قد عرفنا أنَّ الذهبيَّ نظم المترجَمين بين سنتي ٤١ - ٣٠٠ هـ في وحدات زمنية أمدُها عشر سنوات أطلق عليها لفظ "الطبقة" ثم رتب التراجم على حروف المعجم ضمن هذه الوحدات. ثم عرفنا أيضًا أنه عني بذكر تراجم كل سنة بصفة مستقلة ابتدأ من سنة ٣٠١ هـ وحتى نهاية الكتاب، ورتب المترجَمين على حروف المعجم ضمن السنة الواحدة (^١).
ومما هو جدير بالذكر أنَّ الذهبيَّ لم يعتبر اسم المترجَم حسب في التنظيم الداخلي للتراجم، بل اعتبر الشُهرةَ واتخذها أساسًا في ذلك سواء أكانت شهرة المترجَم في اسمه أم لقبه أم كنيته. ومن هنا وجدناه يترجم لبعضهم بلقبه؛ من ذلك مثلًا أنه ترجم للقطامي الشاعر المشهور في حرف القاف (^٢)، وترجم للمُحَدِّثة المشهورة ست الكتبة نعمة بنت علي بن الطراح في حرف السين (^٣). ثم قال في حرف النون من وفيات السنة نفسها: "نعمة بنت الطراح هي ست الكتبة - مَرَّ ذكرها" (^٤)، وترجم ليحيى بن زياد المعروف بالفراء النحوي المشهور بلقبه في حرف الفاء (^٥)، وترجم لمحمد بن المستنير المعروف بقطرب في حرف القاف (^٦)، وترجم لبهاء الدولة البويهي في حرف الباء (^٧) ونحو ذلك (^٨).
أما المعروفون بكُناهم فقد عُني الذهبي بإفرادهم في آخر الطبقات حينما نظم أولًا على الطبقات، وفي السنين حينما نظم بعد ذلك على السنين. ولا ريب أنَّ اشتهارَ عددٍ كبير من المترجمين بكناهم هو الذي دفعه إلى إفرادهم بالترتيب في آخر الطبقات أولًا وفي آخر السنوات بعد ذلك ليسهل الكشفُ
_________________
(١) انظر أعلاه كلامنا على الخطة العامة للكتاب.
(٢) ٣/ ١٤٣ (من طبعتنا).
(٣) الورقة ٢٤ (أيا صوفيا ٣٠١١) وفيات سنة ٦٠٤ هـ.
(٤) الورقة ٢٧ من النسخة نفسها.
(٥) الورقة ٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٦) الورقة ٤٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٧) الورقة ٢٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٨) انظر الورقة ١٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
[ المقدمة / ٩٥ ]
عنهم، وآيةُ ذلك أنَّ عددًا كبيرًا من المترجَمين لم يعرفوا أصلًا إلا بكناهم، فكانت كناهم هي أسماؤهم، وهذا معروف عند المعنيين بالرجال، فضلًا عن اشتهارِ عددٍ كبير منهم بالرغم من وجود أسماء لهم سواء عرفها الذهبي (^١)، أم اختلف فيها المؤرخون (^٢)، أم لم يعرفها نحو قوله في آخر وفيات سنة ٦٠٩ هـ: "أبو منصور بن الصوفي الكلابي الدمشقي لم أظفر باسمه، قال المنذري: … " (^٣).
ومن أجل تسهيلِ الكشفِ على التراجم والتخلص من الأوهام التي قد تقع من جراء ترجمة شخصٍ ما بكنيته أو لقبه أو نسبته ونحو ذلك كان الذهبيُّ يعملُ إحالاتٍ للتراجم، فإذا ما ترجم لأحدهم بلقب اشتهر به عمل إحالةً باسمه نحو قوله: "أحمد بن فنا خسرو بن مؤيد السلطان بهاء الدولة أبو نصر ابن السلطان عضد الدولة - مذكور بلقبه" (^٤)، وإذا ترجم لأحدهم بكنية اشتهر بها عمل إحالة باسمه نحو قوله مثلًا: "الجلخ بن عيسى بن محمد، أبو بكر - يأتي بكنيته" (^٥). وعلى العكس من ذلك فإنه إذا ترجم لأحدهم باسمه وكان يعرف بلقب أو كنية، رتبه في لقبه أو كنيته على شكلِ إحالةٍ وترجم له باسمه نحو قوله في وفيات سنة ٣٢٠ هـ: "أبو حامد بن الشرقي، هو أحمد بن محمد بن الحسن - تقدم" (^٦). وهكذا فإننا نجد الذهبيَّ قد سار على هذه الطريقةِ في جميع كتابه، فملأه بالإحالاتِ الكثيرة من الأسماء إلى الكنى والألقاب والأنساب، وبالعكس (^٧).
وقد عُني الذهبيُّ أيضًا بعملِ الإحالاتِ لأولئك الذين عُرِفُوا باسمين، فقد ترجم للمحدثة عائشة بنت عبد الجبار بن هبة الله ابن البندار، المدعوة فرحة
_________________
(١) انظر مثلًا ٢/ ٧٣٥ و١٠٢٣ و١٠٢٥ و١٠٣١.
(٢) انظر مثلًا ٢/ ٧٤٤ و٩٠٠.
(٣) الورقة ٧٤ (أيا صوفيا ٣٠١١) وقارن المنذري: التكملة، ٢/ الترجمة ١٢٧٣.
(٤) الورقة ٢٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٥) الورقة ٦٨ (أيا صوفيا ٣٠١١) ثم ترجم له بعد ذلك في الكنى، الورقة ٧٤ من النسخة نفسها.
(٦) ٧/ ٥١٧.
(٧) انظر مثلًا لا حصرًا: الورقة ٥٢، ٢٣٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٧)، الورقة ١٨٧، ١٩٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٥٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
[ المقدمة / ٩٦ ]
أيضًا، في وفيات سنة ٦٠١ هـ (^١)، ثم أعاد ذِكْرَهَا في حرف الفاء من وفيات السنة نفسها إحالةً، فقال: "فرحة بنت عبد الجبار بن هبة الله ابن البندار، أم الحياة، هي عائشة - مرت" (^٢). وترجم لأبي موسى النحوي المعروف بالحامض المتوفى سنة ٣٠٥ هـ باسم "سليمان بن محمد" (^٣)، ثم ذكره في حرف الميم من وفيات السنة إحالة، فقال: "محمد بن سليمان، أبو موسى الحامض البغدادي النحوي أحد أئمة اللسان وتلميذ ثعلب، وقيل: سليمان بن محمد كما مر آنفًا" (^٤)، وقال في وفيات سنة ٣١٧ هـ: "أحمد بن محمد بن إسحاق بن أبي خميصة، أبو عبد الله المكي نزيل بغداد، هو حرمي بن أبي العلاء … سيأتي في الحاء" (^٥) ثم ترجم له باسم حرمي ترجمة مفصلة (^٦)، ونحو ذلك من الأمثلة.
إن اعتماد اللقب أو الكنية أو نحوهما في التنظيم جعل الذهبيَّ في بعض الأحيان يتوهم فيسبقه قلمه ويترجم الشخص مرتين كما في ترجمة الفراء حيث ترجم له في لقبه أولًا (^٧)، ثم أعاد ترجمته في حرف الياء باسم "يحيى بن زياد" (^٨). ولا ريب أن سعةَ الكتاب وكثرةَ التراجم وتشابه الأسماء وتعدد الموارد وتنوعها يُولِّدُ كثيرًا من المشاكَلِ التنظيمية الداخلية، فيصبح الوقوع في الوهم أمرًا محتملًا مهما بلغت مرتبة المؤلف في الحفظ والتتبع والعلم بهذا الفن.
وتنظيمُ الذهبيِّ التراجمَ حسب السنين جعله يدقق في تواريخ الوفيات ويُرجِّح إحداها على الأخرى عندما يختلف المؤرخون في ضبطها، ولابد أن يفعل ذلك، وإلا صَعُبَ عليه التنظيمُ وأشكل، أما تلك التراجم التي لم يستطع أنْ يقطعَ فيها برأيٍ نهائي فقد ذكرها منفصلة في وفيات السنة التي رجّحها
_________________
(١) الورقة ٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) الورقة ٧ من النسخة السابقة.
(٣) ٧/ ٨٨ (من طبعتنا).
(٤) ٧/ ٩٥.
(٥) ٧/ ٣١٧.
(٦) ٧/ ٣٢٠ - ٣٢١.
(٧) الورقة ٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٨) الورقة ٧٩ من النسخة السابقة.
[ المقدمة / ٩٧ ]
ضمنيًا وقطعيًا وعمل لها إحالةً في وفيات السنة الأخرى تنبيهًا للقارئ، ومن أمثلة ذلك ترجمة السلطان عز الدين سنجر شاه بن غازي الأتابكي صاحب جزيرة ابن عمر، فقد ذكره أولًا في وفيات سنة ٦٠٤ هـ مختصرًا مقتصرًا على اسمه، وقال: "توفي في هذا العام على قول" (^١) ثم ذكر ترجمته المفصلة في وفيات سنة ٦٠٥ هـ (^٢)، وقد جاء مثل هذا الاختلاف في هذا الرجل وغيره، على ما نعتقد، بسبب الموارد الأصلية التي اعتمدها الذهبي، ففي ترجمة سنجر شاه هذا اعتمد الذهبيُّ روايةَ زكي الدين المنذري حيث ذكره في وفيات سنة ٦٠٤ هـ من التكملة (^٣)، بينما اعتمد في الرواية الثانية وهي المرجحة عنده، على أبي شامة (^٤). ومثل هذا قوله في وفيات سنة ٦١٠ هـ "عيسى الجزولي النحوي، ذكر هنا وفاته ابن خلكان. وقدم في سنة سبع" (^٥).
ولم يكن أمام الذهبي غير الاعتماد على الموارد أسلوبًا وطريقًا في تثبيت الوفيات ومن ثم عرضها في السنة المخصصة لها، فكان يرجح ما يراه راجحًا ويترجم له في السنة المرجحة ثم يعملُ إحالةً في السنة الأخرى (^٦)، إلا أنه اضطر في حالات قليلة جدًّا، إلى إعادةِ الترجمةِ بسب عدم إيجاده سببًا للترجيح كما هو في ترجمة أبي بكر يحيى بن هذيل الأديب الأندلسي أحد الفقهاء المالكية، فقد ترجم له أولًا في وفيات سنة ٣٧١ هـ نقلًا عن القاضي عياض (^٧) ثم أعاد ترجمته مع الإشارة إلى الترجمة السابقة في وفيات سنة ٣٨٩ هـ نقلًا عن ابن الفرضي وحَدَّدَ وفاته في الثالث عشر من ذي القعدة من
_________________
(١) الورقة ٢٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) الورقة ٢٥ من النسخة نفسها.
(٣) المنذري: التكملة ٢/ الترجمة ١٠٤٥ وانظر تعليقنا عليها.
(٤) ذيل الروضتين، ص ٦٧. وهي الرواية التي اعتمدها المؤرخون الذين جاؤوا فيما بعد مثل أبي الفداء في المختصر (ج ٣ ص ١١٧) والصفدي في الوافي (١٥/ ٤٧٢) والعيني في عقد الجمان (ج ١٧ الورقة ٣١٦ - ٣١٧ مصورة القاهرة رقم ١٥٨٤ تاريخ) وغيرهم.
(٥) الورقة ٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٦) انظر مثلًا: الورقة ٢٦، ٥١، ٨٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) والورقة ١٣١، ١٣٤، ١٦٦، ١٧٢، ١٨٧، ١٩٤، ١٩٨، ٢٢) (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٦، ١٢، ٢٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٧) الورقة ١١٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
[ المقدمة / ٩٨ ]
السنة (^١)، بل قد يبلغ التغاير حتى في محتويات الترجمة نفسها بالرغم من وجودِ إشارةٍ إلى الترجمة السابقة، كما في ترجمة ابن الطبري القاضي الحنفي حيث ذكره أولًا في وفيات سنة ٣٧٣ هـ ناقلًا عن الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ وقد ذكر الحاكم أنه كان ببخارى حينما كان ابن الطبري يملي بها (^٢)، ثم أعاده ثانية في وفيات سنة ٣٧٧ هـ ناقلًا عن أبي سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي المتوفى سنة ٤٠٥ هـ أيضًا والذي ذكر أن ابنَ الطبريِّ كان يتولى قضاء القضاة بخراسان (^٣) ولم يكن الحاكم قد ذكر له مثل هذه الوظيفة الخطيرة.
وفي مثل هذه التراجم يصعبُ ترجيحُ إحدى الروايتين، فإنه اعتمد مؤرخين عظيمين أكثرَ النقلَ عنهما، ومن ثم فهما متعاصران عُرِفَا بالدقة والضبط وكلاهما أَلَّفَ عن المشرقِ وأَرّخ لرجاله الأُول في كتابه العظيم "تاريخ نيسابور" الذي اختصره الذهبي (^٤)، والثاني في "تاريخ سمرقند" (^٥) و"تاريخ إستراباذ" (^٦).
إنَّ مثل هذا الاعتماد على بعض ثقاتِ المؤرخين جعله في بعض الأحيان يذهل فيترجمُ الشخصَ مرتين من غير أنْ يشعر كما فعل في ترجمة الفقيه أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن علي اليمني الشافعي المعروف بابن أبي الصيف حيث ترجم له أولًا في وفيات سنة ٦٠٩ هـ (^٧) ثم أعاد ترجمته من غير أن يشعر في وفيات سنة ٦١٩ هـ (^٨) متابعًا في ذلك زكي الدين المنذري الذي كان قد ترجمه مرتين من غير أن يشعر أيضًا (^٩).
_________________
(١) في وريقة طيارة وضعت بين الورقتين ٢٠٧ - ٢٠٨ من النسخة السابقة.
(٢) الورقة ١٢١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٣) الورقة ١٣٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٤) انظر كلامنا على "المختصرات" من آثار الذهبي في كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٣٣، وراجع الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٥٠ - ٥٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٥) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٤٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). السخاوي: الإعلان، ص ٦٣٣.
(٦) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٤٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) والسخاوي: الإعلان، ص ٦١٥.
(٧) الورقة ٧٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٨) الورقة ١٩٨ من النسخة السابقة.
(٩) ترجم له المنذري أولًا في وفيات سنة ٦٠٩ هـ من التكملة (٢/ الترجمة ١٢٧٥) ثم أعاده في وفيات سنة ٦١٩ هـ منها (٣/ الترجمة ١٩٠٧) وتابع ابن الملقن شمس الدين الذهبي =
[ المقدمة / ٩٩ ]
ونتيجة لكل هذا فقد كان من الطبيعي أن يظل الذهبي يبحث ويدقق في تواريخ الوفيات في أثناء تأليف الكتاب وبعد الانتهاء منه، فإذا ما وجد وَهَمًا في ذكر تاريخ وفاة أو تقديرًا لم يُقارب الحقيقةَ أو وقف على موردٍ أثبت وأكثر دقة، اعتنى بهذا الأمر ونَبَّه عليه وترجمَ له في موضعه الصحيح بوريقة طيارة أو على هامش النسخة وأشار في الموضع الأول إلى مثل هذا الأمر وطلب من الناسخِ تحويلَ مثل هذه التراجم إلى مواضعها الصحيحة بكلمة "يُحَوّل" نحو قوله في وفيات سنة ٣٩٦ هـ: "أحمد بن عبيد بن بيري الواسطي. ترجمته في بضع وأربع مئة. قال لنا الخلال: أخبرنا السلفي، قال: سألت خميسًا الحوزي عن ابن بيري، فقال: هو أبو بكر أحمد بن عبيد … قال خميس: قال لي أبو المعالي … ولدت في السنة التي مات فيها أبو بكر بن بيري سنة ست وتسعين" (^١). وكان الذهبيُّ مثلًا قد ذكر في وفيات سنة ٤٤٢ هـ عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الذكواني الأصبهاني المعدل وقال: "وحدث في هذا العام ولا أعلم متى توفي" ثم وجد وفاته وأنها كانت سنة ٤٤٣ هـ، نقلًا من كتاب "الوفيات" ليحيى بن مندة المتوفى سنة ٤٧٠ هـ، فذكر هذه المعلومات في آخر الترجمة بقَطة قلم تختلفُ عن الأصلِ ثم كتبَ فوق الترجمة بالقطة نفسها "يُؤَخَّرُ إلى سنة ثلاث" (^٢)، وفي موضعه من سنة ثلاث ذكر اسمه واسم أبيه فقط وقال: "يكتب من السنة الماضية، قال يحيى بن مندة: مات في ربيع الآخر" (^٣). ومثل هذا تعليقه على ترجمة بشر بن محمد بن ياسين الباهلي المذكور في وفيات سنة ٣٧٣ هـ بقوله: "يؤخر إلى سنة ثمان" (^٤). والشواهد في كتاب الذهبي كثيرة على مثل هذا الاستدراك والتصحيح وطلب
_________________
(١) = في غلطه فترجم له في وفيات سنة ٦١٩ هـ (العقد المذهب، الورقة ١٧٢) مع أن الصحيح في وفاته سنة ٦٠٩ هـ. وانظر: الفاسي: العقد الثمين ١/ ٤١٥ - ٤١٦ والعيني: عقد الجمان ج ١٧ الورقة ٢٤٠ (مصورة دار الكتب ١٥٨٤ تاريخ) وابن الأثير: الكامل ج ١٢ ص ١٢٤ وغيرهم.
(٢) وضع الذهبي هذه الترجمة بوريقة طيارة عند الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٣) الورقة ٤٠٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٤) الورقة ٤٠٨ من النسخة السابقة وانظر عن ابن مندة وكتابه بحثنا: كتب الوفيات، ص ٢٤٧.
(٥) الورقة ١٢٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
[ المقدمة / ١٠٠ ]
التحويل (^١).
إنَّ عنايةَ الذهبيِّ بتنظيم التراجم حسب حروف المعجم وعمل الإحالات الكثيرة للأسماء، والكُنى والألقاب والأنساب المشهورة، وللوفيات المُخْتَلَفِ فيها ضمن السنةِ الواحدة وفي السنوات المختلف فيها، يسهِّلُ على القارئ كثيرًا من العناء في البحث ويُجَنِّبُه الوقوعَ في متاهات التوهم والزلل، ويرفع عنه كثيرًا من الإرباك الذي يسببه الاختلافُ في الأسماء والكنى والألقاب والوفيات ونحوها.
وكان جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي البغدادي "ت ٥٩٧ هـ" أول من فصل الحوادث عن الوفيات فصلًا كاملًا في كتابه "المنتظم" ورتب التراجم ضمن السنة الواحدة على حروف المعجم، وذكر المشهورين بكناهم في آخر وفيات السنة (^٢)، فلعلَّ الذهبيَّ أخذَ هذه الطريقة عنه. على أن الذهبيَّ كان دقيقًا في تنظيمه المعجمي سواء أكان ذلك في أسماء المترجمين أم أسماء
_________________
(١) انظر مثلًا الورقة ٦٤، ٨٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) والورقة ٨٧، ٩٧، ١٩٧، (أيا صوفيا ٣٠٠٨) والورقة ٢٤١، ٤١١ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) ومن الجدير بالذكر أن النساخ في الأغلب الأعَمِّ أبقوا هذه التراجم في أماكنها مع نقلهم أقوال المؤلف بطلب التحويل وعلى ذلك فقد أصبح من الواجب أن يعيد المحقق النظر في الكتاب ويلبي رغبات المؤلف، قارن مثلًا: أيا صوفيا ٣٠٠٨ … أحمد الثالث ٢٩١٧/ ١٠ الورقة ٢٣٤ … بالورقة ٢١٩ والورقة ٢٤٠ … بالورقة ٢٢٥ أما صاحب النسخة الحلبية رقم ١٢٢٠ المختصة بالحوادث فقد لبى طلبات المؤلف فحول كثيرًا من الأخبار إلى مواضعها الأصلية نحو قوله في حوادث سنة ٣٣٢ هـ: "هذه تتمةُ أخبار أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطي ذكرها المصنف في غير موضعها وأمر أنْ تُلحقَ هنا فألحقتها حسب مرسومه" (الورقة ٥٥) ولكنه كان منزعجا من طريقة المؤلف هذه، فقال في آخر ما نقله: "انتهى ما ألحقه المؤلف بخطه من أخبار أبي طاهر القرمطي في غير موضعه فألحقته هنا، ولا قوة إلا بالله؟ ففي كتابة مثل هذا مضض ونسأل الله العفو والسلامة" (الورقة ٥٨). قال بشار: ولكن كثرة الإحالات وطلبات المؤلف في التراجم وصعوبة معرفة ما سيأتي تجعل ذلك في غاية الصعوبة لاسيما على النساخ من غير العلماء المتخصصين.
(٢) ابن الجوزي: المنتظم، مثلاج ٧ ص ٢٣، ١٠٣، ٢٣٦، ٢٤٨، ج ٩ ص ٥، ٤٣، ١٣٣، ج ١٠ ص ٢١٩،١٤.
[ المقدمة / ١٠١ ]
آبائهم، ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا في تقديمه مَن اسمُه أحمد في حرف الألف (^١)، في حين لم يلتزم ابن الجوزيِّ بهذا الترتيب التزامًا كاملًا، فإذا أرجعنا تقديمَ ابن الجوزيِّ لمن اسمه عمر على من اسمه عثمان، وذكره لمن اسمه علي بعد مَن اسمه عثمان مباشرة إلى احترامِه للخلفاءِ الراشدين (^٢)، فإننا لا نستطيعُ تفسيرَ تقديمِ مَن اسمُه عليّ على مَن اسمُه العباس (^٣)، وذكر من اسمه عبيد الله بعد من اسمه عبد الله ثم ذكر العبادلة الآخرين (^٤) - مثلًا - إلا بعدم التزامه الكامل بالترتيب المعجمي. ومع أن ابنَ الجوزيِّ قد ألزم نفسه بترتيب الآباء في الأسماء المَتشابهة على حروف المعجم كما يبدو فإنه لم يضبط ذلك (^٥)، علمًا أنه أهملَ ترتيبَ الأسماء بعد الآباء إهمالًا تامًّا. ولعل عدم عناية ابن الجوزي بضبط الترتيب يعودُ إلى قلة عدد المترجَمين في السنة الواحدة حيث لا يزيدُ معدل ما يذكر في السنة الواحدة عن عشر تراجم في حين يبلغ معدل ما يذكره الذهبي قرابة الستين ترجمة.
ولعلَّ من المشاكلِ الرئيسة التي جابهت مؤلفي كتب التراجم في التنظيم الداخلي لكتبهم، ومنهم الذهبي، هو التشابهُ بين أسماء المترجَمين لا سيما إذا كانوا متعاصرين، ولذلك سعى الذهبي دائمًا إلى التنبيه على مثل هذا التشابه خوف الخلط بينهم نحو قوله في آخر ترجمة علي بن زياد التونسي من أهل
_________________
(١) اعتاد كثير من مؤلفي كتب التراجم المرتبة على حروف المعجم ملاحظة بعض الاعتبارات في الترتيب، منها مثلًا تقديم من اسمه محمد على جميع الكتاب، أو حرف الميم منه تيمنًا وتبركًا واحترامًا للنبي ﷺ وتقديم عمر على عثمان وذكر علي بعد عثمان مباشرة في حرف العين احترامًا وتقديرًا للخلفاء الراشدين ﵃، وهي من العادات المعروفة عندهم منذ القديم حيث قدم البخاري "المحمدين" في كتابه "التاريخ الكبير". وممن اتبع هذه الطريقة ابن الدبيثي في تاريخه والصفدي في الوافي (انظر بحثنا: أصالة الفكر التاريخي ص ٢٩ ومقدمتنا لتاريخ بغداد لابن الدبيثي ص ٣٤). ولا نعتقد أن تقديم الذهبي "الأحمدين" من هذا النمط، فهي عادة متبعة عند معظم واضعي التراجم على حروف المعجم.
(٢) ابن الجوزي: المنتظم، مثلًا ج ٧ ص ٤٠، ٤٤ - ٤٥، ١٣٠، ٢١١ … إلخ.
(٣) المصدر السابق، مثلًا ج ٧ ص ٧٢ - ٧٣.
(٤) المصدر السابق، مثلًا ج ٧ ص ١٢٨، ١٣٩، ١٤٣، ١٥٤، ١٩٣، ٢٠٧، ٢٤١ .. إلخ.
(٥) أمثلة ذلك كثيرة؛ فانظر عن مثل هذه الاختلافات في المنتظم، مثلًا: ج ٧ ص ١٥٠، ج ٨ ص ٤٦، ج ٩ ص ٥٤، ٥٥، ٦٠، ٧٨، ١٠١ - ١٠٢، ١١٨، ١١٩، ١٢٩، ١٧٩، ١٨٢ وغيرها.
[ المقدمة / ١٠٢ ]
الطبقة التاسعة عشرة: "وسنذكر في الطبقة الآتية إنْ شاء الله علي بن زياد الإسكندري" (^١)، وقوله في وفيات سنة ٣٧٤ هـ "محمد بن أحمد بن بالوية، أبو علي النيسابوري العدل. سمع عبد الله بن شيروية بنيسابور، وأبا القاسم البغوي وطبقته ببغداد. أما محمد بن أحمد بن بالوية النيسابوري الذي يروي عنه الكديمي فقديمٌ توفي سنة أربعين وثلاث مئة" (^٢)، وقوله في وفيات سنة ٤٢٠ هـ: "علي بن محمد بن علي بن حميد، أبو الحسن. وقيل: أبو محمد الإسفراييني المقرئ المجود. أكثر عنه البيهقي … ومثله في الاسم والبلد علي بن محمد بن علي أبو الحسن بن السقاء الإسفراييني من شيوخ البيهقي أيضًا، يروي عن … وقد روى البيهقي عنهما معًا حديثًا، قالا: حدثنا الحسن بن محمد. ولكن ابن السقاء أقدم سماعًا ووفاة، روى .. توفي المقرئ في ذي الحجة سنة عشرين، وتوفي ابن السقاء سنة أربع عشرة" (^٣). ونحو ذلك كثير في كتابه (^٤).
وقد يضطره اتفاقُ بعض المترجَمين في الأسماء ونحوها إلى أنْ يترجم للشخص المتفق بعد المترجم الذي خاف أنْ يشتبه به مباشرةً، مع أن ذلك ليس موضعه كما في ترجمة عدي بن زيد العاملي الشاعر المعروف بابن الرقاع (^٥)؛ حيث أورد بعده ترجمة عدي بن زيد ابن الحمار، وقال: "ذكرتُه هنا تمييزًا له من ابن الرقاع العاملي" (^٦).
ومثل هذا الذي ذكرناه قد أدى دائمًا إلى وقوع العلماء في الخلط بين اسمين واعتبارهما شخصًا واحدًا، أو جعل الشخص الواحد اثنين، فكان لابد للذهبي من العناية بهذا الأمر وهو يترجمُ لآلافِ الناس، وينقل عن مئات المصادر المتنوعة التي لابد أنْ تختلفَ في بعض الأسماء أو نحوها. وما كان
_________________
(١) الورقة ١١٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) وقد ذكر الذهبي سميه في الورقة ٢٤٣ من النسخة نفسها.
(٢) الورقة ١٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٣) الورقة ٢٠٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وانظر ترجمة ابن السقاء في الورقة ١٥٣ من النسخة نفسها.
(٤) انظر مثلًا الورقة ١٤٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) والورقة ٢٠٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٧) والورقة ١٩٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) والورقة ١٠٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٥) ٣/ ٩٩.
(٦) ٣/ ٩٩. وانظر أيضًا الورقة ١٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
[ المقدمة / ١٠٣ ]
هذا بالأمر الميسور، فهو يحتاج إلى معرفةٍ تامةٍ بالتراجم وصلات بعضهم ببعض وقوة ملاحظة وحفظ. وقد حاول الذهبيُّ جاهدًا ألا يقع في مثل هذا الغلط فاتبع طريقة التنبيه هذه وبَيَّنَ أوهامَ بعض الموارد التي ينقلُ عنها، يساعده في ذلك سَعَةُ اطلاعِه ومعرفته التامة ودقته وتمحيصه للموارد، ولعل المثال الآتي، وهو واحد من أمثلةٍ عديدة في كتابه، يُوضحُ مدى عناية الذهبي بهذا الأمر قال في وفيات سنة ٣٠١ هـ: "محمد بن حبان بن الأزهر العبدي، أبو بكر القطان البصري. حَدَّثَ ببغداد عن أبي عاصم النبيل وعمرو بن مرزوق، وعنه أبو طاهر الذهلي وابن عدي وأبو بكر الجعابي والإسماعيلي وعمر بن محمد بن سبنك (^١). ضعَّفَهُ الحافظُ محمد بن علي الصوري وكان قد نزل ببغداد، قال ابن سبنك: أول ما كتبت سنة ثلاث مئة عن ابن حبان ومات سنة إحدى. قلت: ومن طبقته:
محمد بن حُبان - بالضم أيضًا - بن بكر بن عمرو الباهلي البصري، نزل بغداد في المخرِّم، وحَدَّثَ عن أمية بن بسطام وكامل بن طلحة ومحمد بن منهال روى عنه الطبراني وأبو علي النيسابوري. وهو الأول (^٢) بناء على أن "الأزهر" لقب "بكر" أو هو جد أعلى أو وقع وهم في نسبه. وقد وهم عبد الغني المصري الحافظ وقيده بالفتح (^٣) وقال: حدثنا عنه الذهلي، قال: وبضم الحاء محمد بن حُبان حدث عنه أبو قتيبة سلم بن الفضل. قال الصوري: وهما واحد وهو بالضم. قلت (^٤): ليس عند الطبراني عنه سوى حديث واحد عن كامل بن طلحة أورده عنه في معجميه الأصغر والأوسط، وهو ضعيف، وقال ابن مندة الحافظ: ليس بذاك. وأما ابن ماكولا فقال: محمد بن حَبان بن الأزهر الباهلي - بالفتح - عن أبي عاصم وعنه أحمد بن
_________________
(١) قيده الذهبي في المشتبه فراجعه هناك (ص ٣٥٢).
(٢) يبدو أن الذهبي استدرك على نفسه فيما بعد واعتبرهما واحدًا. ولما كان هذا القسم من "تاريخ الإسلام" لم يصل إلينا بخط المؤلف فمن الصعب أن نجزم بذلك وإن كنا نرجحه لقوله أولًا "قلت: ومن طبقته … إلخ".
(٣) انظر تفاصيل أوسع في توضيح المشتبه لابن ناصر الدين ٢/ ١٦٤ - ١٦٨.
(٤) الكلام للذهبي.
[ المقدمة / ١٠٤ ]
عبيد الله النهرديريِ (^١) ومحمد بن حبان، أبو بكر، عن أبي عاصم ذكره عبد الغني وهو متقنٌ لا يَخْفى عليه أمرُ شيخِ شيخِه، وكان القاضي أبو طاهر الذهلي من المتثبتين لا يخفى عليه أمرُ شيوخه. وقال الصوري: إنما هو واحد. قال ابن ماكولا: ولم يأت بشيء فإنهما اثنان، والنسبة تفرق بينهما والله أعلم، وجَدُّ أحدهما الأزهر وجَدُّ الآخر بكر (^٢)، قال: فإن كان شيخنا الصوري قد أتقنه بالضم فقد غلط في تصوره أنهما واحد وهما اثنان كل منهما: محمد بن حبان، وإنْ لم يكن أتقنه (^٣) فالأول بالفتح وهذا بالضم. قلت (^٤): لم يقل الصوري هما واحد إلا باعتبار الاثنين المسمين. أما باعتبار الرجل الآخر الذي ذكره الدارقطني فيكونون ثلاثة؛ فإن الدارقطني قال: محمد بن حبان بن بكر بن عمرو البصري نزل بغداد في المخرِّم وحدث عن أمية بن بسطام ومحمد بن منهال وغيرهما" (^٥).