بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الباقي بعد فناء خلقه، الكافي من توكل عليه، القيّوم الذي ملكوت كلّ شيء بيديه، حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله؛ أرسله رحمة للعالمين، وخاتما للنّبيّين، وحرزا للأميّين، وإماما للمتّقين بأوضح دليل، وأفصح تنزيل، وأفسح سبيل، وأفسر تبيان، وأبهر برهان. اللهمّ آته الوسيلة، وابعثه مقاما محمودا، يغبطه به الأوّلون والآخرون، وصلّ عليه وعلى آله الطّيبين، وصحابته المجاهدين، وأزواجه أمّهات المؤمنين.
أما بعد: فهذا كتاب نافع إن شاء الله - ونعوذ بالله من علم لا ينفع ومن دعاء لا يسمع - جمعته وتعبت عليه، واستخرجته من عدّة تصانيف. يعرف به الإنسان مهمّ ما مضى من التّاريخ، من أوّل تاريخ الإسلام إلى عصرنا هذا؛ من وفيات الكبار من الخلفاء، والقرّاء والزّهاد والفقهاء، والمحدّثين والعلماء، والسّلاطين والوزراء، والنّحاة والشّعراء. ومعرفة طبقاتهم وأوقاتهم وشيوخهم وبعض أخبارهم، بأخصر عبارة وألخص لفظ. وما تمّ من الفتوحات المشهورة والملاحم المذكورة، والعجائب المسطورة، من غير تطويل ولا إكثار ولا استيعاب. ولكن أذكر المشهورين ومن يشبههم، وأترك المجهولين ومن يشبههم. وأشير إلى الوقائع الكبار، إذ لو استوعبت التراجم والوقائع لبلغ الكتاب مائة مجلّدة بل أكثر، لأنّ فيه مائة نفس يمكنني أن أذكر أحوالهم في خمسين مجلّدا.
وقد طالعت على هذا التأليف من الكتب مصنّفات كثيرة، ومادّته من:
دلائل النّبوّة للبيهقي (^١).
وسيرة النّبيّ ﷺ لابن إسحاق (^٢).
_________________
(١) أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، وكتابه "دلائل النبوة" طبع غير مرة، منها طبعة ببيروت سنة ١٤٠٥ هـ في سبع مجلدات، وقد أفاد منه المصنف في السيرة فائدة عظمى، وعليه أكثر معوله.
(٢) لم تصل إلينا سيرة ابن إسحاق، سوى قطعة صغيرة نشرها الدكتور حميد الله =
[ ١ / ٥ ]
ومغازيه لابن عائذ الكاتب (^١).
والطّبقات الكبرى لمحمد بن سعد كاتب الواقديّ (^٢).
وتاريخ أبي عبد الله البخاري (^٣).
وبعض تاريخ أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة (^٤).
وبعض تاريخ يعقوب الفسوي (^٥).
وتاريخ محمد بن المثنّى العنزي، وهو صغير (^٦).
وتاريخ أبي حفص الفلاّس (^٧).
وتاريخ أبي بكر بن أبي شيبة (^٨).
وتاريخ الواقدّي (^٩).
وتاريخ الهيثم بن عديّ (^١٠).
_________________
(١) = الحيدرآبادي. ووصل إلينا تهذيب ابن هشام. وقد استعمل الذهبي روايتي البكائي ويونس بن بكير.
(٢) لم يصل إلينا.
(٣) طبعت في أوربا طبعة ناقصة، ثم طبعت في القاهرة وبيروت على هذه الطبعة وبقي النقص. ثم استدرك بعض هذا النقص؛ فحقق السيد زياد محمد منصور القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم، وطبع (ط ٢ سنة ١٩٨٧). وحقق الدكتور محمد بن صامل السلمي طبقة صغار الصحابة، وهم الطبقة الخامسة، ونشر منه مجلدين سنة ١٩٩٣ م.
(٤) لا شك أنه يشير إلى تاريخه الكبير الذي حققه العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني، ونشرته دائرة المعارف بحيدرباد الدكن بالهند في السنوات ١٣٥٨ - ١٣٦٢ هـ.
(٥) وصلت إلينا قطعة من المجلد الثالث منه، وهي في جامع القرويين بفاس، ولم يطبع إلى اليوم.
(٦) حقق صديقنا الدكتور أكرم العمري الموجود منه، ونشرته وزارة الأوقاف العراقية في ثلاثة مجلدات سنة ١٩٧٤ - ١٩٧٥ م، ثم أعيد نشره ببيروت، وكلام المصنف يشير إلى أن بعضه قد فقد منذ عصر الذهبي.
(٧) لم يصل إلينا.
(٨) لم يصل إلينا.
(٩) نشر كتاب "التاريخ" لابن أبي شيبة ضمن كتابه "المصنف" وهو فيه ضمن ج ١٢ ص ٥٤٧ - ٥٨٠ وج ١٣ ص ٥ - ٩٤.
(١٠) توفي محمد بن عمر الواقدي سنة ٢٠٧ هـ، ولعله يشير إلى كتابه "المغازي" الذي نشره المستشرق مارسدن جونس. ثم أعيد نشره بالأوفست غير مرة في بيروت وطهران، على أن له "التاريخ الكبير" و"الطبقات" الذي أفاد منه تلميذه ابن سعد، ولم يصلا إلينا.
(١١) لم يصل إلينا.
[ ١ / ٦ ]
وتاريخ خليفة بن خيّاط، والطبقات له (^١).
وتاريخ أبي زرعة الدمشقي (^٢).
والفتوح لسيف بن عمر (^٣).
وكتاب النّسب للزّبير بن بكّار (^٤).
والمسند للإمام أحمد (^٥).
وتاريخ المفضّل بن غسّان الغلابي (^٦).
والجرح والتعديل عن يحيى بن معين (^٧).
والجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم (^٨).
ومن عليه رمز فهو في الكتب السّتّة أو بعضها، لأنّني طالعت مسودّة تهذيب الكمال لشيخنا الحافظ أبي الحجّاج يوسف المزّي، ثم طالعت المبيضّة كلّها (^٩). فمن على اسمه (ع) فحديثه في الكتب الستّة، ومن عليه (٤) فهو في السّنن الأربعة، ومن عليه (خ) فهو في البخاري، ومن عليه (م) ففي
_________________
(١) حققهما صديقنا العمري ونشرا ببغداد.
(٢) حققه السيد شكر الله بن نعمة الله القوجاني بإشراف عمي العلامة الدكتور ناجي معروف رحمه الله تعالى سنة ١٩٧٣ م، وطبعه مجمع اللغة العربية بدمشق.
(٣) لم يصل إلينا. ونشر الدكتور قاسم السامرائي كتابه عن الردة والجمل.
(٤) وهو "جمهرة نسب قريش وأخبارها" هو كتاب فخم جدًّا، وصلت إلينا قطعة منه، ونشر العلامة محمود شاكر ﵀ مجلدًا منه سنة ١٣٨١ هـ.
(٥) طبع أول مرة في المطبعة الميمنية بالقاهرة سنة ١٨٩٦ م في ستة مجلدات، ثم أعيد طبعه على هذه الطبعة في أماكن متعددة إلى أن حققه مجموعة من المحققين بإشراف صديقنا علامة الديار الشامية الشيخ شعيب الأرنؤوط وصدر ببيروت في خمسين مجلدًا ١٩٩٣ - ٢٠٠١ م.
(٦) لم يصل إلينا.
(٧) لعله يشير إلى رواية عباس الدوري عن يحيى بن معين، وقد نشرها الدكتور محمد نور سيف. وقد طبعت من روايات يحيى بن معين: سؤالات ابن طهمان، وابن محرز، والدارمي.
(٨) حققه العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني، ونشر في الهند في تسعة مجلدات في السنوات ١٩٥٢ - ١٩٥٦ م. ثم طُبعت عن هذه الطبعة طبعات.
(٩) حققته وعلقت عليه، وطبعته مؤسسة الرسالة في بيروت في خمسة وثلاثين مجلدًا (١٩٨٠ - ١٩٩٢ م) وطبع حتى الآن ست طبعات. كما طبع طبعة معتصرة في ثمانية مجلدات كبار من ذوات العمودين (بيروت ١٩٩٧ م). وقد سرق طبعتنا أحد (الدكاترة) السوريين المشهورين بسرقة جهود الآخرين.
[ ١ / ٧ ]
مسلم، ومن عليه (د) ففي سنن أبي داود، ومن عليه (ت) ففي جامع الترمذي، ومن عليه (ن) ففي سنن النّسائي، ومن عليه (ق) ففي سنن ابن ماجه. وإن كان الرجل في الكتب إلاّ فرد كتاب فعليه (سوى ت) مثلا، أو (سوى د).
وقد طالعت أيضا عليه من التواريخ التي اختصرتها (^١):
تاريخ أبي عبد الله الحاكم (^٢).
وتاريخ أبي سعيد بن يونس (^٣).
وتاريخ أبي بكر الخطيب (^٤).
وتاريخ دمشق لأبي القاسم الحافظ (^٥).
وتاريخ (^٦) أبي سعد بن السّمعاني، و(الأنساب) (^٧) له.
وتاريخ القاضي شمس الدين بن خلّكان (^٨).
_________________
(١) انظر تفاصيل ذلك في كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢١٥ فما بعد ففيه تفصيل.
(٢) أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيِّع المتوفى سنة ٤٠٥ هـ. وقد فقد كتابه، ولم يصل إلينا مختصر الذهبي. ولكن بقي مختصر تاريخ الحاكم للخليفة النيسابوري، نشره بهمن كريمي في طهران سنة ١٣٣٩ هـ شمسي.
(٣) لابن يونس المتوفى سنة ٣٤٧ هـ تاريخان، أحدهما خاص بالمصريين، والآخر خاص بالغرباء الذين دخلوا مصر، ولم يصلا إلينا، لكن جمع نصوصه الدكتور عبد الفتاح فتحي عبد الفتاح، ونشره في مجلدين ببيروت ٢٠٠٠ م وهو عمل جيد ومستوعب.
(٤) هو "تاريخ مدينة السلام"، طبع في القاهرة سنة ١٩٣١ م طبعة سقيمة، وطبع عن هذه الطبعة طبعات متعددة. ثم يسر الله لنا فجمعنا مخطوطاته من المدينة المنورة، والقاهرة، وتونس، والجزائر، وباريس، ولندن، وأدنبرة، وإستانبول وحققناه، فظهر عن دار الغرب ببيروت في سبعة عشر مجلدًا (٢٠٠١ م). أما مختصر الذهبي فلم يصل إلينا.
(٥) طبع مجمع اللغة العربية بدمشق منه عدة مجلدات محققة تحقيقًا علميًّا، ثم طبع في بيروت بأخرة في سبعين مجلدًا طبعة تجارية.
(٦) المقصود به: "ذيل تاريخ مدينة السلام"، ولم يصل إلينا، ولا وصل مختصر الذهبي، ووصلت قطعة من مختصر ابن منظور، كما بيناه مفصلًا في مقدمتنا لتاريخ الخطيب.
(٧) بدأ بتحقيقه العلامة عبد الرحمن المعلمي منذ سنة ١٩٦٢ م وأصدر منه ستة مجلدات إلى سنة ١٩٦٦ م ثم أكمل في بيروت. وطبع بعد ذلك طبعات تجارية.
(٨) هو "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" طبع غير مرة، وأفضل طبعاته هي التي حققها صديقنا العلامة إحسان عباس، متعنا الله بعمره.
[ ١ / ٨ ]
وتاريخ العلاّمة شهاب الدين أبي شامة (^١).
وتاريخ الشيخ قطب الدين بن اليونيني، وتاريخه على تاريخ (^٢) مرآة الزمان للواعظ شمس الدين يوسف بن الجوزي (^٣)، وهما على الحوادث والسّنين.
وطالعت أيضا كثيرا من:
تاريخ الطبري (^٤).
وتاريخ ابن الأثير (^٥).
وتاريخ ابن الفرضيّ (^٦).
وصلته لابن بشكوال (^٧).
وتكملتها للأبّار (^٨).
والكامل لابن عديّ (^٩).
وكتبا كثيرة وأجزاء عديدة، وكثيرا من: مرآة الزمان (^١٠).
_________________
(١) أظنه يقصد "الروضتين في أخبار الدولتين" وذيله، وكلاهما مطبوع منتشر مشهور.
(٢) أي: ذيل على تاريخ مرآة الزمان. وطبعت منه أربعة مجلدات إلى سنة ٦٨٦ هـ.
(٣) هكذا تجوَّز المصنف فنسبه إلى جده لأمه أبي الفرج بن الجوزي، والمعروف "سبط ابن الجوزي"، ولكن المصنف ذكر ذلك غير مرة، فظهر أن هذا من أسلوبه ﵀.
(٤) هو "تاريخ الأمم والملوك" طبع في أوربا ثم طبع بمصر على طبعة أوربا غير مرة، آخرها طبعة أبي الفضل إبراهيم.
(٥) هو المعروف بالكامل في التاريخ، طبع في أوربا ثم أعيد طبعه في البلاد العربية على هذه الطبعة، ولعل من أفضلها طبعة دار صادر.
(٦) هو كتاب "تاريخ علماء الأندلس" طبع في أوربا أيضًا ثم طبع على هذه الطبعة في البلاد العربية غير مرة.
(٧) طبع في أوربا أيضًا، وأعيد طبعه في مصر وغيرها، وهو محتاج إلى تحقيق وضبط.
(٨) هو "التكملة لكتاب الصلة" طبع في أوربا، ثم طبع غير مرة، وبقي منه المجلد الثالث إلى أن طبعة الدكتور الهراس، لكن طبعته تحتاج إلى تحقيق وتدقيق ومزيد عناية وضبط.
(٩) طبع في بيروت طبعات رديئة جدًّا، وعندي منه نسخ خطية متقنة.
(١٠) لا شك أن الموارد التي اعتمدها المصنف في تأليف هذا التاريخ الوسيع أكثر بكثير مما ذكر، يعرف ذلك من يطالع تعليقاتنا على التراجم وبيان الكتب التي اقتبس منها =
[ ١ / ٩ ]
ولم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي، بل اتّكلوا على حفظهم، فذهبت وفيات خلق من الأعيان من الصّحابة، ومن تبعهم إلى قريب زمان أبي عبد الله الشافعيّ ﵀ فكتبنا أسماءهم على الطّبقات تقريبا، ثم اعتنى المتأخّرون بضبط وفيات العلماء وغيرهم، حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنّسبة إلى معرفتنا لهم، فلهذا حفظت وفيات خلق من المجهولين وجهلت وفيات أئمة من المعروفين. وأيضا فإن عدّة بلدان لم يقع إلينا تواريخها؛ إمّا لكونها لم يؤرّخ علماءها أحد من الحفّاظ، أو جمع لها تاريخ ولم يقع إلينا.
وأنا أرغب إلى الله - تعالى - وأبتهل إليه أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يغفر لجامعه وسامعه ومطالعه وللمسلمين آمين.
_________________
(١) = المصنف، فكأنه كتب هذه المقدمة عند أول تأليفه الكتاب ثم لم يعدلها، أو أنه لم ير ضرورة لذلك.
[ ١ / ١٠ ]