا - كتاب "البعث والنشور" وكتاب "القدر" اللذان للبيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، وكتاب "الفاروق في الصفات" لشيخ الإسلام الأنصاري المتوفى سنة ٤٨١ هـ، وكتاب
_________________
(١) الذهبي: تذكرة، ج ٣ ص ١١٨١ - ١١٨٢.
(٢) المصدر نفسه، ج ٢ ص ٧٤٢.
(٣) تذكرة، ج ٢ ص ٦٠٠، ج ٤ ص ١٤٩٩.
(٤) انظر مثلا تذكرة الحفاظ، ج ٣ ص ١١٢٢.
(٥) أهل المئة فصاعدًا، ص ١١٥.
(٦) تذكرة الحفاظ، ج ٢ ص ٦٢٧ - ٦٢٨.
(٧) انظر مثلًا تذكرة، ج ١ ص ٤٧٦، ٤٧٧، ٥٦١، ٥٨٩، ج ٢ ص ٧٣٠، ٧٣٣، ٧٤٧، .. إلخ.
[ المقدمة / ٦١ ]
"منهاج الاعتدال في نقص كلام أهل الرفض والاعتزال" لرفيقه وشيخه تقي الدين بن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ.
وخَلَّفَ الذهبيُّ عددًا من الآثار في هذا العلم منها كتاب "الكبائر وبيان المحارم" وكتاب "الأربعين في صفات رب العالمين" وكتاب "العرش" و"كتاب مسألة الوعيد" وغيرها. ولعل من أشهرها كتابه المعروف "العُلُوُّ للعليِّ الغفار" الذي يُعَدَّ أوسعَ هذه الكتب وأكثرها شهرة.
بحث الذهبيُّ العقائد على طريقة السلف من أهل الحديث، فكانت المادة الرئيسة التي تكون هذه الكتب والأدلة المستعملة فيها من الأحاديث النبوية الشريفة. وقد انْتُقِدَ الذهبي من قبل مخالفيه على تأليفه لبعض هذه الكتب واعتقاده مثل هذه العقائد، قال الشيخ محمد زاهد الكوثري عن كتاب "العلو": "ولو لم يؤلفه لكان أحسن له في دينه وسمعته لأنَّ فيه مآخذ كثيرة، وقد شهر عن الذهبيّ أنه كان شافعيَّ الفروع حنبليَّ المعتقد" (^١).
ولم يشتهر الذهبي بوصفه فقيهًا أو عالمًا بالفقه مع أنه درسه على أعلام العصر آنذاك مثل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني وبرهان الدين الفزاري وكمال الدين بن قاضي شهبة وغيرهم (^٢). وقد ألف في أصوله، وعني باختصار كتاب "المحلى" لابن حزم (^٣)، وهو من كبار الكتب الفقهية، وألف عددًا من الكتب والأجزاء التي تناولت موضوعات فقهية، وكانت له فيه خواطر وآراء ونقدات جاءت في ثنايا كتبه، من ذلك مثلًا كلامُه في مسألة الطلاق ومناقشته لابن تيمية (^٤). وهو كغيره من علماء الحنابلة يعتبرُ القرآنَ والحديثَ هما أساس الفقه، ويظهر مفهوم الفقه عند الذهبي واضحًا في بيتين من الشعر له ذكرهما غيرُ واحدٍ ممن ترجمَ له وهما:
الفقه قال اللهُ قال رسولُه … إنْ صَحَّ والإجماع فاجهدْ فيه
وحذارِ من نصبِ الخلافِ جهالةً … بين النبيِّ وبين رأي فقيهِ (^٥)
_________________
(١) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٤٨ هامش ٢.
(٢) انظر أعلاه كلامنا على سيرته ورونق الألفاظ لسبط ابن حجر، ورقة ١٨٠.
(٣) وهو كتاب "المستحلى في اختصار المحلى" وانظر كتابنا الذهبي ومنهجه ٢٥٠ - ٢٥١.
(٤) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج ٢ ص ٧١٣ - ٧١٥.
(٥) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ٣١، الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٦.
[ المقدمة / ٦٢ ]
وهذا الذي قدمناه لا يعني أنَّ الذهبيَّ لم يكن عارفًا بالفقه، لكنه كان عَزُوفًا عنه لانشغاله بالحديث وروايته الذي هو الأصل الثاني للفقه، قال ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ: "له دُربةٌ بمذاهب الأئمةِ وأرباب المقالات قائمًا بين الخلف ينشر السنة ومذهب السلف" (^١).
ولغةُ الذهبيِّ في كتبه لغةٌ جيدة قياسًا بالعصر الذي عاش فيه، ويكفي أننا قَلَّما وجدنا له لحنًا في كتبه. وهو باعتباره محدثًا كبيرًا وناقدًا ماهرًا دقيق في تعابيره، لما لذلك من أهمية في وضع الكلمةِ المناسبة أو العبارة في موضعها الملائم لا سيما في تحبير التراجم، فضَلًا عن أسلوبه السلس الممتع لمن أدمنَ قراءةَ مثل هذه الكتب.
وقد عني الذهبيُّ في مطلع حياته العلمية برواية الشعر وأورد طائفةً من الأشعار عن شيوخه (^٢). وذكرت لنا مصادر ترجمته بعضًا من نظمه في المدح (^٣)، والرثاء (^٤). وله شعر تعليمي، فقد علمنا أنه نظم أسماء المدلسين بقصيدة أوردها السبكي في طبقاته (^٥)، كما نظم أسماء الخلفاء بقصيدة أخرى (^٦). وكان كثير الاعتناء بالشعراء تدل على ذلك تراجمهم الواسعة في كتابه "تاريخ الإسلام " والنماذج الشعرية الكثيرة التي أوردها وعنايته الفائقة بتتبع دواوين الشعراء بحيث قال في ترجمة أبي الحسن محمد بن المظفر
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) انظر مثلًا معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٣، ٧، ١٥، ٢٠، ٢٤، ٢٩، ٣٤، ٣٥، ٤٥، ٤٨، ٥٢، ٥٥، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٥، و٦٦، ٦٩، ٧٥، ٧٧، ٨١، ٨٣، ٨٩، م ٢ الورقة ١ - ٦، ١١، ١٢، ٣٠، ٣٣، ٣٦، ٤٠، ٥٢، ٥٦، ٥٩، ٠ ٦، ٦٦، ٧٤، ٨٥، ٨٦، ٨٨، ٩٩ - ٩٦.
(٣) من بين الذين مدحهم الذهبي ووصل إلينا شعره فيهم: إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم الأسدي الحلبي الحنفي النحاس المتوفى سنة ٧١٠ هـ (معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٣٤) وتقي الدين السبكي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ وولده التاج المتوفى سنة ٧٧١ هـ (طبقات السبكي، ج ٩ ص ١٠٦، والسيوطي: طبقات الحفاظ، ورقة ٨٦) ومعجم البرزالي (ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٠).
(٤) من ذلك قصيدته في رثاء رفيقه وشيخه ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ (ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ٣٥ - ٣٦، والتبيان، ورقة ١٦٥).
(٥) ج ٩ ص ١٠٧ - ١٠٩.
(٦) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ١٣٢.
[ المقدمة / ٦٣ ]
البغدادي الخرقي في وفيات سنة ٤٥٥ هـ "ولا يكاد يوجد ديوانه" (^١).
كان للذهبيِّ خط متقن قد أعجب به علم الدين البرزالي منذ أن بدأ الذهبي بطلب العلم (^٢). وقد وصل إلينا الكثير من كتبه وكتب غيره مكتوبًا بخطه، وهو وإنْ لم يكن جميلًا مراعيًا لأصولِ الخطاطين والكتاب، لكنه يمتازُ بالدقة والإتقان لا سيما للذي يُدْمِنُ عليه.
وعُرفَ الذهبيُّ بزهدِه وورعه وديانته المتينة، وقد رأينا عند دراستنا لمجمل سيرته أنه كان يأنسُ إلى الاجتماع بمشاهير الفقراء والصوفية من ذوي الديانة والتمسك بالآثار، قال تلميذه تقي الدين بن رافع السلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ: "كان خيرًا صالحًا متواضعًا حسن الخلق حلو المحاضرة، غالب أوقاته في الجمع والاختصار والاشتغال بالعبادة. له وردٌ بالليل وعنده مروءةٌ وعصبية وكرم" (^٣). وقال الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ: "مع ما كان عليه من الزهد التام والإيثار العام والسبق إلى الخيرات والرغبة بما هو آت" (^٤) ويكفي الذهبيَّ أنه أفنى حياته في دراسة حديثِ رسولِ الله ﷺ وتدريسه.
لقد أصبحت كتبُ الذهبيِّ متداولةً في عصره والعصور التالية له، واعتبرت من أعظمِ المواردِ التي استقى منها الكُتَّابُ الذين جاؤوا بعده، قال ابن حجر: "ورغب الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءةً، ونسخًا، وسماعًا" (^٥)، وقال تلميذه الحسيني: "وقد سار بجملة منها الركبانُ في أقطار البلدان" (^٦) وحسبنا أنْ نلقي نظرةً عجلى على المستدركات والتلخيصات والذيول التي عُملت على كتبه لندرك أهميتها البالغة.
وكان الذهبيُّ مدرسةً قائمة بذاتها خَرَّجت العديدَ من الحُفَّاظِ والعلماء. وقد أتاحتْ له معرفتُه العظيمةُ الواسعة بالحديثِ وعلومِه والتاريخ وفنونه مكانةً مرموقةً بين أساتيذ العصر، فأَمَّهُ طلبةُ العلم من كُلِّ حدبٍ وصوب. ونحن نعلم
_________________
(١) تاريخ الإسلام، ١٠/ ٦٥ (من طبعتنا).
(٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٢٥، ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٣٢٣.
(٣) سبط ابن حجر: رونق الألفاظ، الورقة ١٨٠.
(٤) عقود الجمان (نسخة مكتبة فاتح رقم ٤٤٣٥).
(٥) ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٤٢٧.
(٦) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٦.
[ المقدمة / ٦٤ ]
أن الذهبيَّ تولى مناصبَ تدريسية كثيرة نعرفُ منها مشيخةَ الحديث في تربة أم الصالح، ودار الحديث الظاهرية، والمدرسة النفيسية، ودار الحديث التنكزية، ودار الحديث الفاضلية، ودار الحديث العروية. وقد أتاحت له هذه المناصبُ أن يدرس عليه عددٌ كبيرٌ من الطلبة يفوقُ الحصرَ، قال تلميذه الحسيني: "وحمل عنه الكتابَ والسُّنَّةَ خلائق" (^١) وقال ابن قاضي شهبة الأسدي: "سمع منه السبكي والبرزالي والعلائي وابن كثير وابن رافع وابن رجب وخلائق من مشايخه ونظرائه .. وتخرج به حفاظ" (^٢). وإنَّ كُتُبَ القرنِ الثامن لتزخرُ بمئاتٍ من تلاميذِ الذهبيِّ النُّجُبِ لم نجد في إيرادهم كثيرَ فائدةٍ في مثل هذا البحث.
ونرى من المفيد أنْ نقتطفَ في نهاية هذا الفصل آراء العلماء فيه لما لذلك من أهمية في تقويمه، وكنا نقلنا في أثناء هذا البحث بعضًا منها، فقد وصفه رفيقُه وشيخه علم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ في معجم شيوخه - والذهبي ما زال في مطلع حياته العلمية - بقوله: "رجلٌ فاضل، صحيح الذهن. اشتغل ورحل، وكتب الكثير. وله تصانيف واختصارات مفيدة. وله معرفةٌ بشيوخ القراءات" (^٣). وقال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: "الشيخ الإمام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي. حافظٌ لا يُجارى ولافظ لا يبارى، أتقنَ الحديثَ ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرَّف تراجم الناس، وأزالىَ الإبهام في تواريخهم والإلباس. ذِهْنٌ يَتوقَّدُ ذكاؤه، ويصحُّ إلى الذهب نِسْبتُه وانتماؤه. جمع الكثير، ونَفعَ الجَمَّ الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف … اجتمعتُ به وأخذتُ عنه وقرأت عليه كثيرًا من تصانيفه ولم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة" (^٤).
وعلى الرغم من مخالفة تاج الدين السبكي لشيخه الذهبي في بعض المسائل وَرَدِّهِ عليه، فإنه قال في حقه: "شيخنا وأستاذنا، الإمام الحافظ … محدث العصر. اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ، بينهم عموم
_________________
(١) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٦.
(٢) الإعلام، م ١ ورقة ٩٠ (نسخة باريس ١٣٩٨).
(٣) سبط ابن حجر: رونق الألفاظ، ورقة ١٨٠.
(٤) الوافي، ج ٢ ص ١٦٣.
[ المقدمة / ٦٥ ]
وخصوص: المزي والبرزالي والذهبي والشيخ الإمام الوالد، لا خامس لهؤلاء في عصرهم … وأما أستاذنا أبو عبد الله فنضيرٌ لا نظيرَ له، وكبير (^١) هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمامُ الوجود حفظًا، وذَهَبُ العصر معنىً ولفظًا، وشيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال في كل سبيل … وهو الذي خرَّجَنا في هذه الصناعة، وأدْخَلَنا في عداد الجماعة" (^٢)، وقال أيضًا: "وسمع منه الجمعُ الكثير. وما زال يخدم هذا الفن إلى أنْ رسخت فيه قَدَمُه، وتَعب الليلُ والنهار وما تعبَ لسانُه وقلمه، وضُربت باسمه الأمثالُ وسار اسمه مسيرَ لقبه الشمس إلا أنه لا يتقلصُ إذا نزل المطر، ولا يُدْبرُ إذا أقبلت الليالي. وأقام بدمشق يرحل إليه من سائر البلاد وتناديه السؤالات من كل نادٍ" (^٣) ووصفه تلميذه الحسيني المتوفى سنة ٧٦٥ هـ بأنه "الشيخ الإمامُ العلامة شيخ المحدثين قدوة الحفاظ والقراء محدث الشام ومؤرخه ومفيده" (^٤). وقال في موضع آخر: "وكان أحد الأذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين" (^٥). وقال تلميذه عماد الدين بن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ: "الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين … وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه" (^٦). وحينما قدم
_________________
(١) في المطبوع من الطبقات الكبرى "فبصر" و"كنز" وهما مصحفتان، والذي أثبتناه مجود التقييد في مشيخة التاج السبكي، وهي أصل في التقييد لأن ناسخها قرأها على التاج السبكي نفسه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وأما قوله "نضير" فمعناه: نعمة. وقد أورد صديقنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة يرحمه الله هذه العبارة في مقدمته لكتاب "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" ص ١٤٥ فجعلها: "فبحر لا نظير له وكنز" وعلق عليها في الحاشية فقال: "هذا هو الصواب في هذه الكلمة. وقد وقعت محرفة على أنحاء شتى ومَرَّ عليها محققون أفاضل"، وأطال النفس فيها - كعادته في تعليقاته النفيسة - يرحمه الله - وذكر عشرة ممن استشهد بها. واستدل على صحة عبارته بورودها في "جلاء العينين بمحاكمة الأحمدين لنعمان الآلوسي" ص ٣٢. وعندي أن صديقنا العلامة طيب الله ثراه قد وقع بما وقع فيه غيره فتحرفت عنده مثلما هي محرفة في "جلاء العينين"، ويلاحظ أن الألفاظ "بصر" و"نضر" و"نضير" أكثر قربًا من "بحر"، وينظر بلابد تعليقنا على مشيخة السبكي (بتحقيقنا).
(٢) الطبقات، ج ٩ ص ١٠٠ - ١٠١.
(٣) المصدر نفسه، ج ٩ ص ١٠٣.
(٤) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٤.
(٥) المصدر نفسه، ص ٣٦.
(٦) البداية والنهاية، ج ١٤ ص ٢٢٥.
[ المقدمة / ٦٦ ]
العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي الأصل الأطرابلسي (^١) إلى دمشق سنة ٧٣٤ هـ ودرس على الذهبي في تلك السنة قال فيه.
ما زلتُ بالسمعِ أهواكم وما ذكرت … أخباركم قَطُّ إلا مِلْتُ من طَرَب
وليس من عجبٍ أنْ ملتُ نحوكم … فالناسُ بالطبع قد مالوا إلى الذهب (^٢)
ووصفه الحافظ ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ بأنه "الحافظ الهمامُ مُفيدُ الشام ومؤرخُ الإسلام" (^٣). وقال ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ: "قرأتُ بخط البدر النابلسي في مشيخته: كان علامةَ زمانِه في الرجال وأحوالهم حديدَ الفهمِ ثاقبَ الذهنِ وشهرتُه تُغني عن الإطناب فيه" (^٤). وقال بدر الدين العيني المتوفى سنة ٨٥٥ هـ: "الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ المؤرخ شيخ المحدثين" (^٥). وذكره سبط ابن حجر المتوفى سنة ٨٩٩ هـ في "رونق الألفاظ" وبالغَ في الإطنابِ فيه وقال: "الشيخ الإمام العالم العلامة حافظ الوقت الذي صار هذا اللقب علمًا عليه … فلله دَرُّه من إمامٍ مُحَدِّثٍ … فكم دخل في جميع الفنون وخرج وصَحَّحَ وعَدَّلَ وجرح وأتقن هذه الصناعة … فهو الإمامُ سيد الحفاظ إمام المحدثين قدوة الناقدين". وقال في موضع آخر: "وكتب بخطه كثيرًا من الأجزاء والكتب وحَصَّلَ الأصولَ وانتقى على جماعة من شيوخه … وعُني بهذا الفن أعظم عناية وبرع فيه وخدمه الليل والنهار" (^٦).
_________________
(١) توفى سنة ٧٧٤ هـ وقد ترجمه ابن حجر في الدرر، ج ٤ ص ٣٠٦ - ٣٠٧.
(٢) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ٣١ - ٣٢.
(٣) المصدر نفسه، ص ٣١.
(٤) الدرر، ج ٣ ص ٤٢٧.
(٥) عقد الجمان، ورقة ٣٧ (نسخة أحمد الثالث ٢٩١١).
(٦) الورقة ١٨٠.
[ المقدمة / ٦٧ ]