قد عرفنا من سيرة الذهبي ومكانته العلمية أنه قد حصل طرفًا صالحًا من العربية في نَحْوِهَا وصَرْفها وآدابها، كما أنه عُني عنايةً كبيرة في مطلع حياته بالقراءات التي تقومُ في أساسها على عِلْمٍ تام بالعربية، وقد تعاطى الشعرَ فنظمه وأورد منٍ شعرِ غيرِه جملةً كبيرة في كتابه "تاريخ الإسلامِ"، ولذلك أصبحت لغته قوية جدًّا يصعبُ أنْ نجدَ في كتابه لحنًا أو غلطًا لغويًا أو استعمالًا عاميًا، فإذا كان النادر من ذلك فإنه من سهو القلم والذهول.
وقد نجد في بعض كتاباته ما يغلط فيه الخواص، وليس ذاك بشيء" فأهلُ العربية مستطيعون دائمًا إيجادَ أوهامٍ حتى لخواص العلماء (^٢). فمن ذلك مثلًا قوله "توفي في ثالث عشرين صفر"، أو "مولده في خامس عشرين محرم" ونحوهما هكذا بإثبات النون. وهذا لم يرض به بعضُ أهلِ العربية ومنهم أستاذنا الدكتور مصطفى جواد يرحمه الله، حيت ارتأى أنْ تُحذفَ النونُ، وقد غيرها في جميع كتبه التي نشرها فصارت عندئذ "ثالث عشري" و"خامس عشري" ونحو ذلك (^٣)، مع أننا نجد هذا الاستعمالَ في كتابات كَثْرةٍ من
_________________
(١) نسختي المصورة عن نسخة دار التحف البريطانية الفريدة وهي في ٨٢ ورقة ومن ضمنها بعض الذيول الأخرى. وقد نشره الدكتور عبد الله بن أحمد بن سليمان الحمد بالرياض في مجلدين سنة ١٤١٠ هـ.
(٢) انظر كتاب أبي القاسم الحريري: درة الغواص في أوهام الخواص.
(٣) انظر مثلًا تكملة إكمال الإكمال لابن الصابوني ص ٧٥ - ٧٧، والذهبي: المختصر المحتاج إليه، ج ٢ ص ٢٥٢، ٢٩٢، ٣٠٢، وابن الساعي: الجامع المختصر ج ٩ ص ١، ٤٦، ١١٨، ١٤٣، ١٤٥.
[ المقدمة / ١٠٨ ]
المؤرخين الذين عرفوا بقوة عربيتهم مثل جمال الدين ابن الدبيثي وجمال الدين بن القفطي في كتابه "إنباه الرواة" وغيرهما. فضلًا عن أن بعضَ أهل العربية يرى أن هذا الاستعمال قد يكون تقديرًا منهم يريدون "ثالث عشرين من شهر صفر" ونحوه (^١).
ومن ذلك قوله في ترجمة الظاهر بيبرس البندقداري المتوفى سنة ٦٧٦ هـ: "فإن له أيامًا بيضاء في الإسلام" (^٢)، والأصح أن يقول "أيامًا بِيضًا" كما هو معروف عند أهل العربية لأن "أيام" جمع فكان لابد أنْ يلحقَ الصفةَ وهي مجموعة أيضًا. ومثل هذه المسائل بمجموعها لا تخرج الذهبيَّ عن صحة اللغة والمعرفة التامة بها، وهي ليست من الإهمام بحيث يقال فيها أخطأ فلانٌ وأصاب فلان.
ولقد اعتنى الذهبيُّ عنايةً بالغة بضبط الأسماء والأنساب ونحوها تقييدًا بالحروف تارة، وضبطًا بالقلم تارة أخرى، وكان معنيًا أشَدَّ العنايةِ حتى بضبط التلفظ بالأسماء، فلما أشكل عليه التلفظُ ببعض أسماء أهل الأندلس كتب إلى شيخه العلامة أثير الدين أبي حيان الغرناطي "ت ٧٤٥ هـ" (^٣)، يسأله عن ذلك، قال الصفدي في ترجمة أبي حيان: "وله اليدُ الطولى في … وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم خصوصًا المغاربة وتقييد أسمائهم على ما يتلفظون به من إمالة وترخيم وترقيق وتفخيم لأنهم مجاورو بلاد الفرنج وأسماؤهم قريبة (من لغاتهم) (^٤) وألقابهم كذلك، كل ذلك قد جَوَّدَهُ وقَيَّده وحَرَّره، والشيخ شمس الدين الذهبي له سؤالات سأله عنها فيما يتعلق بالمغاربة وأجابه عنها" (^٥). وقد كتب أثير الدين إلى الذهبي كتابًا من أجل ذلك سماه: "قطر الحبي في جواب أسئلة الذهبي" ذكره أبو حيان في إجازته لصلاح الدين الصفدي، (^٦) ونقل منه ابن حجر في ترجمة أبي الحجاج
_________________
(١) انظر مقدمتنا لكتاب "ذيل تاريخ مدينة السلام" لابن الدبيثي ص ٦٢ - ٦٣.
(٢) الورقة ٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٣) انظر عن أبي حيان كتاب الدكتورة خديجة الحديثي: "أبو حيان النحوي" بغداد ١٩٦٦.
(٤) ما بين العضادتين إضافة من نفح الطيب للمقري ج ٣ ص ٢٩٥.
(٥) الصفدي: الوافي ج ٥ ص ٢٦٧ - ٢٨٦، والمقري: نفح الطيب ج ٣ ص ٢٩٥.
(٦) الصفدي: الوافي ص ٥ ص ٢٨١.
[ المقدمة / ١٠٩ ]
المزي (^١).
إنَّ عنايةَ الذهبيِّ بدراسة عددٍ ضخم من المؤلفات التاريخية والأدبية والحديثية واشتهاره بقوة الحافظة جعلته يطلع على أساليب عددٍ كبير من الكتاب والمؤلفين على مدى عصور طويلة تنوعت أساليب الكتابة فيها، فأكسبه كُلُّ ذلك خبرةً أدبية قوية.
وقد تميز أسلوبُ الذهبيِّ بالطراوة والحبك ولم يُعْنَ بالصفةِ البيانية وتزويق الألفاظ كغيره من معاصريه وتلامذته مثل ابن سيد الناس وتاج الدين السبكي والصلاح الصفدي وغيرهم. وهذا أمرٌ طبيعي فيما نرى لأنَّ للكلمة مكانتها عند الذهبي، وهو الناقدُ الذي يختارُ العبارةَ المناسبة للتعبير عما يريد بصورة دقيقة ويصف المترجَم بالعبارة التي تَزِنُه جرحًا أو تعديلًا، فهو أسلوبٌ علمي قبل كل شيء. ومن الواضح أنه لا يمكن عرضُ الحوادث بصفةٍ دقيقة وأوصاف المترجمين بشكل متقنٍ باتباع مثل تلك الأساليب، لأنَّ أسلوبَ الصنعةِ البلاغية يتجلى فيه دائمًا الابتعادُ عن الدقة.
وكان الذهبيُّ صاحبَ منهج تاريخي بدا في غايةِ الوضوح في التراجم، لذلك فإنه لم يخرج عن موضوع هو بصددِ بحثه، فلم نجدْ في كتابه استطرادًا لا في الحوادث ولا في الوفيات.
وقد عمد الذهبيُّ مثل غيره من المحدثين وعلماء الرجال إلى استعمال المختصرات (^٢) في أسلوبه الكتابي، وتشمل هذه المختصرات بعض الألفاظ وأسماء الكتب التي يتكرر ذكرها في كتاب ما، ويرمز إليها عادة بحرف واحد أو أكثر أو رقم، وقد ذكر الذهبي بعضها في مقدمة كتابه (^٣)، وإليك ما وقفنا عليه من المختصرات التي استعملها:
_________________
(١) المصدر السابق: ج ٥ ص ٢٣٤ وانظر خديجة الحديثي: أبو حيان النحوي ٢٦١ قلت: والحبي: السحابُ الذي بعضُه فوق بعض.
(٢) انظر عن المختصرات واستعمالاتها: الصفدي: الوافي، ج ١ ص ٤١ - ٤٢، ومقدمتنا لتاريخ ابن الدبيثي م ١ ص ٦٣، والعلموي: المعيد في أدب المفيد والمستفيد. المسألة العاشرة (ط. دمشق)، وروزنتال: مناهج العلماء المسلمين، ص ٩٦ - ١٠١ وغيرها.
(٣) ١/ ٧ - ٨ (من طبعتنا).
[ المقدمة / ١١٠ ]
ع = حديث المترجم في الكتب الستة (^١).
٤ = حديث المترجم في كتب السنن الأربعة.
خ = حديث المترجم في صحيح البخاري.
م = حديث المترجم في صحيح مسلم بن الحجاج.
د = حديث المترجم في سنن أبي داود.
ت = حديث المترجم في جامع الترمذي.
ن = حديث المترجم في سنن النسائي.
ق = حديث المترجم في سنن ابن ماجة القزويني (^٢).
لقد عُني الذهبيُّ بوضع هذه الرموز عند بداية الترجمة ليدلل على ذلك من غير أن يكتبه، ثم استعمل مثل هذه الرموز للدلالة على أصحابها أيضًا وليس لوجود حديث المترجم في كتبهم فقط نحو قوله: "قال خ" أي: قال البخاري، و"قال خ في تاريخه" ويريد: قال البخاري في تاريخه. و"ذكره م" ويريد: ذكره مسلم. وهلم جرًا.
أما إذا كان حديث المترجم في خمسة من الكتب الستة فقد وضع الذهبي كلمة "سوى" قبل رمز الذي لم يرد حديثه فيه نحو قوله: "سوى خ" ويريد: حديثه في الكتب الستة فيما عدا البخاري، و"سوى ت" ويريد: حديثه في الكتب الستة فيما عدا جامع الترمذي وهكذا.
أما في الأسانيد فقد استخدم المختصرات الشائعة عند المحدثين وهي:
ثنا: حدثنا.
أنا وأبنا: أخبرنا. وغالبًا ما تكون من غير نقط.
ح: وهو رمز "التحويل" وتستعمل إذا كان للحديثِ إسنادانِ أو أكثر لتفصلَ بينهما ولتدلَّ على تَحَوُّلِ القارئ من إسنادٍ إلى آخر.
_________________
(١) وهى صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن كل من أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
(٢) استعمل حرف "ق" مع أن شهرته بابن ماجة أكثر من شهرته بالقزويني، إلا أنهم خافوا استعمال الجيم من اختلاطها بالخاء وهو الحرف المستعمل للبخاري.
[ المقدمة / ١١١ ]