وعني الذهبي بالموارد التي تخصصت في نمط معين من التأليف سواء أكان ذلك في الحوادث أم في التراجم؛ فقد اعتمد في الفتوح مثلًا على الوليد بن مسلم "ت ١٩٥ هـ" (^٥)، و"كتاب الفتوح" لسيف بن عمر "ت ٢٠٠ هـ" (^٦) باعتبارهما متخصصين بالتأليف عن موضوع معين.
وتظهر عناية المؤلف في التخصص التأليفي أكثر وضوحًا في التراجم حيث تشير دراسة الموارد إلى أنه راعى في الأغلب الأعم الاعتماد على المؤلفات التي تخصصت بنمط معين من المترجمين إضافة إلى الموارد الأخرى. ولما كنا نعلم أن المؤلفين المسلمين قد أولوا هذه الناحية عنايتهم فلم يتركوا صنفًا من الناس عمومًا إلا ووضعوا فيهم الكتب المترجمة لهم (^٧)، عرفنا سبب عناية الذهبي بهذا النمط من الموارد لاسيما إذا عرفنا أن مؤلفي هذه الكتب هم في
_________________
(١) هذه الموارد تشير إلى ما تناوله الذهبي في الحوادث فقط.
(٢) انظر العمري: موارد الخطيب، ص ١٠٨ فما بعد.
(٣) ذكره الذهبي في مقدمة كتابه، وانظر مقدمة الدكتور أكرم العمري لكتابه "المعرفة والتاريخ".
(٤) انظر العمري: موارد الخطيب، ص ١١٥.
(٥) تشير النقول إلى أنه ألف كتابًا في "الفتوح" لاسيما في أيام الآمويين انظر مثلًا: ٢/ ١٠٤٦، وانظر ترجمة الذهبي له في ٤/ ١٢٤٠ - ١٢٤٣.
(٦) انظر مقدمة تاريخ الإسلام ١/ ٧.
(٧) لقد أراد الذهبي أن يرتب تاريخه المحيط على نوعية المترجمين، وقد اتخذ السخاوي تنظيم الذهبي هذا وبحث عن المؤلفات التاريخية استنادًا إلى تقسيم الذهبي (الإعلان، ص ٥١٨ فما بعد).
[ المقدمة / ١٧٦ ]
الأغلب من صنف المترجمين المعنيين بهم، فأصبحوا عندئذ أعرف بهم من غيرهم.
ومن أمثلة عنايته بالتخصص أنه نقل تراجم الشعراء عن المؤلفين الذين عنوا بهم مثل أبي عبيدة معمر بن المثنى "ت ٢١٠ هـ" (^١)، ومحمد بن سلام الجمحي "ت ٢٣١ هـ" (^٢)، وأبي الفرج الأصبهاني "ت ٣٥٦ هـ" (^٣)، والثعالبي "ت ٤٣٠ هـ" (^٤)، والباخرزي "ت ٤٦٧ هـ" (^٥)، والعماد الأصبهاني "ت ٥٩٦ هـ" (^٦)، وابن الشعار الموصلي "ت ٦٥٤ هـ" (^٧)، وابن بسام الشنتريني "ت ٥٤٢ هـ" (^٨)، إضافة إلى اعتماده المصادر الأدبية الأخرى التي تضمنت أخبارًا عنهم مثل مؤلفات يونس بن حبيب النحوي "ت ١٨٢ هـ"، والأصمعي "ت ٢١٦ هـ"، والجاحظ "ت ٢٥٥ هـ"، والزبير بن بكار "ت ٢٣٦ هـ"، ونحوهم (^٩)، إضافة إلى موارده من كتب التراجم الأخرى. ويصح هذا الذي ذكرناه عن الشعراء مثلًا عن كل طائفة من التراجم التي أوردها في كتابه وكَتَبَ المؤلفون المسلمون كتبًا خاصة بهم حتى وإنْ كان مختلفًا معهم في العقيدة أو المذهب؛ فنحن نعلم - مثلًا - أنه لا يرضى أخذَ الحديثِ عن الرافضة، ولكننا نجده - يعنى حينما يترجم للشيعة أو غلاتهم - بالأخذ في كتابه عن الموارد التي تخصصت في تراجمهم فنقل الكثير منها - مثلًا - عن الشيخ المفيد
_________________
(١) له كتاب "طبقات الشعراء" لم يصل إلينا، وهو أقدم مَنْ صنف في الشعراء منفردًا، وقد رجح الذهبي وفاته في هذه السنة (تاريخ الإسلام، الورقة ٧٢ - ٧٣ أيا صوفيا ٣٠٠٧)، انظر الورقة ٢٩٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٢) نقل من كتابه "طبقات فحولة الشعراء" نشره الأستاذ محمود شاكر ٢/ ٧٣٥.
(٣) في كتابه "الأغاني" وهو مطبوع مشهور.
(٤) في كتابه "يتيمة الدهر" وهو مطبوع، وقد رجح الذهبي وفاته سنة ٤٣٠ هـ على سنة ٤٢٩ هـ (الورقة ٣٠٦ - ٣٠٧ أيا صوفيا ٣٠٠٩)، وانظر الورقة ١١٨، ١٨٧، ١٩٦، ٢١٩، ٢٦٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٦٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٥) في كتابه "دمية القصر" وهو مطبوع، انظر الورقة ٤٦٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٦) في كتابه "خريدة القصر وجريدة العصر" وقد طبعت معظم أقسامه.
(٧) في كتابه "عقود الجمان في شعراء هذا الزمان" وهو في عشر مجلدات وصلت إلينا منها ثمانية.
(٨) في كتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" وهو مطبوع.
(٩) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٤٢٠.
[ المقدمة / ١٧٧ ]
"ت ٤١٣ هـ" (^١)، والنجاشي "ت ٤٥٠ هـ" (^٢)، وابن أبي طي الغساني الحلبي "ت ٦٣٠ هـ" (^٣). وكان الذهبي قال في ترجمة ابن أبي طي الغساني المذكور: " … الغساني الحلبي الشيعي الرافضي مصنف تاريخ الشيعة وهو مسودة في عدة مجلدات نقلت منه كثيرًا" (^٤).
ومن مظاهر ذلك أيضًا، عنايته البالغة بتتبع السير الخاصة التي ألفها المؤرخون عن إحدى الشخصيات، واعتمادها في كتابه، فنقل عن عشرات منها سواء أكانت سيرًا لسياسيين، أم لأدباء، أم لمحدثين، أم لفقهاء، أم لزهاد، أم لمتصوفة (^٥).
على أن عناية الذهبي بالتخصص تتجلى في أحسن مظاهرها في العدد الضخم الذي وقف عليه من التواريخ المحلية، سواء أكانت هذه التواريخ مما عني بالحوادث الكائنة في ذلك البلد أم في ترجمة أهله والواردين عليه، فأخذ عن كل بلد من تواريخه الخاصة به. والحق أن الذهبي قَلَّما ترك تاريخًا محليًا معروفًا ولم يستفد منه. وقد تأسف في المقدمة بسبب عدم وجود تواريخ لبعض البلدان، وعدم استطاعته الحصول على بعض منها مما يدل على شدة كلفه وعنايته بها.