لم ينقطع الذهبيُّ طيلةَ حياته عن الدراسةِ والسَّماعِ لا يشغله عنهما شاغلٌ،
_________________
(١) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٤.
(٢) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ١٣٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٣) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٣٣٣ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) انظر مثلًا: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧٢، م ٢ الورقة ١٦.
(٥) الدكتور ناجي معروف: تاريخ علماء المستنصرية، ج ١ ص ٣٥٤ - ٣٦٠.
(٦) ذكر ذلك علم الدين البرزالي المتوفى سنة ٦٣٩ هـ (ابن رجب: الديل، ج ٢ ص ٣٨٥) والذهبي في معجم شيوخه، م ٢ الورقة ٥٠.
(٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٥٠ والكتاب المذكور للتنوخي كما هو معروف.
(٨) السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢.
(٩) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٠.
(١٠) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٣، ٨٤.
(١١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٥٠.
[ المقدمة / ٣٤ ]
تَدُلُّ على ذلك مُعجماتُ شيوخِه لا سيما المعجم الكبير. وكانت دراستُه وسماعاتُه متنوعةً لم تقتصرْ على القراءات والحديث.
وقد عُني بدراسة النحو فسمع "الحاجبية" في النحو على شيخه موفق الدين أبي عبد الله محمد بن أبي العلاء النَّصيبي البَعْلبكي المتوفى سنة ٦٩٥ هـ (^١). ودرس على شيخِ العربيةِ وإمامِ أهلِ الأدب في مصرَ آنذاكَ الشيخ بهاء الدين محمد بن إبراهيم المعروف بابن النَّحَّاس المتوفى سنة ٦٩٨ هـ (^٢). إضافةً إلى سماعه لعددٍ كبير من مجاميع الشعر واللغة والآداب.
واهتم بالكتب التاريخيةِ فسمع عددًا كبيرًا منها على شيوخه، في المغازي والسِّيرة (^٣)، والتاريخ العام، ومُعجمات الشيوخ والمَشْيخات (^٤)، وكتب التَّراجم الأخرى (^٥).
إلا أن عنايتَهُ الرئيسةَ في السماع كانت منصبةً على الحديثِ؛ فقد سَمعَ الذهبيُّ مئاتِ الكتبِ والأجزاء الحديثية طيلةَ حياتِه في طلب العلم، يَعْرِفُ ذلك من يقرأ مُعجماتِ شيوخه وكُتبه بِرَوِيَّةٍ وإمعانٍ، فضلًا عن أن هذه الكتب والأجزاء هي ليست كل ما قرأ الذهبي على شيوخه، فهناك العددُ الهائلُ من الأحاديث النبوية الشريفة التي لم يورد في معجمات شيوخه منها إلا أمثلةً حسب. يضاف إلى ذلك أنه كان ربما سَمعَ الكتابَ أو الجزءَ على أكثر من شيخٍ حتى يبلغ في بعضها عشرات المرات أو عددًا كبيرًا منها، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة؛ فقد سمع "جزء الحسن بن عَرَفة" وهو من الأجزاءِ الحديثية المشهورة أكثر من أربعينَ مرةً على أكثر من أربعينَ شيخًا (^٦)، وسمع "نُسخة أبي مُسْهِر"
_________________
(١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٧٤.
(٢) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٣٠، وتاريخ الإسلام، الورقة ٢٨٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٣) انظر مثلًا: تاريخ الإسلام، الورقة ١٣٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٤) انظر مثلًا: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ١٥، ٢٢، ٢٦، ٢٨، ٣٣، ٤٢، ٤٦، ٥٥، ٨٠، م ٢ الورقة ٩، ١٠، ٥٠، ٧١، ١٠٠، وتاريخ الإسلام، الورقة ٩٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٥) مثلًا: تاريخ الإسلام، الورقة ٦٨، ٧٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٢) وغيرها.
(٦) انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٩، ١٦، ١٧، ٣٣، ٣٦، ٣٨، ٤٩، ٥٣، ٥٨، ٦٤، ٧٢، ٧٩، ٨٠، ٨١، ٨٦، م ٢ الورقة ٨، ١١، ١٣، ٢٤، ٣١، ٣٢، ٣٧، ٣٩، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٥٩، ٧٧، ٧٩، ٨٢، ٨٥، ٨٦، ٨٨، ٩٨، ١٠٠.
[ المقدمة / ٣٥ ]
عبد الأعلى بن مُسْهِر المتوفى سنة ٢١٨ هـ (^١) أكثر من اثنتي عشرة مرة (^٢)، وسمع "جزء ابن فِيل" (^٣) لأبي طاهر الحسن بن أحمد بن فِيل البالسيّ على أكثر من عشرة من الشيوخ (^٤).
وأرى من الواجب أن أشير إلى أن الذهبيَ لم يُعْن بذكر مسموعاته بصورة مفصَّلة في معجم شيوخه كما فعل ابن حَجَر مثلًا في "المُعْجَم المُفهرس" الذي رَتَبه أساسًا على الكتب (^٥)، وفي "المجْمَع المُؤَسَّس" الذي رتبه على الشيوخ ولكن ذكر فيه المرويات أيضًا (^٦). ومع ذلك فإنَّ المَرْويات لا تمثل أصلا دراسات الطالب أو العالم، لأن الكتب المروية محدودة عمومًا، بينما يستطيع الطالب أن يقرأ ما يشاءُ من الكُتب الفقهية والتاريخية والأدبية ودواوين الشعراء ونحوها، وطائفة كبيرة منها لا تروى.
على أننا نستطيع القول من دراستنا لكتب الذهبي واهتماماته أنه عُنِيَ بالعلوم الدينية عمومًا والعلوم المُساعدة لها كالنَّحو واللغة والأدب والشعر. كما أنه اطلع على بعض الكتب الفلسفية. ونشك أنه درسَ كُتبًا في العلوم الصرفة لعدم اعتقاده بجدواها.