كانت الكتب التاريخية الأولى المرتبة حسب السنين تُعنى بذكرِ الحوادثِ بالدرجة الأولى مثل تاريخ خليفة بن خياط المتوفى سنة ٢٤٠ هـ وتاريخ الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وغيرهما، وقَلَّما أعطتْ أهميةً كبيرة ومتميزة للتراجم. وقد ظهر تحولٌ واضح منذ القرن السادس الهجري في هذا النمط من الكتب التاريخية لاسيما عند المؤرخين المحدِّثين، حيث زاد اهتمامهم بذكر التراجم. ويبدو ذلك واضحًا في كتاب "المنتظم" لأبي الفرج بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ حيث أدخل تقسيمًا واضحًا بين الحوادث والوفيات، فجعل التراجمَ تعقبُ حوادثَ كُلِّ سنةٍ ورَتَّبها حسبَ حروفِ المعجم. وقد ظلت هذه الطريقة تؤثر في أُطُر الصور الحولية للمؤلفات التاريخية التي جاءت بعده. ويعزو الأستاذ روزنتال ذلك إلى سيطرةِ علم الكلام (^١)، في حين نعتقد أن هذا التطور لم يكن إلا بتأثيرِ علمِ الحديثِ النبويِّ، واشتدادِ العنايةِ برواته (^٢).
لقد فصلَ الذهبيُّ فصلًا تامًّا بين الحوادث والوفيات، ورأينا قبل قليل تذبذبه في السير على خطٍّ واضح في ذكر الحوادث وعدم وجود أية علاقة بَيِّنة لها بالوفيات. ولعلَّه فكَّر في بعض الأحيان بتجميع حوادثِ كل مجلد مع
_________________
(١) روزنتال: علم التاريخ، ص ١٩٨، ٢٠٤.
(٢) انظر بحثنا: مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين ص ٣٣ - ٣٤.
[ المقدمة / ٨٩ ]
الوفيات الواردة فيه (^١)، فحينما أورد حوادث السنوات ٦٤١ - ٦٥٠ هـ في المجلد التاسع عشر الذي لم يتضمن وفياتها، ذكر أنها من حوادث المجلد العشرين (^٢). وقد طلب الذهبيُّ من الناسخ في نهاية تراجم الطبقة الخامسة والستين من المجلد العشرين أن يرتب تلك الحوادث التي مرت في المجلد الماضي في ذلك الموضع (^٣).
والعلاقة الوحيدة التي نجدها بين الحوادث والتراجم هي وجود بعض الإحالات من الحوادث إلى الوفيات وبالعكس لاسيما في تراجم الشخصيات السياسية التي أسهمت في الحوادث، نحو قوله في ترجمة السلطان غياث الدين الغوري في وفيات سنة ٦٠٥ هـ: "هو في الحوادث" (^٤)، وقوله في ترجمة محمد بن تكش خوارزم شاه: "قد ذكرنا قطعة من أخباره في الحوادث" (^٥)، مع أنه ترجم له ترجمة حافلة في قرابة الخمس ورقات (^٦)، وقوله في ترجمة ولده جلال الدين: "وفي الحوادث على السنين قطعة من أخباره" (^٧) وغيرها (^٨). ومع كل ذلك فإن هذا الانفصام الذي أشرت إليه بين الحوادث والوفيات قد أدى إلى تكرار بعض المعلومات فيهما، كما في قصة الوحشة التي جرت بين الملك الجواد وعماد الدين عمر ابن شيخ الشيوخ محمد بن حموية الجويني ومقتل عماد الدين سنة ٦٣٦ هـ حيث تكررت في الحوادث والوفيات (^٩).
_________________
(١) انظر أعلاه كلامنا على "الخطة العامة للكتاب".
(٢) الورقة ٢٥٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٣) الورقة ١٠٧ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
(٤) الورقة ٣٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥) الورقة ١٧٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٦) الورقة ١٧٢ - ١٧٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٧) الورقة ٧٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٨) انظر مثلًا الورقة ١٤٣ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والورقة ٣٤ (أيا صوفيا ٣٠١٤)، الورقة ٦٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٧٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ٣٩.
(٩) انظر ترجمة عماد الدين ابن شيخ الشيوخ في نسخة أيا صوفيا ٣٠١٢، ورقة ٧٨ فما بعد، وقارن حوادث سنة ٦٣٦ هـ (ورقة ٢٤٨ من النسخة نفسها).
[ المقدمة / ٩٠ ]
كان اهتمامُ الذهبيِّ الرئيس ينصب دائمًا على التراجم، وذلك يعكسُ مفهومه الأصلي للتاريخ، لذلك احتلت التراجمُ حيزًا كبيرًا من تاريخه. فإذا استثنينا الحقبة الأولى من كتابه (١ - ٤٠ هـ) فإنَّ كميةَ الحوادث لا يمكن أن تقارن بكمية التراجم، فإننا إذا أحصينا عددَ الأوراق التي سودها الذهبيُّ لتاريخ القرن السابع الهجري من "تاريخ الإسلام" - مثلًا - وجدناها تبلغ ١١٧٤ ورقة لم تحتل الحوادث منها غير ١٧٠ ورقة فقط (^١)، وهذا يعني أنها تُكَوِّنُ ١٤.٤ % من الكتاب، علمًا أنها أقل من ذلك بالنسبة للقرون الأولى حيث بلغت للحقبة الواقعة بين سنتي ١٨١ - ٢٢٠ هـ ١٠ % فقط (^٢). وقد جاء هذا التقصيرُ النسبي في الحوادث بسبب عدم استقصاء الذهبي لما ذكرته المصادرُ من حوادث واقتصاره على البعض منها. وقد صرح بذلك في أكثر من موضع، فقال في بداية حوادث الطبقة السادسة والستين: "وهذه نبذة مما جرى في هذه الطبقة من الحوادث" (^٣)، وقوله في بداية حوادث الطبقة التاسعة والستين: "ذِكْرُ الحوادث الكائنة في هذه السنين العشر على الترتيب مختصرًا" (^٤)، وهو منهجٌ اختطه الذهبيُّ لنفسه كما سيتضح عند كلامنا على الأسس التي اتبعها في انتقاء مادة الحوادث.
إن اختفاء العلاقة بين الحوادث والتراجم في كتاب "تاريخ الإسلام" هو الذي جعل الذهبيَّ فيما نعتقد لا يتبع نمطًا واحدًا في تجميع الحوادث، وجَوَّزَ لنفسه أنْ يذكرها متتابعةً كل عشر سنوات تارة وكل خمسين سنة تارة أخرى
_________________
(١) منها ٣٤ ورقة في المجلد الثامن عشر (أيا صوفيا ٣٠١١) و٤٣ ورقة في الملجد التاسع عشر (أيا صوفيا ٣٠١٢) و٣٧ ورقة في المجلد العشرين (أيا صوفيا ٣٠١٣) و٥٦ ورقة في المجلد الحادي والعشرين (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٢) أجريت هذه الإحصائية على النسخة التي بخط الذهبي، فقد بلغت أوراق الطبقة التاسعة عشرة ١٣٨ ورقة احتلت الحوادث ١٢ ورقة منها، وبلغ عدد أوراق الطبقة العشرين ١٣١ ورقة منها ٢١ ورقة حوادث، وعدد أوراق الطبقة الحادية والعشرين ٨٤ ورقة منها ٨ أوراق حوادث، أما الطبقة الثانية والعشرون فبلغ عدد أوراقها ١٤٧ ورقة احتلت الحوادث ٩ أوراق منها فقط. فيكون مجموع عدد أوراق الطبقات الأربع ٥٠٠ ورقة منها ٥٠ ورقة حوادث. ونرى من المفيد أن نشير هنا إلى أن الذهبي كان يورد أسماء وفيات الكبار ضمن الحوادث فهي تحتل قسمًا غير قليل منها أيضًا.
(٣) الورقة ٢٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
(٤) الورقة ١٩٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
[ المقدمة / ٩١ ]
ونحو ذلك مما بَيَّناهُ سابقًا. ثم إنَّ شعورَ المؤرخين فيما بعد بعدم وجود هذه العلاقة جعلهم في وضع يبدو أكثر حرية في دراسة أيِّ قسم منهما على انفراد (^١)، أو الانتقاء منه (^٢)، كما شعر النُّساخ دائمًا بحرية كبيرة في تجميع كل قسم على حدة (^٣).