على أن رحلة الذهبي إلى البلاد المصرية كانت من أبرزِ رحلاته المبكرة، ويقول الدكتور صلاح الدين المنجد: إنه لا يعرف متى سافر الذهبي إلى مصر،
_________________
(١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧١، السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢.
(٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥٢.
(٣) انظر مثلًا الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٤، ٨٣، ٨٨، م ٢ الورقة ٩، ٧٢، ٧٤، ٨١.
(٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥٥، وذيل العبر، ص ٣٦، السبكي: طبقات ج ٩ ص ١٠٢، الطباخ: أعلام النبلاء، ج ٤ ص ٥٤٠.
(٥) انظر مثلا: الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٧، ٣٤، ٣٩، السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢.
(٦) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٦٣، والصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٥.
(٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٢، م ٢ الورقة ٦٨، ٨٢.
(٨) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧، ٢٢، ٢٩، م ٢ الورقة ٦، ٩، وذكر أنه نزل في مدرسة القاضي شمس الدين أحمد بن أبي بكر بن منصور الإسكندراني الفقيه قاضي طرابلس (معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٢).
(٩) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٦١، م ٢ الورقة ١٦، ٤٢ - ٤٣ وقد سمع بها سنة ٦٩٨ هـ من قاضي القضاة عز الدين محمد بن سلمان الحلبي.
(١٠) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٩.
(١١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٣.
(١٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧٦، م ٢ الورقة ٧.
(١٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٤٧، والصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٥.
(١٤) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٥.
(١٥) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٦٥.
[ المقدمة / ٣٠ ]
ثم يقول: "ولعلَّ سفره إلى مصر كان بُعَيْدَ وفاةِ أبيه سنة ٦٩٧ هـ وقد عاد سنة ٦٩٩ هـ" (^١). واستند في ذلك إلى ما نقله ابن حجر عن مشيخة بدر الدين النابلسي الذي قال: "وأول ما وليَ تصديرَ حلقةِ إقراءٍ بجامع دمشق في أول رواق زكريا عِوَضًا عن شمس الدين العراقي الضرير المقرئ في المحرم سنة ٦٩٩ هـ بعد رجوعه من رحلته من مصر بقليل" (^٢).
وقد استطعنا، نتيجةَ تتبعنا لنشاطِ الذهبيِّ أنْ نُحَدِّدَ رحلته إلى البلاد المصرية وأنها كانت بين رجب وذي القعدة من سنة ٦٩٥ هـ، فقد تبين أنه ابتدأ سفرته في رجب سنة ٦٩٥ هـ متوجهًا إلى فلسطين، قال في ترجمة شيخته أم محمد سيدة بنت موسى بن عثمان المارانية المصرية المتوفاة سنة ٦٩٥ هـ: "وقد رحلتُ إلى لُقِيِّها فماتت وأنا بفلسطين في رجب سنة خمس وتسعينَ وست مئة" (^٣)، وقال في ترجمتها من تاريخ الإسلام: "كنت أتلهفُ على لقيها، ورحلتُ إلى مصر وعلمي أنها باقيةٌ فدخلتُ فوجدتها قد ماتت من عشرة أيام … توفيت يوم الجمعة سادس رجب وأنا بوادي فحمة" (^٤)، وبذلك نستنتجُ أنه وصلَ إلى البلادِ المصرية في السادس عشر من رجب سنة ٦٩٥ هـ.
وأول ما افتتح سماعه بمصر على شيخه جمال الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد اللّه الحلبي المعروف بابن الظاهري (^٥) "٦٢٦ - ٦٩٦ هـ"، قال في تاريخ الإسلام: "وبه افتتحتُ السماعَ في الديار المصرية وبه اختتمتُ وعنده نزلتُ وعلى أجزائه اتَّكَلْتُ. وقد سمع منه عَلَمُ الدين (يعني البرزالي) أكثر من مئتي جزء" (^٦)، وقال في ترجمته من معجم شيوخه: "ودعته في ذي القعدة سنة خمس وتسعين فقال لي: قل للجماعة يجعلوني في حِلٍّ … " (^٧) وطبيعي أنْ يرجع الإمام الذهبي في ذي القعدة من السنة لأنه كان قد وَعَدَ أباهُ وحلف له
_________________
(١) مقدمة سير أعلام النبلاء، ج ١ ص ١٨.
(٢) ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٤٢٧.
(٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥٩.
(٤) تاريخ الإسلام، الورقة ٢٤٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤) ولم يذكر ياقوت وادي فحمة هذا.
(٥) كان والده محمد مولى الملك الظاهر صاحب حلب، فنسب إليه.
(٦) تاريخ الإسلام، الورقة ٢٥٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٧) معجم الشيوخ، م ١ الورقة ١٨.
[ المقدمة / ٣١ ]
أنه لا يقيمُ في الرحلة أكثر من أربعة أشهر فخاف أن يَعقَّهُ إذا تأخر (^١). وقد تُوفي ابنُ الظاهري بعد ذلك في ربيع سنة ٦٩٦ هـ (^٢). وقد ذكر مترجمو الذهبيِّ أنه سمع من الحافظ ابن الظاهري (^٣) فكيف يَصحُّ القولُ عندئذٍ أنه سافر بُعيد ٦٩٧ هـ!؟ وسمع بمصر بعد ذلك من جماعةٍ كبيرة من أشهرهم: مُسْنِدُ الوقتِ أبو المعالي أحمد بن إسحاق بن محمد الأبرقوهي (^٤) المتوفى سنة ٧٠١ هـ (^٥)، وشيخ الإسلام المجتهد قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي المعروف بابن دقيق العيد القشيري المتوفى سنة ٧٠٢ هـ (^٦)، والعلامة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة ٧٠٥ هـ (^٧)، وغيرهم (^٨).
وفي أثناء وجوده بالبلاد المصرية رحلَ إلى الإسكندرية وكان بها في شوال من السنة، قال في ترجمة شيخه أبي الحجاج يوسف بن الحسن التيمي القابسي
_________________
(١) الذهبي: معرفة القراء، ج ٢ ص ٦٩٨.
(٢) الذهبي: تاريخ الإسلام الورقة ٢٥٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤)، ومعجم الشيوخ م ١ الورقة ١٨، ابن الجزري: تاريخ، م ٢ الورقة ٦٠ (باريس ٦٧٣٩).
(٣) انظر مثلًا: السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢، وسبط ابن حجر: رونق الألفاظ، الورقة ١٨٠.
(٤) نسبة إلى (أبرقوه) بلد قرب يَزْد (ياقوت: معجم البلدان، ج ١ ص ٨٥) وقد ولد بها حينما كان أبوه قاضيًا عليها (الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥).
(٥) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥، وذيل العبر، ص ١٨، السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢، ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١١٠، ج ٣ ص ٤٢٦، سبط ابن حجر: رونق الألفاظ، (نسخة الخالدية)، الفاسي: العقد الثمين، ج ٣ ص ١٥، ابن تغري بردي: النجوم، ج ٨ ص ١٩٨، والمنهل الصافي، ج ١ ص ٢١٨، وغيرها.
(٦) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ ورقة ٥٥، وذيل العبر، ص ٢١، وتذكرة الحفاظ ج ٤ ص ١٤٨١ - ١٤٨٤، ابن سيد الناس: أجوبة، ج ٢ ص ١٧٦ - ١٨٢ بتحقيق صديقنا العلامة محمد الراوندي، الأدفوي: الطالع السعيد، ص ٣١٧ - ٣٣٨، الصفدي: الوافي، ج ٤ ص ١٩٣، ابن حجر: رفع الإصر، الورقة ١١٢ وغيرها.
(٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٧، وتذكرة الحفاظ، ج ٤ ص ١٤٧٧ - ١٤٧٩، ابن شاكر: فوات، ج ٢ ص ١٧، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٤٠، ابن قاضي شهبة: منتقى المعجم المختص، الورقة ١٦٢ (أوقاف)، الصفدي: الوافي، م ١٧ ورقة ٢٣٦ ومعجم شيوخه لخصه وترجمه إلى الفرنسية الأستاذ جورج فايدا وطبع بباريس سنة ١٩٦٢ م. وفي خزانة كتبي الجزء الثالث من إحدى نسخه الخطية.
(٨) انظر مثلًا: الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٢١، ٤٢، ٦٤، ٩٦.
[ المقدمة / ٣٢ ]
ثم الإسكندراني: "وكنتُ في شوال هذه السنة في الإسكندرية وهو حيٌّ، وسمعتُ منه التجريدَ" (^١).
وفي ثغر الإسكندرية مضى الذهبيُّ إلى أسندِ أهلها في القراءاتِ، الإمام شرف الدين أبي الحسين يحيى بن أحمد بن عبد العزيز بن الصواف الجذامي الإسكندراني المقرئ المشهور "٦٠٩ - ٧٠٥ هـ" (^٢) فَأُدخلَ عليه فوجده قد أُضر وأصم، وهو في سبع وثمانين سنة، فقرأ عليه جزءًا ورفع صوته فسمع ثم كلَّمه في أن يجمع عليه القراءات السبع فوافق، وبدأ الذهبي بالقراءة فقرأ عليه الفاتحةَ وآياتٍ من البقرة، والشيخُ يَرُدُّ الخِلافَ ويردّ رواية يعقوب وغيره، ولما ذكر له الذهبي أن قصده القراءة بالسبع حسب، تَخَيَّ الشيخُ منه نَقْصَ المعرفةِ وطلب منه أن يذهب إلى أحدِ تلامذته، قال الذهبي: "وزَهّدني فيه أني كنتُ لا أدخل عليه إلا بمشقة وأمنع، ويؤذن لي مرة، وأيضًا فكنتُ لا أقرأ ربع حزب جمعًا، حتى ينقطع صوتي لمكان صَمَمِه" فخاف الذهبي ضياعَ الوقتِ القصيرِ، فتركه (^٣) وذهب إلى الإمام المقرئ صدر الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الحليِم بن عمران الدكالي المعروف بسحنون "٦١٠ - ٦٩٥ هـ" (^٤) وكان قد ضعُفَ وأُضِرَّ، فختم عليه بقراءتي وَرْشٍ وحفص في مدة أحد عشر يومًا مع جماعة من رفاقه (^٥). وسمع بالإسكندرية من جملة من علمائها المتميزين (^٦) من أبرزهم: تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد المحسن الهاشمي الحسيني الواسطي الغَرَّافي ثم الإسكندراني "٦٢٨ - ٧٠٤ هـ" شيخ دار الحديث النبيهية بالإسكندرية (^٧). كما رحل إلى
_________________
(١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٥.
(٢) الذهبي: ذيل العبر، ص ٣٢، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ١٨٥ - ١٨٦، الجزري: غاية، ج ٢ ص ٣٦٦، المقريزي: السلوك، ج ٢ قسم ١ ص ٢١.
(٣) الذهبي: طبقات القراء، ج ٢ ص ٦٩٨، ومعجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٨٤.
(٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧٣.
(٥) الذهبي: تاريخ الإسلام، م ١ الورقة ٢٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤) ومعرفة القراء ج ٢ ص ٦٩٤.
(٦) انظر مثلًا: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢١، ٢٢، ٧٥، ٨٦، م ٢ الورقة ١٧، ٦٠، ٧٤، ٨٣، ٨٥.
(٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٣ الورقة ٢ - ٣، وذيل العبر، ص ٢٨ - ٣٢، الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٩٤، ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٨٥ - ٨٦، المقريزي: السلوك، ج ٢ قسم ١ ص ١٣. وانظر أيضًا: السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢.
[ المقدمة / ٣٣ ]
بلببيس وسمع بها (^١). لقد كانت هذه الرحلة قصيرة، وكان الذهبي يجهدُ نفسه في قراءة أكبر كميةٍ ممكنةٍ على شيوخ تلك البلاد؛ فقد ذكر مثلًا أنه قرأ جميعَ سيرةِ ابن هشام على شيخه أبي المعالي الأبرقوهي في ستة أيام فقط (^٢).