اتصل الذهبيُّ اتصالًا وثيقًا بثلاثةٍ من شيوخ ذلك العصر وهم: جمال الدين أبو الحجاج يُوسُف (^٧) بن عبد الرحمن المِزّي الشافعي "٦٥٤ - ٧٤٢ هـ"،
_________________
(١) منه نسخة بدار الكتب المصرية، رقم ٢٥٥٥١ ب.
(٢) انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٣٨، ٥٠، ٦٦، ٧٢، ٧٥، م ٢ ورقة ٢٠، ٣٢، ٣٥، ٣٧، ٥١، ٦٥.
(٣) منه نسخة بدار الكتب المصرية برقم ٢٥٥٦٨ ب.
(٤) انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٦، ٢٠، ٧٢، ٧٤، م ٢ الورقة ٣١، ٣٧، ٥٣، ٧٧، ٨٨.
(٥) ابن حجر: المعجم المفهرس (دار الكتب ٨٢ مصطلح الحديث).
(٦) نسختي المصورة (عن دار الكتب ٧٥ مصطلح الحديث). وطبع أخيرًا بتحقيق صديقنا الأستاذ محمد شكور المياديني.
(٧) راجع الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٩٠، وتذكرة الحفاظ، ج ٢ ص ١٤٩٨، الحسيني: الذيل على ذيل العبر، ص ٢٢٩، السبكي: طبقات، ج ٦ ص ٢٥١ (القاهرة =
[ المقدمة / ٣٦ ]
وتقي الدين أبو العباس أحمد (^١) بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية الحراني "٦٦١ - ٧٢٨ هـ"، وعَلَم الدين أبو محمد القاسم (^٢) بن محمد البِرْزاليّ "٦٦٥ - ٧٣٩ هـ"، وترافق معهم طيلة حياتهم. وكان الذهبي أصعر رِفاقه سنًا، وكان أبو الحَجّاج المِزي أكبرهم. وكان بعضهم يقرأ على بعض؛ فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه.
وقد ساعد من شَدِّ أواصر هذه الرفقةِ اتجاهُهم نحو طَلَبِ الحديثِ منذ فترة مبكرة وميلهم إلى آراء الحنابلة ودفاعهم عن مذهبهم، مع أن المزيَّ والبرزاليَّ والذهبيَّ كانوا من الشافعية. وكان كلُّ واحدٍ منهم محبا للآخر ذاكرًا فضله. ويذكر الذهبي جيدًا أن علم الدين البرزالي هو الذي حَبَّبَ إليه العنايةَ بالحديث النبويِّ الشريف؛ فقال في معجم شيوخه الكبير: "الإمام الحافظ المتقن الصادق الحجة مفيدنا ومعلمنا ورفيقنا محدث الشام مؤرخ العصر" (^٣). وقال في موضع آخر: "وهو الذي حَبَّبَ إليَّ طلب الحديث فإنه رأى خطي، فقال: خَطُّكَ يشبه خط المحدثين! فأثَّرَ قولُه فيَّ، وسمعتُ منه، وتخرجتُ به في أشياء" (^٤)، وكان على غايةٍ من الإعجاب بعلمه ولا سيما معجم
_________________
(١) = ١٣٢٤)، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٩١ - ١٩٢، ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٨، والتبيان، الورقة ١٦٦، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ٢٣٣ - ٢٣٧، ابن تغري بردي: النجوم، ج ١٠ ص ٧٦، ابن طولون: المَعَزَّة، ص ١٠، ابن العماد: شذرات، ج ٦ ص ١٣٦، الكتاني: فهرس ج ١ ص ١٠٧.
(٢) ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية معروفة تناولها معظم المؤرخين الذين تناولوا عصره ومنهم الذهبي. ومن الذين كتبوا عنه مفردًا ابن ناصر الدين في "الرد الوافر" (بيروت ١٣٩٣ هـ)، وابن قدامة: "العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية". ومن المحدثين: محمد كرد علي في "ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية" (لم يذكر مكان الطبع ولا تاريخه)، ومحمد بن بهجة البيطار في "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية" (دمشق ١٩٦١)، ومحمد أبو زهرة: "ابن تيمية، حياته وعصره، آراؤه وفقهه" (القاهرة ١٩٥٢).
(٣) انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٢٥، ذيل العبر ص ٢٠٩، الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص ١٨ - ٢١، السبكي: طبقات، ج ٦ ص ٢٤٦ (القاهرة ١٣٢٤)، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٨٥، ابن شاكر: فوات، ج ٣ ص ١٩٦ (طـ. إحسان عباس)، ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٣٢١ - ٣٢٣، ابن تغري بردي: النجوم، ج ٩ ص ٣١٩، ابن العماد: شذرات، ج ٦ ص ١٢٤.
(٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٢٥.
(٥) ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٣٢٣.
[ المقدمة / ٣٧ ]
شيوخه (^١) الذي خرجه لنفسه وفيه ثلاثة آلاف شيخ، منهم ألفان بالسماع وألف بالإجازة (^٢). وكتب الذهبيُّ عن شيخه ورفيقه المزي بأنه: "العلامةُ الحافظ البارع أستاذ الجماعة … محدث الإسلام" (^٣)، وأنه كان "خاتمة الحفاظ وناقد الأسانيد والألفاظ وهو صاحب معضلاتنا وموضع مشكلاتنا" (^٤).
أما ابنُ تيمية فكانت شخصيته قد اكتملت منذ أن كان الذهبي شابًا في أول طلبه العلم، وكان قد أصبح مجتهدًا له آراؤُه الخاصة التي تقومُ في أصلها على اتِّباعِ آثارِ السلف، وابتدأ منذ سنة ٦٩٨ هـ يدخل في خُصوماتٍ عقائدية حادة معَ علماء عصره من المخالفين له (^٥)، ويقيمُ الحدودَ بنفسه ويحلق رؤوسَ الصبيان (^٦)، ويحاربُ المشعوذين من أدعياء التصوف (^٧)، ويمنع من تقديم النذور (^٨)، ويدور هو وأصحابه على الخمارات والحانات ويُريقُ الخمورَ (^٩)، ويقاتل بعض مَنْ يعتقد فساد عقيدته (^١٠)، ويشتط على القضاة (^١١)، بل بلغ الأمرُ به في إحدى المرات أنْ دخل السجن وأخرج رفيقه المزي منه بنفسه (^١٢). وظهرت شخصيتُه السياسية في الحرب الغازانية سنة ٦٩٩ هـ وما بعدها لاسيما
_________________
(١) نظم الذهبي في هذا المعجم بيتين من الشعر، قال: إنْ رمتَ تفتيشَ الخرائنِ كلها … وظهور أجزاء حوت وعوالي ونعوت أشياخ الوجود وما رووا … طالع أو اسمع معجم البرزالي (ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٣٢٢، ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٠).
(٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٢٥، وذيل العبر، ص ٢٠٨، ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٣٢٢، ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٠.
(٣) معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٧٠، وانظر تذكرة الحفاظ، ح ٤ ص ١٤٩٨ - ١٤٩٩.
(٤) ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٥) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٣٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٤)، الصفدي: الوافي، ج ٥ ص ٢٢، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٤، ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١٥٥.
(٦) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٩.
(٧) الصفدي: الوافي، ج ٥ ص ١٨، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٣٣، وانظر فتواه في "الصوفية والفقراء" (نشرها رشيد رضا بالقاهرة ١٣٤٨ ط ٢).
(٨) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٣٤.
(٩) المصدر نفسه، ج ١٤ ص ١١.
(١٠) المصدر نفسه، ج ١٤ ص ١٢.
(١١) ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١٥٦.
(١٢) السبكي: طبقات، ج ٦ ص ٢٥٤ (القاهرة ١٣٢٤)، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٣٧، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ٢٣٤.
[ المقدمة / ٣٨ ]
سنة ٧٠٢ هـ حيث لعب دورًا كبيرًا في انتصار المماليك على المغول في وقعة شقحب (^١).
وقد أحب الذهبيُّ شيخَهُ ورفيقه وأُعجبَ به، فقال بعد أنْ مدحه مدحًا عظيمًا: "وهو أكبر من أنْ يُنَبِّه مِثْلي على نعوته، فلو حلفتُ بين الركن والمقام لحلفتُ: أني ما رأيتُ بعيني مثله، ولا واللّه ما رأى هو مثل نفسه في العلم" (^٢) ولما مات رثاه بقصيدة (^٣)، وذكر أن مصنفاته قد جاوزت الألف (^٤)، وبالغ في ذِكْرِ مساوئ مَنْ حَطَّ عليه مثل الأمير سيف الدين تنكز (^٥) نائب الشام.
ولم تكن محبة رفيقيه وإعجابهما بابن تيمية بأقلَّ من محبةِ الذهبيِّ له، بل ربما كان المزي أكثرهم إعجابًا ومحبة له مع أنه أكبر منه سنًا (^٦).
ومع أن الذهبيَّ قد خالف رفيقه وشيخه "في مسائل أصلية وفرعية" (^٧) وأرسل إليه نصيحته الذهبية (^٨) التي يُقَرِّعُه ويلومُه وينتقدُ بعضَ أرائه وآراء أصحابه بها، إلا أنه بلا ريب قد تأثر به تأثرًا عظيمًا، بحيث قال تاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ: "إن هذه الرفقة: المزي والذهبي والبرزالي أضرَّ
_________________
(١) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٣٣٤ فما بعد (أيا صوفيا ٣٠١٤)، الصفدي: أعيان العصر، ج ٨ الورقة ١ - ٧ (أيا صوفيا ٢٩٦٨)، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٩ فما بعد. وينظر بحثي: "من محراب العلم إلى ميدان القتال"، مجلة الرسالة الإسلامية ببغداد ١٩٨٤.
(٢) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ٣٥، وقارن ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١٦٨ - ١٦٩.
(٣) ابن ناصر الدين: بديعة الزمان، الورقة ١٦٥، والرد الوافر، ص ٣٥ - ٣٦.
(٤) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ٣٥، وقارن ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١٦٠. وقال الصفدي: "ومن الذي يأتي على مجموعها! " وذكر منها جملة كبيرة (الوافي، ج ٥ ص ٢٣ - ٣٠).
(٥) ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ٦١. وعاتب الذهبي تلميذه تاج الدين السبكي بسبب كلام وقع منه في ابن تيمية فاعتذر منه السبكي برسالة أرسلها إليه (ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١٦٩).
(٦) انظر أقوال المزي في ابن تيمية في كتاب الرد الوافر (ص ١٢٨ - ١٣٠) وأقوال البرزالي في الكتاب نفسه (ص ١١٩ - ١٢٣). وكان ابن تيمية شديد الإعجاب بالمزي، فلما باشر دار الحديث الأشرفية بعد الشريشي قال ابن تيمية: "لم يَلِهَا من حين بنيت إلى الآن أحق بشرط الواقف منه"، انظر: ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٨٩، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ٢٣٤، النعيمي: تنبيه، ج ١ ص ٣٥.
(٧) ابن حجر: الدرر، ص ١ ص ١٦٦.
(٨) الذهبي: النصيحة الذهبية لابن تيمية (دمشق ١٣٤٧ هـ).
[ المقدمة / ٣٩ ]
بها أبو العباس بن تيمية إضرارًا بَيِّنًا، وحملها من عظائم الأمور أمرًا ليس هينًا وجَرَّهم إلى ما كان التباعدُ عنه أولى بهم" (^١).
إنَّ هذه الصلةَ بين الرفقة وما اختطوه لأنفسهم فيما ارتضوه ومالوا إليه من آراءِ الحنابلةِ قد أدت في كثيرٍ من الأحيان إلى إيذائهم والتحامل عليهم بما ليس فيهم. وقد أُوذيَ المزيُّ بسبب ذلك (^٢)، وحرم الذهبي بسب آرائه من تولِّي أكبرِ دارٍ للحديثِ بدمشق هي دار الحديث الأشرفية (^٣) التي شغرت مشيختها بعد وفاةِ رفيقه المزي سنة ٧٤٢ هـ. فأشار قاضي القضاة علي بن عبد الكافي السبكي أنْ يعين الذهبيُّ لها، فتكلم الشافعيةُ بأنَّ الذهبي ليس بأشعري، وأنّ المزي ما وليها إلا بعد أن كتبَ بخطه وأشهدَ على نفسِه بأنه أشعريٌّ، واتسع النقاش بينهم ورفض الشافعية أنْ يتولاها الذهبيُّ بعد أن جمعهم نائب الشام أَلْطُنْبُغَا بالرغم من إلحاح السبكي، ولم يحسم الأمر إلا بتولية السبكي نفسه (^٤). ثم أثرت صلةُ الذهبيِّ بابن تيمية فيما اختصر (^٥) أو ألف (^٦) من كتب، وفي بلورة بعض آرائه، وحُبِّهِ للحنابلةِ (^٧)، وموقفه من بعض المتصوفة (^٨) ولا سيما
_________________
(١) السبكي: طبقات، ج ٦ ص ٢٥٤ (القاهرة ١٣٢٤ هـ).
(٢) من ذلك ما حدث سنة ٧٠٥ هـ حينما وقعت المناظرة بين ابن تيمية والشافعية، فقرأ الشيخ جمال الدين المزي فصلًا بالرد على الجهمية من كتاب أفعال العباد للبخاري تحت قبة النسر بعد قراءة ميعاد البخاري، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وشكاه إلى القاضي الشافعي ابن صصرى، وكان من أعداء ابن تيمية، فأمر بسجن المزي، ولما بلغ ابن تيمية ذلك تألم كثيرًا وذهب إلى السجن فأخرجه منه بنفسه، فغضب نائب دمشق فأعيد المزي ثم أفرج عنه. (ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٣٧، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ٢٣٤).
(٣) منسوبة إلى الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن العادل الأيوبي، ابتدأ عمارتها سنة ٦٢٨ هـ وافتتحت سنة ٦٣٠ هـ وأول مَنْ وليها محدث عصره الشيخ تقي الدين بن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ هـ (انظر الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٢٤٣ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والنعيمي: تنبيه الدارس، ج ١ ص ١٩ فما بعد).
(٤) السبكي: طبقات الشافعية، ج ٦ ص ١٧٠ - ١٧١ (القاهرة ١٣٢٤)، ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية، ج ٢ ص ١٩١.
(٥) من ذلك مثلًا "المنتقى من منهاج الاعتدال" لشيخه ابن تيمية (وانظر الفصل الخاص بكتبه).
(٦) من ذلك مثلًا كتاب "العلو" (وانظر الفصل الخاص بكتبه).
(٧) الذهبي: معجم الشيوخ م ١ الورقة ٤.
(٨) قال في ترجمة شيخه بهاء الدين أبي المحاسن عبد المحسن بن محمد المعروف بابن العديم المتوفى سنة ٧٠٤ هـ: "وكان يدخل في ترهات الصوفية" (معجم الشيوخ، م ١ =
[ المقدمة / ٤٠ ]
طائفة الأحمدية، أتباع الشيخ أحمد الرفاعي (^١). وهو يذكر أن علم المنطق "نفعهُ قليلٌ وضرره وبيلٌ وما هو من علوم الإسلام" (^٢)، ويقول عن الفلسفة: "الفلسفة الإلهية ما ينظر فيها مَنْ يُرْجَى فلاحهُ ولا يركن إلى اعتقادها مَنْ يلوح نجاحه؛ فإن هذا العلم في شق وما جاءت به الرسل في شق، ولكن ضلال مَنْ لم يدر ما جاءت به الرسل كما ينبغي بالحكمة أشر ممن يدري، واغوثاه باللّه، إذا كان الذين قد انتدبوا للرد على الفلاسفة قد حاروا ولحقتهم كسفة فما الظن بالمردود عليهم؟! " (^٣).
ثم كان لهذه الرفقة، أعني رفقةَ ابن تيمية، أنْ جعلت بعضَ الناس يجدون فيها سببًا لطعنهم في كتاباتهم بسبب اعتقادهم بتحيزها (^٤). وقد أثارت هذه المطاعنُ نقاشًا بين علماء عصره، وعند العلماء الذين جاؤوا بعده (^٥) وهو ما سوف نبحثه عند كلامنا على منهجه في تاريخ الإسلام (^٦).
ومع أن كثيرًا من الانتقادات التي وجهت إلى الذهبيِّ بسبب العقائد كان يغلب عليها طابَعُ التحاملِ والتعصب (^٧). إلا أننا في الوقت نفسه يجب أن نعترف بأنَّ تكوينه الفكري العام قد ارتبط ارتباطًا شديدًا بالحديث والمحدثين ونظرتهم إلى العلوم والعلماء وفلسفتهم تجاه العلوم العقلية. وقد أثر ذلك، كما سنرى، في منهجه التاريخي تأثيرا واضحًا حينما ربطه بالحديث النبوي الشريف وعلومه فاهتم اهتمامًا كبيرًا بالتراجم حتى صارت أساسَ كتابه ومحور تفكيره. ثم أثر تكوينه الفكري هذا في نظرته إلى الأحداثِ التاريخية وأسس
_________________
(١) = الورقة ٨٥).
(٢) قال في ترجمة ثعلب بن جامع الصعيدي الأحمدي البازدار المتوفى سنة ٧٢٥ هـ: "كان من كبار الأحمدية، وله أتباع، ثم إنه تاب وترك تلك الرعونات" (معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٤٠).
(٣) الذهبي: بيان زغل العلم، ص ٢٤ وقال في ترجمة أحد شيوخه: "ثم دخل في المنطق، فاللّه يسلم، ثم أقبل على شأنه" معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٦٦ - ٦٧.
(٤) الذهبي: بيان زغل العلم، ص ٢٥ - ٢٦ وانظر معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٤٩.
(٥) السبكي: معيد النعم، ص ٧٤، والطبقات، ج ٢ ص ١٣ - ١٥، ٢٢ - ٢٥، ج ٩ ص ١٠٣.
(٦) السخاوي: الإعلان، ص ٤٩٩ فما بعد، وابن عبد الهادي: معجم الشافعية، الورقة ٤٧ - ٤٨.
(٧) انظر أدناه الباب الثاني تجد فيه تفصيلًا مغنيًا.
(٨) انظر الفصل الأخير من الباب الثاني.
[ المقدمة / ٤١ ]
انتقائها ونوعية اهتماماته؛ كما ستراه مفصلًا في الباب الثاني من هذه المقدمة.