كان الذهبيُّ يتحسَّرُ على الرحلة إلى البلدانِ الأخرى لما لذلك من أهميةٍ بالغةٍ في تحصيل عُلُوِّ الإسناد وقدم السماع ولقاء الحُفَّاظِ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم (^٦). إلا أن والده لم يشجعه على الرحلة، بل منعه في بعض الأحيان، قال في ترجمة أبي الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن محمد بن وريدة البغدادي الحنبلي شيخ المستنصرية "٥٩٩ - ٦٩٧ هـ" (^٧): "وقد هَمَمْتُ بالرحلةِ إليه ثم تركته لمكان الوالد" (^٨)، وقال في ترجمته من معرفة القراء الكبار: "وانفرد عن أقرانه، وكنتُ أتحسر على الرحلةِ إليه، وما أتجسَّرُ خوفًا من الوالد فإنه كان يمنعني" (^٩)، وقال في ترجمة المكين الأسمر المقرئ الإسكندراني المتوفى سنة ٦٩٢ هـ: "ولما مات شيخُنَا الفاضلي، فازددتُ تلهفًا
_________________
(١) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٧٧.
(٢) المصدر نفسه، م ١ الورقة ٧٢.
(٣) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٥٥.
(٤) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٦٧.
(٥) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٧٦.
(٦) راجع عن أهمية الرحلة: الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، "باب الرحلة في الحديث إلى البلاد النائية للقاء الحفاظ وتحصيل الأسانيد العالية" الورقة ١٦٨ - ١٦٩ (نسخة مكتبة البلدية بالإسكندرية ٣٧١١ ج ١)، وقد طبع الكتاب.
(٧) الدكتور ناجي معروف: تاريخ علماء المستنصرية، ج ١ ص ٣٤٢ - ٣٤٥.
(٨) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧٤.
(٩) الذهبي: معرفة القراء، ج ٢ ص ٦٩٥ وقال في تاريخ الإسلام: "وكنت في سنة أربع وتسعين وسنة خمس أتلهف على لقيه وأتحسر وما يمكنني الرحلة إليه لمكان الوالد ثم الوالدة" الورقة ٢٦٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
[ المقدمة / ٢٨ ]
وتحسرًا على لُقِّيِّهِ، ولم يكن الوالدُ يمكنني من السفر" (^١). ولم يكن الذهبي ابنًا عاقًّا يخالفُ إرادةَ والده لاسيما أن آدابَ طَلَب العلم تقتضي استئذانَ الأبوين في الرحلة (^٢)، ووجوب طاعتهما وبرِّهما، وَترك الرحلة مع كراهتهما ذلك وسخطهما (^٣). ويبدو لنا أن الذهبيَّ كان وحيدَ أبيه، أو كان هو البارز بين أبنائه في الأقل (^٤)، بحيث كان يخافُ عليه هذا الخوفَ كله.
ويظهر أنَّ والده قد سمح له بالرحلة حينما بلغ العشرينَ من عمره، وذلك سنة ٦٩٣ هـ (^٥). على أنه سمحَ له برحلاتٍ قصيرة لا يقيم في كل منها أكثر من أربعةِ أشهر (^٦) في الأغلب، ويرافقه فيها بعض مَنْ يعتمد عليهم (^٧).