كان تاريخ ولادة المترجَم يكوِّن عنصرًا بارزًا من عناصر الترجمة، وقد اعتنى به مؤلفو كتب التراجم منذ مدة مبكرة، وأخذنا نجد اهتمامًا بالمواليد
_________________
(١) منسوب إلى (نهر دير) كانت قرية كبيرة عند البصرة كما ذكر السمعاني في "النهرديري" من الأنساب وتابعه ابن الأثير في اللباب.
(٢) قال بشار: قد تقدم قول الذهبي ردًا على ذلك بأن الأزهر هو لقب بكر أو هو جد أعلى وأنه وقع وهم في نسبه.
(٣) يعني أتقن تقييد الحاء من حبان بالضم أو بالفتح.
(٤) القول للذهبي.
(٥) ٧/ ٤١ - ٤٢ (من طبعتنا). وانظر مناقشة ابن ماكولا في "الإكمال" ج ٢ ص ٣٠٥ فما بعد. وراجع تعليقنا على كتاب الذهبي "أهل المئة فصاعدًا" ص ١٢٣ هامش ١٦١ تجد فيه تفصيلًا يغني. ومثل هذا المثال الذي ذكرناه كثير الوجود في "تاريخ الإسلام" للذهبي، فراجع مثلًا: ٢/ ١٢٠٥. حيث تجد قوله في الكنى من الطبقة العاشرة: "أبو عبد الله الأغر المدني مولى جهينة اسمه سلمان روى عن أبي هريرة و… وأما أبو مسلم الأغر (الكوفي) عن أبي هريرة فرجل آخر، وقد جعلهما واحدا الحافظ عبد الغني المصري وقبله ابن خزيمة فوهما … " ولا شك أن هذا الارتباك هو أحد الأسباب الرئيسة التي دعت العلماء المسلمين إلى العناية التامة بالمتفق والمشتبه من الأسماء والأنساب والكنى والألقاب فألفوا فيها الكتب الكثيرة المعروفة المشهورة.
[ المقدمة / ١٠٥ ]
كلما تقدم الزمن، فهو في الكتب المتأخرة أكثر منه في الكتب الأولى، فإن من الطبيعي أنْ يهتم الذهبي اهتمامًا بالغًا في تدوين تاريخ ولادة المترجم أو عمره التقريبي في تراجم كتابه (^١).
وفي سنة ٣٠٢ هـ وجدنا أول ذكر للمواليد في نهاية وفيات السنة، لكنه انقطع بعد ذلك إلا في حالات نادرة، ولعله بدأ بالعناية بذلك حين وصل إلى أواخر المئة السادسة، فقد ذكر مواليد سنة ٥٧٢ هـ (^٢)، واستمر على ذلك بصورة منتظمة (^٣) إلى نهاية الكتاب. وكان الذهبي يؤكد في العناوين التي يضعها لقوائم الولادات هذه أنها للمشهورين حسب؛ فيقول مثلًا: "وفيها ولد من الكبار" (^٤) أو "وفيها ولد من المشاهير" (^٥)، ولذلك فإنه لم يستوعب المواليد استيعابه للوفيات.
ولكن لماذا عُني الذهبي بذكر المواليد في الربع الأخير من القرن السادس ولم يورد قوائم مماثلة قبل هذا التاريخ؟ فإذا كان الجواب على ذلك وقوفه على مواليد الكبار في هذه الفترة، أو حصوله على مادة في هذا الموضوع فإن ذلك مردودٌ بثبوتِ عددٍ كبير من المواليد قبل هذا التاريخ، وقد ذكرها هو في أثناء التراجم، وكان يستطيع أن يجمع مواليد المشهورين فيذكرها في آخر كل سنة. ويبقى لدينا بعد ذلك احتمالان:
_________________
(١) انظر أدناه كلامنا على "عناصر الترجمة".
(٢) وجدنا مواليد هذه السنة قد كتبت في أثناء تراجم سنة ٥٧٣ هـ من نسخة أحمد الثالث رقم ٢٩١٧/ ١٤ وبعد ترجمة أحمد بن حامد بن الفرات، فقال: "وفيها ولد الشيخ الفقيه بيونين في رجب والصفي إسماعيل بن إبراهيم بن الدرجي بدمشق والكمال علي بن شجاع الضرير بمصر في شعبان والشيخ أوحد الدين عمر الدويني". (الورقة ٤٧ من النسخة) والظاهر أن الذهبي كان قد كتبها في إحدى الجزازات وظنها الناسخ الجاهل في هذا الموضع، وإلا فإن الذي حفظناه من ولادة هؤلاء الأعلام هو سنة ٥٧٢ هـ وكما ذكر الذهبي نفسه (انظر العبر ج ٥ ص ٢٤٨، ٢٦٦، ٢٧٧).
(٣) باستثناء بعض السنوات الأولى التي لم ترد فيها قوائم ولادات وهي سنة ٥٧٣ وسنة ٥٧٤ وسنة ٥٧٩ وسنة ٥٨١.
(٤) الورقة ٥٩ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥) الورقة ٢٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
[ المقدمة / ١٠٦ ]
الأول: إنه عُني بذكر مواليد الكبار من شيوخه وشيوخ شيوخه، ويؤكد هذا الاحتمال أن جميع المذكورة مواليدهم من هذه الفئة، وقد تَبَيَّنَ لنا ذلك بمقارنتهم بمعجم شيوخه وبشيوخ المذكورين في معجم شيوخه.
الثاني: وهو الأرجح عندنا أنه فَكَّرَ بمثل هذا العمل بأخَرَة، وهو في الأقل قد عُني بذكر المواليد عند بداية تأليفه للمجلد الثامن عشر المحتوي على تراجم المدة الواقعة بين سنتي ٦٠١ - ٦٢٠ هـ، أي منذ مطلع القرن السابع الهجري، فالولادات هنا مذكورة في أصل النسخة وليس على حواشيها ولا في طيارات لنقول عندئذ إنه ألحقها فيما بعد.
أما قوائم الولادات المذكورة قبل ذلك فهي إما أنْ تكونَ من أصلِ النسخة أو يكون الذهبي قد ألحقها فيما بعد. والذي يُعَزِّزُ كونَها مُلْحقةً غلطُ الناسخ في ولادات سنة ٥٧٢ هـ وإقحامها في أثناء تراجم سنة ٥٧٣ هـ مما يدل على أنها كتبت في طيارة أو على حاشية النسخة ولكننا في الوقت نفسه لم نقف على ولاداتٍ لسنتي ٥٧٣ هـ و٥٧٤ هـ فهل ابتدأ الذهبي بذكر المواليد بصفة منتظمة اعتبارًا من سنة ٥٧٥ هـ؟ وأن قوائم الولادات قد ابتدأت تظهر في نسخة الذهبي الأصلية اعتبارًا من هذا التاريخ؟ هذا هو الذي أعتقده.
وكان عدد ما يورده الذهبيُّ من المواليد في النصف الأول من القرن السابع يتراوح بين ١٠ - ١٨ اسمًا (^١)، وهي أقل من ذلك بقليلٍ في الربع الثالث منه (^٢)، لكنها تناقصت تناقصًا كبيرًا في العقد الأخير منه حيث تراوح عددها بين ٢ - ٥ فقط (^٣) وهو أمر طبيعي، فيما نعتقد، لأنَّ مَنْ ولد في هذا العقد كان ما يزال صغيرًا لم يتعين بعد، ولم يعرف الذهبي من هو الذي سوف يتميز منهم، ولذلك جاءت هذه المواليدُ لبعضِ أبناءِ معارفه، ولبعضٍ من تلامذتِه النُّجُب.
_________________
(١) انظر مثلًا الورقة ١٠، ٢٨، ٣٨، ٤٨، ٥٥، ٦٢ - ٦٣، ٦٩، ٧٤، ٩١، ١٠٣، ١١٧، ١٣٢، ١٤٣، ١٥٨، ١٧١، ١٨٢، ١٩٤، ٢٠٥، ٢١٥، ٢٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٢) انظر مثلًا الورقة ٧، ١٦، ٢١، ٢٥، ٣٣، ٤٧، ٥٩، ٦٥، ٦٩، ٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٣) انظر مثلًا الورقة ٢١٧، ٢٢٣، ٢٣٢، ٢٤١، ٢٥٥، ٢٦٣، ٢٧٢، ٢٨٢، ٣١٠، ٣١٩ من النسخة السابقة.
[ المقدمة / ١٠٧ ]
وعلى الرغم من أن كثيرًا من المؤرخين قد عُنوا بذكر مواليد المترجَمين لكن أحدًا منهم لم يفكر أن يذكر ذلك بصورة منفردة. وإذا استثنينا كتاب "تاريخ موالد العلماء ووفياتهم" لابن زَبْر الرَّبَعِي الدمشقي المتوفى سنة ٣٧٩ هـ الذي ذكر فيه مواليدَ بعض الرواة بصورة غير منتظمة ومرتبكة (^١)، فإنَّ الذهبيَّ يُعَدُّ أولَ مَنْ نظم المواليد في كل سنة على حدة، فوصل بفَنِّ التراجمِ إلى المستوى الراقي الذي لم يصل إليه أحد من قبل.