كان الذهبي يعنى عند عدم توفر الموارد المعاصرة بالاعتماد على المورد الأقرب إلى الخبر فيعتمده ويفضله على غيره، ولذلك نشأت عنده مفاهيم في تقويم الموارد قد تختلف عن المفاهيم المألوفة عندنا بسبب عنايته البالغة في هذه الناحية، ووقوفه على مؤلفات لم تصل إلينا. وقد أدى اعتماده على المورد الأقدم إلى ضرورة تغيير موارده كما هو الحال عند عنايته بالمعاصرة والمشاهدة. إلا أن عدم وقوفه على مصدر معاصر قد جعله في الوقت نفسه ينَوِّعُ موارده ويحاول أن يورد أكبر عدد ممكن منها بغية التثبت من الخبر وضبطه.
_________________
(١) انظر مثلًا: الورقة ١٤٦، ١٤٨، ١٥٣، ١٦٣، ١٦٨، ١٦٩، ١٧١ .. إلخ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٢) انظر مثلًا: الورقة ١٦٤، ١٧٠، ١٧٧ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٣) انظر مثلًا: الورقة ١٥٤، ١٥٨، ١٦٣ … إلخ من النسخة السابقة.
(٤) انظر مثلًا: الورقة ١٤٣، ١٧٣ من النسخة السابقة.
(٥) انظر مثلًا: الورقة ١٣٣ من النسخة السابقة.
[ المقدمة / ١٧٣ ]
فحينما تناول السيرة النبوية (^١) مثلًا لم يتابع مصدرًا معينًا أو يقتصر عليه بالرغم من وجود الكثير من الكتب المؤلفة فيها وكان يمكنه الاعتماد على واحد أو اثنين منها، فرأيناه يعتمد أمهات الموارد الأصيلة التي تناولت هذا الموضوع فأخذ عن "مغازي" عروة بن الزبير المتوفى سنة ٩٤ هـ، "وهو أول من صنف المغازي" (^٢)، و"السيرة" (^٣) لمحمد بن شهاب الزهري المتوفى سنة ١٣٤ هـ، و"مغازي" (^٤) موسى بن عقبة المتوفى سنة ١٤١ هـ. أما سيرة ابن إسحاق المتوفى سنة ١٥١ هـ فإنه لم يقتصر الأخذ عنها من رواية واحدة بل اعتمد رواية زياد بن عبد الله البكائي العامري المتوفى سنة ١٨٣ هـ (^٥)، ورواية يونس بن بكير الشيباني المتوفى سنة ١٩٩ هـ واستفاد من ملاحظات ابن هشام المتوفى سنة ٢١٨ هـ حينما اختصر السيرة من رواية البكائي وعلق عليها (^٦). وقارن الذهبي بين هذه الروايات جميعها، ثم استفاد من شرح السهيلي المتوفى سنة ٥٨١ هـ وهو المعروف بـ"الروض الأنف" وكان الذهبي قد اختصره بكتاب سماه "بلبل الروض" (^٧). كما أخذ أيضًا عن "مغازي" عبد الله بن وهب بن
_________________
(١) انظر عن كتب المغازي والسيرة، هوروفتس: المغازي الأولى ومؤلفوها (ترجمة الدكتور حسين نصار)، والدكتور الدوري: بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب (بيروت ١٩٦٠)، والدكتور حسين نصار: نشأة التدوين التاريخي، والدكتور العمري: نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية (مجلة كلية الدراسات الإسلامية ١٩٧٠) وغيرها.
(٢) الذهبي: تاريخ الإسلام، ج ٤ ص ٣١ (مطبوعة)، السخاوي: الإعلان، ص ٥٢٧، وحاجي خليفة: كشف، ج ٢ عمود ١٧٤٧.
(٣) لم تصل إلينا.
(٤) وصلت إلينا قطعة منها وجدت في المكتبة البروسية وترجمها الأستاذ أدورد سخاو إلى الألمانية سنة ١٩٠٤ م، وقد وصف الإمام مالك، وتابعه الذهبي، مغازي موسى بأنها أصح المغازي (الذهبي: تاريخ الإسلام، ٣/ ٩٨٦، وابن حجر: تهذيب، ج ١٠ ص ٢٦١، والسخاوي: الإعلان، ص ٥٢٥) وقد سمعها الذهبي بالمزة على شيخه أبي نصر الفارسي (تذكرة، ج ١ ص ١٤٨) وذكر أنها في مجلد صغير (تاريخ الإسلام، ج ٦ ص ١٣٣) وقد سلخها الذهبي تقريبًا.
(٥) لقد اعتبر الذهبي زيادًا البكائي أتقن مَنْ روى السيرة عن ابن إسحاق، الورقة ٧٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٦) وصل إلينا تهذيب ابن هشام وطبع غير مرة. وقد سمعها الذهبي على شيخه أبي المعالي محمد بن إسحاق الأبرقوهي في ستة أيام متتالية (تاريخ الإسلام، الورقة ١٣٥ أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٧) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٢١٧.
[ المقدمة / ١٧٤ ]
مسلم المصري المتوفى سنة ١٩٧ هـ وهو أحد الثقات (^١)، و"مغازي" (^٢) الوليد بن مسلم الأموي الدمشقي المتوفى سنة ١٩٥ هـ، و"مغازي" (^٣) محمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، و"المغازي" (^٤) لمحمد بن عائذ الدمشقي الكاتب المتوفى سنة ٢٣٣ هـ وغيرهم.
ومع أن الذهبي قد نقل عن كثير من هذه الموارد بالواسطة، ومن طريق "دلائل النبوة" للبيهقي خاصة، لكنه كان مطلعًا عليها، يعود إليها كلما وجد حاجة لذلك كما تدل نصوصه وتعليقاته، فضلًا عن أنه كان يملك حق روايتها.
إن موقف الذهبي من تفضيل القديم هذا هو الذي دفعه فيما نعتقد إلى اعتماده محمد بن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ (^٥) بصورة قليلة جدًّا في القسم الخاص بالمغازي والسيرة مع تقدمه وكأنه اعتبره "مصدرًا ثانويًا" وذلك بسبب كثرة اعتماده لكتب الواقدي فكأنه استغنى عنه، ويصح مثل هذا القول في اعتماده النادر على السير المتأخرة مثل تلك التي ألفها ابن فارس اللغوي المتوفى سنة ٣٩٥ هـ (^٦) وابن عبد البر المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، وشيخه الدمياطي المتوفى سنة ٧٠٥ هـ (^٧) ونحوهم، مع أنه اطلع عليها ونقل عنها نصوصًا قليلة جدًّا.
إنَّ العنايةَ بالقديم وتفضيله هو الذي حدا بالذهبيِّ إلى عدم مسايرة أكثر المؤرخين في اعتماد الطبري في حوادث القرون الثلاثة الأولى كما فعل ابن الأثير وغيره، ولو نظرنا إلى موارده في تاريخ الحوادث بعد وفاة النبي ﷺ حتى
_________________
(١) تاريخ الإسلام، الورقة ٢٢٩ - ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٢) وذكر الذهبي أنه أخذ عن ابن وهب، فلعله أخذ قسمًا من مغازيه عنه، انظر الورقة ٢٨٢ - ٢٨٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)، وراجع البخاري: تاريخ، ٨/ الترجمة ٢٥٣٨.
(٣) وصلت إلينا ونشرها جونز. وذكر الذهبي أنه قد "سارت الركبان بكتبه في المغازي والسير والفقه أيضًا" وأصح الروايات عنه رواية ابن سعد، تاريخ الإسلام، الورقة ٦٦ - ٦٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٤) انظر مقدمة كتابه، ١/ ٦، والورقة ١١ (أيا صوفيا ٣٠٠٥)، والظاهر أنه لم يأخذ عنه كثيرًا بالرغم من ذكره في المقدمة بين موارده الرئيسة.
(٥) لم ينقل عنه في القسم الخاص بالمغازي غير ثلاثة نصوص، وأكثر من ذلك قليلًا في السيرة النبوية.
(٦) أخذها الذهبي قراءة على شيخه عمر بن عبد المنعم بن القواس.
(٧) قرأها الذهبي عليه، وانظر معجم شيوخه المطبوع ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥.
[ المقدمة / ١٧٥ ]
منتصف القرن الثاني - مثلًا - لوجدناه يعتمد عددًا كبيرًا من موارد التاريخ العام التي سبقت الطبري (^١) مثل خليفة بن خياط "ت ٢٤٠ هـ"، وأبي حسان الزيادي "ت ٢٤٣ هـ" (^٢)، ويعقوب الفسوي "ت ٢٧٧ هـ" (^٣)، وابن أبي خيثمة "ت ٢٧٩ هـ" (^٤)، وغيرهم مما يطول ذكره. وتشير النصوص إلى أنه فضل تاريخ خليفة عليه في معظم الأحيان.