إن قلة المادة التاريخية التي قدمها الذهبيُّ في الحوادث قياسًا بالمادة الضخمة التي قدمها في التراجم تجعلُ من العسير علينا أنْ نميز له منهجًا خاصًّا في هذا المجال خالف فيه غيره من كُتَّابِ الحوليات الذين سبقوه. وقد لاحظنا تذبذبًا في طريقته بين مدة وأخرى في أَساليب العرض وفي كمية المعلومات التي يقدمها ونوعيتها.
ففي القسم الخاص بالمغازي (١ - ١١ هـ) وجدنا نوعًا من التنظيم الذي يمتاز بالوضوح حيث تناول الحوادث سنة سنة، ورتب السنة الواحدة حسب تسلسل شهورها ابتداء بالمحرم وانتهاء بذي الحجة منها. ومع أننا نجد محاولةً للسيرِ على تسلسلٍ زمني في ذكر الحوادث ضمن السنة الواحدة في القسم الخاص بالخلفاء الراشدين، إلا أن ذلك لم يكن واضحًا كُلَّ الوضوح. وفي كثير من أحداث هذه السنين (١ - ٤٠ هـ) ذكر الذهبيُّ بعض وفيات المشهورين باعتبارها من الأحداث المهمة التي وقعت في تلك السنة، فمنهجه في هذه
_________________
(١) لقد استطاع الصلاح الصفدي مثلًا أن يقرأ على الذهبي القسم الخاص بالحوادث من تاريخ الإسلام فقط (انظر الوافي، ج ٢ ص ١٦٣ ونكت الهميان ص ٢٤٢ وارجع إلى كلامنا على وصف نسخة المؤلف).
(٢) من ذلك مثلًا أن شمس الدين السخاوي تمكن من تجريد تراجم الكتاب وترتيبها على حروف المعجم (انظر الإعلان، ص ٥٨٩) ووجدنا خطه على نسخة المؤلف بالإشارة إلى ذلك (راجع المقدمة عند الكلام على نسخة المؤلف).
(٣) من ذلك مثلًا أن صاحب النسخة المحفوظة في المكتبة الأحمدية بحلب برقم ١٢٢٠ استطاع أن يجمع الحوادث التي أرخت المدة ٣٠١ - ٥٠٠ هـ في مجلد واحد كما استطاع صاحب النسخة المحفوظة في مكتبة أحمد الثالث برقم ٢٩١٧/ ١٥ أن يجمع الحوادث التي أرخت الفترة ٣٥١ - ٦٧٠ هـ في مجلد واحد أيضًا. وقد جربنا وجود الكثير من النسخ التي وصلت إلينا وهي تحتوي على مجلدات كاملة لم تذكر فيها غير التراجم.
[ المقدمة / ٩٢ ]
الحقبة يشبه منهج خليفة بن خياط "ت ٢٤٠ هـ" والطبري "ت ٣١٠ هـ"، وابن الأثير "ت ٦٣٠ هـ"، في تواريخهم.
أما القسم الخاص بالحقبة الواقعة بين سنتي ٤١ - ٣٠٠ هـ فلم نجد فيه تنظيمًا زمنيًا ضمن السنة الواحدة. ولكننا وجدنا عناية بذكر أسماء المشهورين الذين توفوا فيها في أول حوادث السنة دائمًا، وقد يبلغ الأمرُ به في بعض الأحيان إلى حد يضع فيه عنوانًا لأسماء المتوفَّين فيها (^١). وفي القسم الذي بيَّضه الذهبيُّ ثانية من كتابه ووصل إلينا بخطه، نلاحظ أن المؤلفَ رَتَّبَ هذه الأسماء في أول السنة بشكل منسق: كل اسمين متقابلين، حتى لتبدو هذه الأسماء لأول وهلة وكأنها أبيات من الشعر (^٢).
إن اعتناء الذهبيِّ بذكرِ أسماءِ الأعلام ممن توفوا في السنة ضمن الحوادث يبدو أمرًا معقولًا ومنسجمًا مع مزاجه التراجمي لا سيما إذا علمنا أنه نظّم التراجمَ في هذه الحقبة حسب العقود.
وأما المدة الممتدة من بداية القرن الرابع حتى منتصف القرن السابع الهجري فمن الصعوبة أنْ نُميز فيها أيَّ وجودٍ لتنظيم الحوادث داخل السنة الواحدة لا من حيث الزمان ولا من حيث الأهمية، ولم نجدْ أيةَ روابطَ بين الحوادثِ المذكورة في مثل هذه السنين سوى وقوعها في سنةٍ واحدة. وقد اتبع الذهبيُّ طريقة كُتَّاب الحوليات الذين سبقوه في ذكر العبارات التي تربط الحوادث ببعضها في داخل السنة الواحدة والتي تُوضَعُ في مقدمة الخبر عادة مثل: "وفيها" أو "وفي أولها" أو "وفي آخرها" أو "وفي رجب منها" ونحو ذلك.
ثم نعود فنرى تنظيمًا واضحًا في القسم الذي تناول النصف الثاني من القرن السابع الهجري (٦٥١ - ٧٠٠ هـ) من كتابه حيث سار الذهبيُّ على نمطٍ واحد في ذكر الشهر الذي وقعت فيه الحادثة ورتب المادة حسب تسلسلها الزمني من السنة، فكان يبدأ السنة بقوله: "في المحرم" أو "في أول المحرم" أو يذكر أي شهر آخر لكنه كان يسلسلُ الأشهرَ دائمًا، وربما عيَّن اليوم في
_________________
(١) انظر مثلًا سنة ١٣٣ هـ: "ذكر مَنْ توفي فيها من الأعيان" ٣/ ٥٩٣ (من طبعتنا) وانظر أيضًا: ٣/ ٥٨٣ "ذكر من توفي فيها مجملًا".
(٢) انظر مثلًا الورقة ١٧١ فما بعد (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
[ المقدمة / ٩٣ ]
بعض الأحيان.
وفي جميع الكتاب لم يوازن الذهبيُّ، ولو بشكلٍ بسيط، بين المعلومات المذكورة في كتابه لا من حيث الكمية ولا من حيث النوعية على عكس طريقته في الموازنة بين عدد التراجم في القسم الخاص بها، كما سنوضحه بعد قليل، ولذلك وجدنا السنين الأربعين الأولى تحتل قرابة ٤٠% من جميع حوادث الكتاب مع أنها لا تكوِّن من نطاق الكتاب الزماني إلا أقل من ٦٠% فقط، ووجدناه في الوقت نفسه يقصر في حوادث بعض السنوات بحيث لا تتعدى الأسطُرَ المحدودةَ، ويطوِّل في أخرى بحيث تبلِغ أوراقًا عديدة. والسببُ في ذلك فيما نعتقد، مُتَأَتٍّ من تقييمِه للحوادثِ وفهْمِه لها، كما سيظهر لنا فيما بعد عند كلامنا على الأسس التي اتبعها في انتقاء الحوادث.
ولما كان الذهبيُّ ملتزمًا في ذكر الحوادث بالتنظيم على السنين فإنه كان يقطعُ الخبرَ ليكمله في سنةٍ أخرى، وهي العادةُ التي اتبعها معظم مؤلفي الكتب التاريخية المرتبة على السنين، فإذا ما أراد القارئ أنْ يطلع على حادثةٍ معينة استمرت لعددٍ من السنين فإنَّ عليه أنْ يقرأ جميعَ حوادث هذه السنين، ويمر بأخبار وحوادث لا علاقة لها البتة بموضوعه، فضلًا عما تسببه هذه الطريقةُ من إرباكٍ في تتبع الخبرِ التاريخي. ومع ذلك فهو مثل غيره من كُتَّاب الحوليات، كان يتجاوزُ مثل هذه الحالة في أحيان قليلة، فكان يذكر بعض الأحداث المهمة متسلسلة لأكثر من سنة مثل خروج المغول وحروبهم مع علاء الدين خوارزمٍ شاه (^١)، علمًا أنه اعتبر مثل هذا التسلسل خروجًا عن نطاق السنة واستطرادًا نحو قوله في حوادث سنة ٣٧٦ هـ: "وإنما جرى ذلك في سنة تسع وسبعين ولكن سقناه استطرادًا" (^٢).
وإذا آمنا بأنَّ القسمَ الأخيرَ من كتابه يمثل طريقته الخاصة في تناول الحوادث، فإن ذلك لا يعفيه من عدم تنظيمها في الأقسام الأخرى من كتابه على النسق الذي نظم فيه القسم الأخير منه.
_________________
(١) انظر الورقة ٢٣٩ - ٢٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) ٨/ ٣٥٠ (من طبعتنا).
[ المقدمة / ٩٤ ]