اختلف المؤرخون المسلمون في الإشارة إلى المصادر التي ينقلون معلوماتهم عنها أو عدم الإشارة إليها. ولم يكن عدم الإشارة عيبًا كبيرًا في المؤلفين آنذاك وقد جرّبنا وجود كثرة من كبار المؤرخين لم يذكروا القسم
_________________
(١) الورقة ٨٩، ١١١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٢) الورقة ١١١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٣) الورقة ٨٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٤١ - ١٤٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ١٦، ٧٧ (أيا صوفيا ٣٠١١) وغيرها.
(٤) الورقة ١٠٣ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والورقة ١٤٧ - ١٥٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٤٢١.
[ المقدمة / ١٧٨ ]
الأكبر من مصادرهم مثل ابن الجوزي في "المنتظم"، وابن الأثير في "الكامل"، وبدر الدين العيني في "عقد الجمان"، وغيرهم. كما جَرَّبنا عدم ذكر المصادر نهائيًا عند طائفة من ثقات المؤرخين كالمنذري في كتابه "التكملة" (^١). وفي الوقت نفسه وجدنا طائفة أخرى عنيت بذكر مصادرها، ولكنها تفاوتت في ذلك أيضًا حيث كان قسم منهم يذكر موارده بصورة دقيقة، بينما كان القسم الآخر يذكر مورده تارة ويغفله تارة أخرى.
أما الذهبي فكان من الذين اعتنوا بذكر مواردهم سواء أكان ذلك في القسم الخاص بالحوادث أم في القسم الخاص بالتراجم.
ويبدو لنا أن عناية الذهبي بذكر مصادره قد جاءت نتيجة لطبيعة تربيته ونشأته العلمية وعنايته الفائقة بالحديث وعلومه وتعاطيه الرواية وشدة كَلَفِه بها، وآية ذلك أن رواية الحديث بالأسانيد والتدقيق في رواته تُعَدُّ أرقى أنواع ذكر المصادر وأدقها، فكان من الطبيعي جدًّا أن يعنى الذهبي بذكر مصادره في تاريخه وبخاصة في القسم الخاص بالتراجم نظرًا للصلة الوثيقة التي تربط الحديث بالتراجم التي لم تنشأ وتتطور إلا بسبب العناية بالحديث النبوي الشريف (^٢). يضاف إلى ذلك الأهمية البالغة لضبط تراجم الرجال في تقويمه صحة المنقولات سواء أكان ذلك في الحديث أم في غيره، حيث كانت قيمة الروايات وصحتها تعتمد أولًا على قيمة ناقليها (^٣). ولما كانت آراء العلماء ممن تؤخذ أقوالهم في الرجال تجريحًا وتعديلًا تحتل مكانًا بارزًا في محتويات
_________________
(١) راجع الفصل الذي كتبناه عن مصادر التكملة في كتابنا: المنذري وكتابه التكملة، ص ٢٧٢ فما بعد.
(٢) راجع كتابنا: أثر الحديث في نشأة التاريخ عند المسلمين (بغداد ١٩٦٦)، وبحثنا: مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ، ص ٢٧ فما بعد، والعمري: بحوث، ص ٤٣ فما بعد، وروزنتال: مناهج العلماء المسلمين، ص ١١٥.
(٣) قال الشافعي: "ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه" (الرسالة، ص ٣٩٩) وعن هذا الموضوع انظر أيضًا: الرسالة، ص ٢١٧، ٣٢٢، ٣٤١، ٥٤٤، والطبري: تاريخ، ج ١ ص ٣ - ٤، وانظر: J.Scacht Origins of Muhammadan Jurisprudence،P.٣٦.
[ المقدمة / ١٧٩ ]
الترجمة، كان لابد من إيراد هذه الأقوال من مصادرها الأصلية، وعزوها إلى أصحابها بشكل دقيق.
ومع كل ذلك فإن الذهبي لم يتبع دائمًا أسلوبًا علميًّا واضحًا في ذكر مصادره، قياسًا بمناهج البحث العلمي في عصرنا، فهو في معظم الأحيان يذكر المؤلف ولا يذكر كتابه فيقتصر مثلًا على القول: "قال خليفة"، أو "قاله الإدريسي"، أو "ذكره المنذري" ونحو ذلك، مع أن كثيرًا من المؤلفين الذين أخذ عنهم، قد ألفوا أكثر من كتاب. ثم نجده في كثير من الأحيان التي يذكر فيها اسم الكتاب لا يعنى بذكر عنوانه الذي وضعه له مؤلفه، ويكتفي بإطلاق لفظ "تاريخ" عليه، نحو قوله مثلًا: "قال ابن خلكان في تاريخه" (^١)، و"قال موفق الدين بن أبي أصيبعة في تاريخه" (^٢)، و"ذكره أبو شامة في تاريخه" (^٣) و"قال السلمي في تاريخه" (^٤) وهلم جرًّا.
ولا شك أن ذكر اسم المؤلف وإغفال اسم كتابه يسبب الكثير من الإرباك للباحثين، ليس في الخلط بين كتاب وآخر من كتبه حسب، ولكن في معرفة الكتاب الواحد أيضًا. ولعل المثال الآتي يوضح هذه المسألة، فقد نقل الذهبي من كتاب "الوفيات" لأبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس البغدادي المتوفى سنة ٤١٢ هـ (^٥)، ولكننا لم نعرف اسم كتابه لو لم يذكره في إحدى المرات مصادفة في وفيات سنة ٣٩٧ هـ حينما ترجم لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد بن القصار البغدادي المالكي، ونقل ترجمته عن جملة من المؤرخين الذين ذكروا أن وفاته كانت سنة ٣٩٨ هـ، فقال معلقًا: "قلت: الصحيح وفاته في هذه السنة في ثامن ذي القعدة ضبطها ابن أبي الفوارس في الوفيات له" (^٦).
_________________
(١) ويريد به "وفيات الأعيان".
(٢) انظر مثلًا: الورقة ٣٨ (أيا صوفيا ٣٠١١) ويريد به "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" كما هو مشهور.
(٣) انظر مثلًا: الورقة ٤٢ (أيا صوفيا ٣٠١١) وقد اعتبر الذهبي كتاب "الروضتين" والذيل عليه كتابًا واحدًا.
(٤) انظر مثلًا: الورقة ٢٣٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) ويريد به "طبقات الصوفية".
(٥) انظر مثلًا: الورقة ٨٧، ٩٤، ٩٦، ١١٨، ١٢٦. ١٣٠، ١٣١، ١٣٧، ١٤٤، ١٤٧، ١٥١، ١٥٢، ١٦٢، ١٨٠، ١٨٣، ٢١٤، ٢٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) الورقة ٢٤٠ من النسخة السابقة.
[ المقدمة / ١٨٠ ]
ولم يكن بإمكان أحد أن يستنتج آن له كتابا في "الوفيات" لو لم يذكره الذهبي تصريحًا، فالذهبي نفسه لم يذكره حينما ترجم له في تاريخ الإسلام (^١) وتذكرة الحفاظ (^٢)، والمصادر الأخرى التي ترجمت له لم تذكر له من التآليف غير كتاب "الصحيح" (^٣) و"الأمالي" (^٤). ولما بحث زميلنا الدكتور أكرم العمري في موارد الخطيب البغدادي، وجد أن الخطيب قد اقتبس منه (١٩٢) نصًا في كتابه "تاريخ مدينة السلام" منها (١٧٥) نصًا نقلها من كتابه مباشرة بلفظ "قرأت في أصل كتاب محمد بن أبي الفوارس بخط يده" و"قال". ولما لم يجد الدكتور العمري أحدًا ذكر له كتابًا، فإنه استنتج أن تكون بعض هذه النصوص من "معجم شيوخه"، ثم قال: "ويتبين من بعضها أن معجم شيوخه كان مرتبًا على سني الوفيات" (^٥) وهو استنتاج جيد في مثل هذه الصعوبات (^٦).
ومع ذلك فإنه من الواجب القول: إن الذهبي كان يكتب للخاصة من العلماء بهذا الفن، ولذا فهو يفترض المعرفة عندهم، وأن ما كان شائعًا في تلك الأعصر قد يكون مغمورًا في وقتنا هذا. يضاف إلى ذلك أن طبيعة المادة المنقولة تؤدي في كثير من الأحيان إلى معرفة اسم الكتاب عند أهل المعرفة، فقد نقل الذهبي عن أبي سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي الإستراباذي المتوفى سنة ٤٠٥ هـ بلفظ "قال الإدريسي" ولم يعين كتابه في أغلب النصوص، ونحن نعلم أن الإدريسي ألف تاريخين؛ أحدهما: لسمرقند والآخر لإستراباذ، فيكون من السهولة عندئذ معرفة الكتاب الذي ينقل منه، فإذا كان المترجم إستراباذيًا عرفنا أنه ينقل من "تاريخ إستراباذ" (^٧) وإذا كان سمرقنديًا
_________________
(١) الورقة ١٢٢ - ١٢٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٢) ج ٣ ص ١٠٥٣ - ١٠٥٤.
(٣) الخطيب: تاريخ مدينة السلام ٣/ ٥٧٦.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٢١٤، والكتاني: الرسالة، ص ١٥٩، والعمري: موارد، ص ٤٢١.
(٥) العمري: موارد الخطيب، ص ٤٢٢.
(٦) إن هذا هو السبب الذي جعلنا لا نعرف هذا الكتاب حينما كتبنا عن "كتب الوفيات". مجلة الدراسات الإسلامية، العدد الثاني ١٩٦٨. كما لم يذكره الدكتور العمري في كتب الوفيات، ص ٤٠٣.
(٧) لم يصل إلينا هذا الكتاب، انظر من نقول الذهبي عنه الورقة ٧٧، ١٠١، ١٠٣، ١٦٥، ١٧٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
[ المقدمة / ١٨١ ]
عرفنا أنه ينقل من "تاريخ سمرقند" (^١). ومثل ذلك نقوله عن ابن نقطة المتوفى سنة ٦٢٩ هـ فإذا كان النقل يتعلق برواية المترجم لأحد كتب السنن أو المسانيد عرفنا أنه ينقل من كتابه "التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد" (^٢)، وإذا كان في ضبط اسم أو نسبة أو اشتباه عرفنا أن ذلك من كتابه "إكمال الإكمال" (^٣) الذي ذَيَّلَ به على ابن ماكولا، وازداد يقيننا حينما قارنا النقول بكتابي ابن نقطة المذكورين.