اهتم الذهبي بالمؤلفين الذين كانوا على صلة بالحوادث التاريخية أو المترجمين وأوْلَاهُم عنايةً خاصة فاعتمدهم في كتابه أكثر من غيرهم، فقد رأيناه في الحوادث ينتقل من مورد لآخر بين فترة وأخرى ولا يقتصر على مورد واحد عند حديثه عن جميع العالم الإسلامي، ففي النصف الأول من القرن الرابع الهجري مثلا نجده يعتمد في حوادث العراق بالدرجة الأولى على كل من أبي بكر محمد بن يحيى الصولي "ت ٣٣٥ هـ" (^١)، والمسعودي "ت ٣٤٦ هـ" (^٢)، وثابت بن سنان "ت ٣٦٥ هـ" (^٣) ولا سيما الأخير. ولما تناول علاقات الحمدانيين بالبيزنطيين اعتمد على تاريخ علي بن محمد الشمشاطي المتوفى بعد سنة ٣٧٧ هـ (^٤) لأنه كان على صلة بالحمدانيين إذ كان مؤدبًا ونديمًا لهم فكان مطلعًا على أخبارهم عارفًا باتصالاتهم (^٥) ولما تناول أخبار صلاح الدين اعتمد الموارد التي عاصرته وعنيت بأخباره وكانت على صلة وثيقة به مثل العماد الأصبهاني القرشي "ت ٥٩٦ هـ" في حين ركز عند تناوله أخبار العراق في هذه الفترة على ابن الجوزي "ت ٥٩٧ هـ" وابن الأثير "ت ٦٣٠ هـ"، وغيرهم مما بيناه عند تعليقنا على تلك الفترة.
وفي النصف الأول من القرن السادس الهجري نجد الذهبي يعتمد في أخبار العراق على المؤلفين الذين عاصروا أحداثه أو كانوا قريبين منها مثل: ابن الأثير، وابن القادسي "ت ٦٣٢ هـ" (^٦)، وابن الساعي
_________________
(١) انظر ٧/ ١٣ و١٨ و٤٠٨.
(٢) انظر ٧/ ٤١٠ و٦٣٠.
(٣) انظر مثلًا: ٧/ ٨ و٢١٢ و٢١٧ و٢١٩ و٤٢٠ و٦٣٠.
(٤) ٨/ ٨ - ١٠.
(٥) ابن النديم: الفهرست، ص ٢٢٠، ياقوت: إرشاد، ج ٥ ص ٢٧٥ - ٣٧٧، والسامر: الدولة الحمدانية، ج ٢ ص ١٨٢.
(٦) محمد بن أحمد بن محمد، أبو عبد الله القادسي المنسوب إلى القادسية التي بين سامراء وبغداد، قال الذهبي: "صاحب التاريخ … وكان رجلًا فاضلًا له اعتناء بالتواريخ والحوادث" الورقة ١٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢) انظر من نقول الذهبي عنه في الورقة ٢١٨ فما بعد (أيا صوفيا ٣٠١١).
[ المقدمة / ١٦٧ ]
"ت ٦٧٤ هـ" (^١)، وابن البزوري "ت ٦٩٤ هـ" (^٢).
أما أخبار مصر فاعتمد فيها على موفق الدين عبد اللطيف البغدادي "ت ٦٢٩ هـ" (^٣) حتى تاريخ وفاته وصار اعتماده بعد ذلك في أخبار مصر والشام على سبط ابن الجوزي "ت ٦٥٤ هـ" (^٤)، وأبي شامة "ت ٦٦٥ هـ" (^٥)، وابن واصل الحموي "ت ٦٩٧ هـ" (^٦).
وقد اعتنى الذهبي كثيرًا بكتاب "مرآة الزمان" لسبط ابن الجوزي بالرغم من كلامه فيه (^٧) نظرًا لصلاته بملوك بني أيوب ومشاهدته للأحداث وهو يشير إلى هذه المعاصرة وذاك الاتصال حينما ينقل أقواله من مثل: "قال لي المعظم .. " (^٨) و"حدثني الصالح نجم الدين أيوب … " (^٩) ونحوهما (^١٠).
واعتنى الذهبي في هذه الفترة عناية بالغة بتاريخ سعد الدين مسعود بن عبد السلام بن حموية المعروف بابن شيخ الشيوخ "ت ٦٧٤ هـ" (^١١) وقد سمى الذهبي تاريخه "جريدة" (^١٢) وذكر أنه في مجلدين (^١٣)، ولعله كان كتاب
_________________
(١) انظر مثلًا: الورقة ٢٣٠، ٢٣٢، ٢٤٤، ٢٤٥، ٢٥٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وغيرها كثير.
(٢) ذكره الذهبي في معجم شيوخه، وذكر أنه "ذيل على المنتظم لابن الجوزي فأفاد وأجاد" (م ٢ الورقة ٢٨) وقد ذهب أكثر هذا التاريخ في الوقعة الغازانية سنة ٦٩٩ هـ، وقد أخذ الذهبي عنه واعتمد عليه كثيرًا.
(٣) انظر مثلًا: الورقة ٢٢٤، ٢٤٥، ٢٤٩ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢٣٨ فما بعد (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٤) انظر مثلًا: الورقة ٢٢٥، ٢٢٨، ٢٢٩ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢٢٨، ٢٣٨، ٢٤٨، ٢٥٢ .. إلخ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٥) انظر مثلًا: الورقة ٢١٨، ٢٢٥، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢٢٨، ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٨، ٢٤٢ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٦) انظر مثلًا: الورقة ٤٣، ٤٦، ٨٤، ٩٤، ١١٦، ١٤٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٧) مثلًا الورقة ١٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٨) الورقة ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٩) الورقة ٢٥٢ من النسخة السابقة.
(١٠) انظر مثلًا الورقة ٢٥٥ - ٢٥٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وقارن مرآة الزمان، مختصر، ج ٨ ص ٧٤٦ حيث كان السبط حاضرًا في الحرب التي جرت في القدس بين المصريين والصليبيين، وروى أحداثها.
(١١) انظر مثلًا: الورقة ٢٤٦، ٢٤٨، ٢٥٠، ٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦٠ .. إلخ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(١٢) الورقة ٢٥٠ من النسخة السابقة.
(١٣) الورقة ٢١ - ٢٢ (أيا صوفيا ٣٠١٤) وقد أخذه الذهبي عنه بالإجازة كما صرح بذلك في الورقة ٢٤٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
[ المقدمة / ١٦٨ ]
مذكرات كما تدلُّ النقولُ الكثيرة التي نقلها الذهبي عنه، وهو الذي يفسِّرُ شدةَ اهتمام الذهبي به، لأن جميع النقول تروي أحداثًا ساهم فيها سعد الدين، وهو من بيت أمراء اشتهروا بمشاركتهم السياسية في أواخر الدولة الأيوبية. وقد بَيِّنت النصوصُ التي نقلها الذهبي من "جريدته" أنه كان مرافقًا للملك المظفر غازي الأيوبي صاحب ميافارقين، فكان بها سنة ٦٣٧ هـ (^١)، وكان حاضرًا في القصر عند ورود رُسُلِ المغول إلى ميافارقين سنة ٦٤٢ هـ (^٢)، وظل هناك إلى سنة ٦٤٤ هـ حيث ترك خدمة الملك المظفر وتوجه إلى مصر (^٣) وشارك في حرب طبرية وعسقلان ضد الصليبيين سنة ٦٤٥ هـ (^٤)، وكان حاضرًا في مدينة المنصورة عندما انتصر المسلمون عليهم سنة ٦٤٨ هـ (^٥)، واعتزل الحياة السياسية سنة ٦٥٦ هـ (^٦) وتصوف إلى حين وفاته بدمشق سنة ٦٧٤ هـ (^٧).
وقد نقل الذهبي عن هذا المؤلف السياسي العسكري المعاصر أنقى الأخبار مما لا نجده في غيره من الكتب.
واعتمد في أخبار المغرب، ولا سيما عن الموحدين من بني عبد المؤمن على مصدرين معاصرين: أولهما تاج الدين عبد الله بن عمر بن حموية، والد سعد الدين المذكور قبل قليل. وكان تاج الدين شيخ الشيوخ بدمشق وقد زار المغرب سنة ٥٩٣ هـ. وعاش في بلاط ملك مراكش يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وكان على صلة قوية به، وظل هناك إلى سنة ٦٠٠ هـ (^٨)، فاتصل بالأحداث اتصالًا مباشرًا، وقدم معلومات نفيسة عُني الذهبيُّ بنقلها (^٩). وأما الثاني فهو أبو محمد عبد الواحد بن علي المراكشي المتوفى سنة ٦٤٧ هـ، وكان
_________________
(١) الورقة ٢٥٤ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٢) الورقة ٢٥٦ من النسخة السابقة.
(٣) الورقة ٢٦٠ من النسخة السابقة.
(٤) الورقة ٢٦١ من النسخة السابقة.
(٥) الورقة ٢٦٦ من النسخة السابقة.
(٦) الورقة ٢١١ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
(٧) الورقة ٢٢ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٨) انظر سبط ابن الجوزي: مرآة، مختصر، ج ٨ ص ٧٤٨، والمَقَّري: نفح الطيب، ج ٢ ص ٧٠٧.
(٩) انظر مثلًا: الورقة ٨٥، ٨٦، ٨٧ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠١١).
[ المقدمة / ١٦٩ ]
سياسيًا له اتصال بالأحداث ومشاهدة لها، لذلك عُني بالنقل منه، بل اختصر كتابه "المعجب" (^١).
كل هذا والذهبي لا يعتني بالحوادث عنايته بالتراجم، ولذلك وجدناه في التراجم يولي هذه الناحية جل عنايته، وعظيم اهتمامه. ولعل من أبرز مظاهر تلك العناية هو اهتمام الذهبي بمعاجيم الشيوخ والمشيخات (^٢) ومحاولة استقصائها ولما كانت مثل هذه الكتب لا تضم بين دفتيها سوى الشيوخ الذين اتصل بهم صاحبُ المعجم أو المشيخة وتلقى العلمَ عنهم بالسماع أو الإجازة (^٣)، لذلك تعد من أنفس المصادر المعاصرة، فهي تحتوي على معلومات دقيقة لا تتوفر في غيرها من المصادر، وتمتاز عمومًا بالدقة والتحري بعد المشاهدة والاتصال وقد صرت أعتقد فتيجة لدراستي الخاصة في هذه الناحية أنها المُكَوِّنُ الرئيس لكتب التراجم.
وقد حاول الذهبيُّ جاهدًا أن يستوعب كل ما يقف عليه من هذه المعاجيم والمشيخات ويفيد منها في كتابه. وقد وقف على أكثر من مئتي معجم ومشيخة (^٤)، وقد كان كثير منها يبلغ عددًا من المجلدات، فانتقى منها ما اتفق والخطة العامة لكتابه.
وإذا كان الذهبي قد جوّز لنفسه في بعض الأحيان أن يعتمد موارد غير
_________________
(١) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٤٩.
(٢) انظر عن معاجيم الشيوخ والمشيخات بحثنا: "معاجيم الشيوخ والمشيخات وأهميتها في دراسة التاريخ الإسلامي" مجلة الأقلام، العدد السابع من السنة الخامسة (بغداد ١٩٦٩) ومقدمتنا لكتاب: مشيخة النعال البغدادي ص ١٤ فما بعد (بغداد ١٩٧٥) ورسالة الدكتور أكرم العمري: موارد الخطيب، ص ٤١٨ فما بعد. والفرق بين معجم الشيوخ والمشيخة هو في الترتيب، فمعجم الشيوخ هو ما رتب على حروف المعجم، أما المشيخة فترتب بأشكال أخرى في الأغلب الأعم.
(٣) قلنا سابقًا إن الإجازة كانت تحتوي معلومات عن المُجِيز يكتبها هو، ومن ثم يستفيد مخرج المشيخة من هذه المعلومات عند تخريجه لها، فيكتبها على لسان صاحب المعجم أو المشيخة.
(٤) ولابد أنه فاته الكثير منها فهذا العدد قليل إذا قيس بما وصل إلينا من أسمائها، ولكن كثيرًا منها كان مصيرها الضياع والتلف بسبب عدم عناية النساخ بنسخ أكثرها، وقد قال السخاوي في نهاية القرن التاسع: "ولست أستبعد زيادتهم على الألف"، الإعلان ص ٦٠٥.
[ المقدمة / ١٧٠ ]
معاصرة في الحوادث (^١) فإنه لم يجز لنفسه ذلك في التراجم عمومًا إلا في الحالات التي تعذر عليه فيها الوقوف على مؤلفات عاصرت صاحب الترجمة، فمع أنه اختصر كتبًا ضخمة في الرجال والتراجم استوعبت فترات زمنية طويلة مثل "تاريخ دمشق" لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ الذي تناول فيه تراجم الدمشقيين ومن ورد إليها من أول الإسلام إلى أيامه، وكتاب "الضعفاء" لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ الذي شمل الضعفاء من الرواة من أول ظهورهم إلى أيامه، فإنه لم يعتمد مثل هذه الكتب في الفترات التي لم يعاصرها مؤلفوها ولم ينقل منها إلا نصوصًا قليلة دفعته الضرورة إليها في الأغلب الأعم، في حين استوعب جل التراجم التي عاصروها، ونقل آراء المؤلفين في المترجمين جرحًا وتعديلًا. ونلاحظ هذا الأمر أكثر وضوحًا في كتب الحوليات التي تناولت الحوادث والتراجم وشملت تاريخ الإسلام كله حتى عصر مؤلفيها مثل كتاب "المنتظم" لابن الجوزي، و"مرآة الزمان" لسبطه، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير وغيرهم، فإننا لم نجد إلا نقلًا نادرًا جدًّا عن التراجم المذكورة في هذه التواريخ مما لم يعاصرها مؤلفوها، فإذا ما دخل الكتاب عصر المؤلف وسار فيه قليلا وجدنا الذهبي يعنى العناية البالغة في الأخذ عنه والانتقاء منه.