واجه الذهبيُّ مادةً كبيرة كان عليه أنْ ينتقي منها ما يراه مناسبًا لكتابه ولا سيما أنه اختصر في الحوادث كثيرًا قياسًا بالمادة الضخمة من التراجم التي أوردها في كتابه، فهل كانت لديه خطة معينة سار عليها في ذلك؟
الجواب: إنه انتقى ما رآه في نظره مُهمًّا حريًّا بالذكر جديرًا بالتدوين (^١). ولكن ما هي موازينه في ذلك، وميزانُ أيِّ مؤرخٍ في وزنِ الأحداثِ يتصل اتصالًا وثيقًا بمفاهيمه، وينطلق من بيئته ونوعية ثقافته، وهما اللذان بدورهما يكونان مزاجه الذي يحمله على ذكر حدثٍ تاريخي وإهمالِ آخر، والإسهاب في جوانب معينة والاختصار في جوانب أخرى؟
لقد اعتبر الذهبيُّ، مثلَ غيرهِ من المؤرخين المسلمين المتدينين، أن أساسَ الدولة الإسلامية ونموذجها الأعلى يتمثل في حكومةِ الرسولِ ﷺ في المدينة (^٢)، ولذلك أوْلَى الفترةَ المدنيةَ اهتمامًا عظيمًا وفصَّلَ في حوادثها تفصيلًا لا نجده إلا في التواريخ المتخصصة بحيث احتلت السنوات العشر التي قضاها الرسول ﷺ في المدينة مجلدًا كاملًا من تاريخه هو المجلد الأول. وعني بعد ذلك بذكر أخبار حروب الردة وتكوين الأمة الإسلامية وحركة الفتوح والمساهمين فيها باعتبارهم المثل الأعلى للمجاهدين المسلمين، ولذلك احتلت هذه الفترة الزمانية القصيرة التي لا تتجاوز ٥% من نطاق كتابه الزماني قرابة ثلث الحوادث المذكورة في جميع الكتاب.
_________________
(١) لقد اعتبر الذهبي التاريخَ من العلوم النافعة واستعاذَ بالله من علمٍ لا ينفع، وأكد ضرورةَ الاطلاع على "المهم" منه، قال في المقدمة واصفًا كتابه: "يعرف به الإنسان مهم ما مضى من التاريخ" ١/ ٥ (من طبعتنا).
(٢) يدخل ضمن ذلك بالطبع أهمية حكومة الرسول ﷺ وأعمالها في دراسة الفقه الإسلامي باعتبارها من الأسس التي يقوم عليها الفقه.
[ المقدمة / ١١٣ ]
ووجدناه بعد ذلك يعنى دائمًا بأخبار الجهاد في سبيلِ الله سواء أكان ذلك بالفتح أم برد المعتدين عن ديار الإسلام، فأورد من أخبار الجهاد الكثير وفصَّل فيه بما سمح له منهجه، فذكر من أخبار فتوحات الأمويين شيئًا كثيرًا بالنسبة لما تضمنه كتابه من حوادث هذه الفترة، كما عُني بذكر العلاقات الإسلامية البيزنطية على مدى التاريخ وأولاها اهتمامًا واضحًا (^١)، ولعل من أبرز ذلك ذكره لتفاصيل الحروب التي خاضها الحمدانيون مع البيزنطيين (^٢). كما اهتم اهتمامًا كبيرًا بذكر المعارك العديدة التي خاضها المسلمون ضد الصليبيين على - مدى عصور التاريخ الإسلامي (^٣)، وعني بظهور المغول وتحركاتهم وأخبارهم واستيلائهم على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، واهتم بذكر علاقاتهم بالشام ومصر (^٤). ويظهر تقدير الذهبي لمثل هذه الأحداث في مدحه لأولئك الذين جاهدوا في سبيل الله وتحمسه الشديد عند ذكرهم، بل تفصيله في أفضالهم في هذا المجال بالرغم من ذكره الظلم الذي مارسوه نحو قوله في عهد الوليد بن عبد الملك: "وفتح الله على
_________________
(١) انظر مثلًا: ٨/ ٧ و٨ - ١٠ و١٣ - ١٤ (من طبعتنا).
(٢) نقل الذهبي كثيرًا من التفاصيل عن العلاقات البيزنطية الحمدانية من تاريخ ثابت بن سنان وغيره من المصادر المعروفة. ولكن الذي يبدو أكثر أهمية نقله الكثير من التاريخ الذي ذَيَّلَ به علي بن محمد الشمشاطي العدوي على تاريخ الطبري وأوصله إلى زمانه (انظر بصفة خاصة ٨/ ٧ - ١٠) وكان الشمشاطي على صلة وثيقة بالأسرة الحمدانية؛ إذ عمل مؤدبًا ونديمًا لهم فكان مُطَّلعًا على أخبارهم عارفًا باتصالاتهم. ومع أننا لم نقف على تاريخ وفاته إلا أن ابن النديم كان على صلة به وذكر أنه كان حيًا في عصره سنة ٣٧٧ هـ (الفهرست ص ٢٢٠) وانظر ترجمته وأخباره عند النجاشي: الرجال، ص ١٨٦، وياقوت: معجم الأدباء ٤/ ١٩٠٧ - ١٩٠٩، ومعجم البلدان ج ٣ ص ٣٢٠، وبروكلمان: الملحق، ج ١ ص ٢٥١ (بالألمانية) والزركلي: الأعلام، ج ٥ ص ١٤٣، وج ١٠ ص ١٥٤ وانظر أيضًا تعليق أمدروز على تجارب الأمم لمسكوية، ج ص ١٩٤ - ١٩٦، والسامر: الدولة الحمدانية، ج ٢ ص ١٨٢.
(٣) انظر مثلًا الورقة ٢ - ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠) والورقة ٢١٨، ٢٢٥، ٢٣٣، ٢٣٦، ٢٤٥، ٢٤٩ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٣٤ - ٢٣٧، ٢٤٢، ٢٥٥، ٢٦١، ٢٦٤ - ٢٦٧ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٤) انظر مثلًا الورقة ٢٢٤، ٢٢٩، ٢٣٩ - ٢٤٤، ٢٥١ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٢٧، ٢٣٣، ٢٥٢ - ٢٥٤، ٢٥٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وقلما تخلو الحوادث المذكورة في المجلدين الأخيرين من تاريخ الإسلام (أيا صوفيا ٣٠١٣، ٣٠١٤) المتضمنة لحوادث ٦٥١ - ٧٠٠ من ذكر للمغول وعلاقاتهم بمصر والشام.
[ المقدمة / ١١٤ ]
الإسلام فتوحًا عظيمة في دولة الوليد وعاد الجهاد شبيهًا بأيام عمر ﵁" (^١)، وقوله في ترجمته: "وكان الوليد جبارًا ظالمًا لكنه أقام الجهاد في أيامه وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة كما ذكرنا" (^٢)، وقوله في ترجمة الظاهر بيبرس البندقداري المتوفى سنة ٦٧٦ هـ: "ولما سارت الجيوش المنصورة من مصر لحرب التتار كان هو طليعة الإسلام … وكان غازيًا مجاهدًا مرابطًا خليقًا للملك لولا ما كان فيه من الظلم، والله يرحمه ويغفر له ويسامحه؛ فإن له أيامًا بيضاء في الإسلام ومواقف مشهودة وفتوحات معدودة" (^٣). وتحمَّس الذهبي للملك الناصر صلاح الدين الأيوبي ﵁ وطوَّل في حروبه للصليبيين بحيث وضع عنوانًا في أثناء حوادث سنة ٥٨٣ هـ أطلق فيه على هذه السنة "سنة الفتوحات" وفصّل فيها على غير عادته إلى درجة استغراق هذا العنوان قرابة الثماني ورقات كبيرة (^٤) وقال معلقًا على فتح بيت المقدس: "فالحمد لله على هذه النعم التي لا تحصى" (^٥)، وقال في موضع آخر: "فرزقنا الله شكر هذه النعم ورحم صلاح الدين وأسكنه الجنة" (^٦)، وقال عن حصار عكا بعد ذلك: "وكان السلطان يكون أول راكب وآخر نازل … ولعله وجبت له الجنة برباطه هذين العامين" (^٧). ثم نتحسس تحمسه من الألفاظ التي يطلقها على أعداء الإسلام نحو قوله: "وتتابعت الأمداد من رومية الكبرى التي هي دار الطاغية الأعظم المعروف بالبابا لعنه الله" (^٨)، وقوله في أحدهم: "طاغية الروم … وكان هذا الكلب" (^٩)، و"ملك الفرنج لا ﵀" وقد صب اللعنة عليهم وأساء القول فيهم كلما ورد ذكر واحد منهم (^١٠).
_________________
(١) تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٢٤ (من طبعتنا).
(٢) ٢/ ١١٨٥ (من طبعتنا).
(٣) الورقة ٣٤ - ٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) ١٢/ ٦٧٣ - ٦٨٢ (من طبعتنا).
(٥) ١٢/ ٦٧٩.
(٦) ١٢/ ٦٨١.
(٧) ١٢/ ٦٩٨، وانظر تقويمه لجهاد بعض الأمراء والملوك الورقة ٩٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) والورقة ٣٢٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٨) الورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٩) الورقة ١٧٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(١٠) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٣٦.
[ المقدمة / ١١٥ ]
ثم وجدنا الذهبي المسلم المتمسك بدينه يُعنى بذكر أخبار الحركات التي كان الهدف منها، في رأيه، تدمير الإسلام الحق مثل البابكية، والزنج، والقرامطة وأمثالهم، يظهر لنا ذلك مما خصص لهم من أخبار في تاريخه ومن تحمسه عليهم فهو دائم اللعن لصاحب الزنج ويسميه "الخبيث" (^١). وقد اعتبر الذين قتلهم بابك الخرمي في حروبه شهداء في سبيل الله (^٢)، وقال عن أبي طاهر القرمطي: "وقد كان هذا الملعون بلاء عظيمًا على الإسلام وأهله" (^٣).
وتناول الذهبي السني أخبار الدولة المسماة الفاطمية بشيء من التفصيل، باعتبارها من أكبر الأخطار التي جابهت أهل السنة، فهم عنده باطنية (^٤)، أدعياء نسب إلى آل البيت (^٥)، ولذلك أطلق عليهم "بني عبيد" أو "العبيديين" أو "الرافضة" ونحوها، وقد قال في عبيد الله المهدي مؤسس دولتهم: "ويا حبذا لو كان رافضيًا وبس (^٦) ولكنه زنديق" (^٧)، وذكر في غير موضع من كتابه كيف كانوا يقتلون أهل السنة بعد تعذيبهم ليردوهم عن الترضي عن الصحابة (^٨). وقد اعتنى الذهبي في أثناء تناول حوادث السنين بإجمال حال السنة وأهلها لما لذلك من أهمية عنده، نحو ذكره في آخر حوادث سنة ٣٦٣ هـ قطع الخطبة في مكة والمدينة وإقامتها للمعز العبيدي "في الحجاز ومصر والشام والمغرب، وكان الرفض قائمًا في هذه الأقاليم وفي العراق (^٩) والسُّنة خاملة مغمورة لكنها ظاهرة بخراسان وأصبهان فالأمر لله تعالى" (^١٠). ثم قوله في سنة ٣٦٤ هـ: "وفي هذه السنين وبعدها كان الرفض يغلي ويفور بمصر والشام والغرب والشرق
_________________
(١) انظر مثلًا: ٦/ ١٦ (من طبعتنا).
(٢) تذكرة الحفاظ، ج ٢ ص ٤١٥.
(٣) ٧/ ٦٢٩.
(٤) ٨/ ١٨٥.
(٥) تكلم الذهبي في نسب الفاطميين في غير موضع من كتابه وكان يرى بطلانه، انظر مثلًا الورقة ١٨٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) كلمة فصيحة بمعنى "حسب" كما في معاجيم اللغة.
(٧) ٧/ ٤٦١.
(٨) المصدر نفسه.
(٩) يعني بسبب استيلاء البويهيين على العراق.
(١٠) ٨/ ١٨٣.
[ المقدمة / ١١٦ ]
لاسيما بالعبيدية الباطنية قاتلهم الله" (^١) ثم أورد أخبارًا عن ذلك (^٢)، وقوله في حوادث سنة ٣٧٢ هـ: "وفي هذا الزمان كانت الأهواء والبدع فاشية بمثل بغداد ومصر من الرفض والاعتزال والضلال فإنا لله وإنا إليه راجعون" (^٣). ويتضح لنا من كل هذه الأمثلة أن عقيدته السُّنية هي التي دفعته إلى التركيز على مثل هذه الحوادث.
وقد عرفنا من دراستنا لسيرة الذهبي وعصره ما شهدته دمشق على عهده من صراع عقائدي حاد أثر إلى حد كبير في تكوينه الفكري، لذلك وجدناه، انطلاقًا من بيئته وتكوينه الفكري، يُعنى بذكر النزاعات العقائدية على مدى التاريخ حيث أولاها عناية خاصة (^٤)، وأورد أخبار الفتن التي قامت بسببها (^٥). ولعل من أوضح الأمثلة التي تؤيد هذه المقالة، الكمية التي خصصحها من الحوادث لذكر مواقف الخلفاء العباسيين من محنة القول بخلق القرآن ابتداء بالمأمون وانتهاء بالمتوكل الذي رفع القول بخلق القرآن. وحسبنا أن نذكر أنه في الوقت الذي كانت الحوادث في هذه السنوات لا تستغرق في العادة أكثر من نصف ورقة فإنه كتب عن امتحان المأمون للعلماء في حوادث سنة ٢١٨ هـ قرابة الست أوراق متتالية (^٦)، ولعل هذا كان من الأسباب الرئيسة التي جعلت العقائد تكون عنصرًا بارزًا من عناصر الترجمة كما سيأتي بيانه.
وعني الذهبي بإبراز أعمال الخلفاء والملوك والأمراء المتصلة بنشر الدين والعناية به، وإبطال الفساد (^٧). وبناء المساجد والجوامع (^٨) وتجديدها (^٩).
_________________
(١) ٨/ ١٨٥.
(٢) ٨/ ١٨٥ - ١٨٦.
(٣) ٨/ ٣٤٧ وأورد حكاية لأحد المغاربة القادمين من بغداد تبين كيف كان أهل الكلام من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس يتناقشون من غير اعتماد على كتاب الله تعالى.
(٤) انظر مثلًا الورقة ٢٢٠، ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٣٨، ٢٦٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٤) وغيرها.
(٥) ٨/ ٧٠٥ - ٥٠٨ و٩/ ١٨.
(٦) الورقة ٨٨ - ٩٣ (أيا صوفيا ٧ ٣٠٠).
(٧) مثلًا الورقة ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٨) مثلًا الورقة ٢٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٣٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٩) مثلًا الورقة ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤١ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
[ المقدمة / ١١٧ ]
وإبراز الأعمال التي ساروا فيها بموجب الشريعة الإسلامية أو خالفوها مثل فرض المكوس أو إبطالها (^١). كما عني بذكر الولايات الدينية كالقضاء وتعيين القضاة وعزلهم، وإثبات الشهود وعزلهم، وأمراء الحاج (^٢).
واهتم بالأمور المتعلقة بمصالح المسلمين الدينية فاعتنى مثلًا بذكر مواسم الحج وما يجري للحجاج في المواسم أو في الطريق من نهب وسلب ونحوهما (^٣)، واعتنى بمصالحهم الدنيوية وما يصيب الأمة من أوبئة وسنين مجدبة، ومجاعات، وفيضانات، وعواصف مدمرة، وارتفاع في أسعار الأطعمة أو انخفاض فيها، وقد قدم أمثلة لذلك (^٤).
ولما كان الذهبي من المهتمين بالعلم ونشره فقد اعتنى بذكر إنشاء دور العلم مثل المدارس، ودور الحديث، وخزائن الكتب، وتعيين المدرسين وعزلهم. ويظهر ذلك أكثر وضوحًا في القسم الأخير من كتابه حيث احتلت مثل هذه الأمور حيزًا ليس بالقليل من مادة الحوادث فصرنا لا نجد حوادث سنة من السنوات خالية من مثل هذه الأمور مما يدل على شدة اهتمامه بها وعنايته بذكرها (^٥).
واهتم بإيراد كثير من الوثائق والمكاتبات بنصوصها، وهي ظاهرة واضحة في كتابه. وتشتمل هذه الوثائق على ما صدر من علماء الأمة من المحاضر المتعلقة بالعقائد، والتوقيعات التي أصدرها الخلفاء والملوك. على أنه ركز اهتمامه على الكتب التي كان ملوك الدول الإسلامية يبعثون بها إلى الخلافة العباسية يصفون بها فتوحاتهم وحروبهم وردهم لأعداء المسلمين أو أعداء الخلافة (^٦).
_________________
(١) مثلًا الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٢) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٤٠.
(٣) مثلًا الورقة ٢٣٠ و٢٤٩ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢٤٧، ٢٥٥، ٢٦٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٢٤، ٣٢٦، ٣٢٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٤٠.
(٥) ينظر المصدر نفسه ٣٤١.
(٦) ينظر المصدر نفسه.
[ المقدمة / ١١٨ ]
ولما كان الذهبي يولي التراجم عنايته الفائقة أصلًا، فإنه لم يخلص الحوادث منها، فصار يذكر أسماء وفيات المشهورين ضمن الحوادث باعتبار ذلك حدثًا تاريخيًا مهمًا من الواجب ذكره وتعيينه، بل إننا نجد حوادث بعض السنين ما هي إلا مختصر لوفيات كبار المترجمين، لاسيما في الفترة الواقعة بين سنتي ٤١ - ٣٥٥ هـ، وهي الفترة التي نظم التراجم فيها على حروف المعجم ضمن كل عشر سنوات، فأصبح محتاجًا لتقديم وفيات الأعلام ضمن حوادث السنة.
إن مراكز القوى في الدولة الإسلامية هي التي حددت في كثير من الأحيان كمية المعلومات التي يقدمها الذهبي عن بلد ما من البلدان الإسلامية بالرغم من أنه أراد لكتابه الشمولَ المكاني باعتباره تاريخًا للإسلام أجمع. ولذلك وجدنا الحوادث المذكورة في كتابه تدور على عهد الأمويين في نطاق الشام والعراق بينما ازداد اهتمامه بالعراق حينما أصبح مركزًا للخلافة العباسية حتى كادت الحوادث تقتصر عليه في كثير من الأحيان. وفي بعض سني القرن الرابع الهجري نجد الذهبي يركز على أخبار الحمدانيين بحلب بسبب حروبهم المشهورة التي شنوها على البيزنطيين، ثم يعود إلى العناية التامة بأخبار العراق والعباسيين ويستمر في ذلك حتى منتصف القرن السادس الهجري تقريبًا بحيث يكاد كتابه يقتصر عليهم في كثير من حوادث السنين (^١)، إلا أنه يتحول بُعيد هذا التاريخ فيعنى بأخبار الزنكيين في الجزيرة وبلاد الشام ومن بعدهم بالأيوبيين ولا سيما في عهد صلاح الدين بسبب نظرته إلى أهمية الأحداث التي قاموا بها في رد المعتدين عن ديار الإسلام فتشعر في بعض السنوات وكأنه دَوَّن تاريخه لهم وقَلَّ اهتمامه بأخبار الخلافة العباسية نسبيًا. وتوجه الذهبي بعد سقوط بغداد بيد هولاكو سنة ٦٥٦ هـ إلى العناية التامة بتوريخ حوادث بلاد الشام ومصر حيث احتلت الحيز الأعظم من الحوادث، بل ظلت أخبارها في تزايد مستمر سنة بعد أخرى حتى كادت تقتصر عليها في الربع الأخير من القرن السابع الهجري فصار "تاريخ الإسلام" في هذه الفترة أقرب شبها بالتواريخ المحلية.
_________________
(١) انظر مثلًا الورقة ٢ - ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠).
[ المقدمة / ١١٩ ]
ومع أن الذهبي اعتمد بعض الموارد أكثر من غيرها في بعض الأحيان إلا أننا وجدناه لا يتابع موردًا معينًا في اختيار الأحداث والتركيز على المهم منها. وقد استطعنا أن نميز له منهجًا خاصًّا في هذا الباب يقوم على تقدير المهم وذكره، وإسقاط غير المهم وإهماله، مستندًا إلى مفهومه التاريخي للأحداث الذي شرحناه قبل قليل. وقد تبين لنا أن الذهبي استطاع، في أكثر الأحايين، أن يوجه الأحداث في تاريخه الوجهة النوعية والمكانية التي اختارها، بفضل قدرته الفائقة على تنويع موارده بين عصر وآخر، وعدم التزامه بخط مؤرخ معين من المؤرخين الذين سبقوه (^١).
وعلى الرغم من أن الذهبي قد اختار "المهم" من الأحداث التي شهدها العالم الإسلامي وأعطاها الأولوية في كتابه، فإنه لم يتخلص من طريقة كتّاب الحوليات المسلمين الذين سبقوه، فاهتم بذكر بعض الأخبار القصيرة العجيبة التي لا ترتبط ببعضها إلا بوقوعها في السنة التي يتناول أحداثها، وغالبًا ما تأتي هذه النتف في آخر حوادث السنة مثل الظواهر الطبيعية كالزلازل (^٢)، وكسوف الشمس (^٣)، وخسوف القمر (^٤)، والبرد الشديد (^٥). كما عني بالحوادث الغريبة مثل تحول امرأة إلى رجل (^٦)، وولادة طفل برأسين وأربعة أرجل (^٧)، وقدوم رجل طوله ثلاثة أشبار وثلاث أصابع إلى دار الخلافة (^٨)، ونحوها.
_________________
(١) انظر أدناه كلامنا على الموارد.
(٢) انظر مثلًا الورقة ١٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٧) والورقة ٥، ٩٢، ٩٣، ٢١٥، والورقة ٩ (أيا صوفيا ٣٠١٠)، والورقة ٢٢٢ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والورقة ٣٢٤ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٣) انظر مثلًا الورقة ٣٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) انظر مثلًا الورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٥) الورقة ٣٢١ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٦) الورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٧) الورقة ٢١٨ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٨) الورقة ٢٦٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
[ المقدمة / ١٢٠ ]