يقوم نقد الرجال عند الذهبي عادة على إصدار حكم في المترجم وتبيان حاله جرحًا أو تعديلًا، ويكون ذلك في الأغلب بإيراد آراء الثقات من المعاصرين فيه وانطباعاتهم الشخصية عنه، إذا كان المترجم من غير أهل عصره، ويكتفي بآرائهم أو يرد عليها أو يُرجِّحُ رأيًا منها. أما الذين عاصرهم فيكون رأيه الشخصي هو الأساس في هذا النقد نظرًا لاتصاله بهم ومعرفته بأحوالهم.
وعلى الرغم من أن الغاية الأساسية من نشوء هذا النقد هو تبيان أحوال رجال الحديث، إلا أنه عني بتطبيقه على كثيرٍ من المُترجَمين في كتابه. وقد اعترض بعضُ معاصري الذهبيِّ عليه في عنايته الكبيرة بالنقد باعتبار أن الدواعي التي دعت إلى قيام النقد عند المتقدمين هي الوصول إلى تصحيح الحديث النبوي، ولما كان الحديث قد استقرَّ في الكتب الرئيسة فما عادت هناك من حاجةٍ إليه، وأن فائدته قد انقطعت منذ مطلع القرن الرابع الهجري. وممن صرح بهذا أبو عمرو محمد بن عثمان الغرناطي المعروف بابن المرابط "ت ٧٥٢ هـ" الذي ادعى أن ذكر معايب الناس غيبة لا تجوز وإنْ كان المذكور من أهل الرواية (^١)، قال ابن حجر: "ورأيت بخطه جزءًا حَطَّ فيه على الذهبي وترجمه ترجمة أفرط في ذمِّه فيها وتَعقَّبها برهان الدين بن جماعة على الهامش" (^٢). كما أخذ عليه بعضهم نقده لغير الرواة واعتبروا أن ذلك لا فائدة فيه (^٣). ودافع السخاوي عن الذهبي وغيره ممن عنوا بالنقد في غير الرواة بقوله: "بأن الملحوظ في تسويغ ذلك كونه نصيحة، ولا انحصار لها في الرواية، فقد ذكروا من الأماكن التي يجوز فيها ذكر المرء بما يكره، ولا يُعَدُّ ذلك غِيبةً، بل هو نصيحةٌ واجبة: أن تكون للمذكور ولاية لا يقوم بها على وجهها … أو يكون مبتدعًا من المتصوفة وغيرهم، أو فاسقًا ويرى من يتردد إليه للعلم أو للإرشاد ويخاف عليه عود الضرر من قِبَلِهِ فيعلمه ببيان حاله …
_________________
(١) السخاوي: الإعلان، ص ٤٦٠، ٤٧٠، ٤٧٤.
(٢) ابن حجر: الدرر، ج ٤ ص ١٦٤.
(٣) السبكي: الطبقات، ج ٢ ص ١٤.
[ المقدمة / ١٩٨ ]
أو غير ذلك من المحرمات فكل ذلك جائز أو واجب ذكره ليحذر ضرره. وبهذا ظهر أن الجرح لم ينقطع وأنه والحالة هذه من النصيحة الواجبة المثاب فاعلها" (^١).
ويلاحظ أن العلماء المسلمين، ومنهم السخاوي، قد برروا استعمال النقد في غير مجال الرواة بالفائدة المتوخاة منه للنصيحة ودفع الضرر. ومثل هذا التبرير قد يكون صحيحًا في حالة نقد المعاصرين فهو تفسير ساذج، حيث أن الذهبي وغيره لم يقتصروا على نقد المعاصرين من غير الرواة، بل تناولوا نقد السابقين أيضًا فيسأل عندئذ عن الغاية من نقد السابقين؟ كما أنهم لم يستطيعوا أن يوضحوا بجلاء سبب استمرار نقد الذهبي وغيره من المتأخرين المتقدمين بعد انقطاع الفائدة من مثل هذا النقد.
من كل ذلك يتضح أن تعليل مثل تلك الأمور لا يكون بمثل هذه البساطة فهناك عوامل أكثر عمقًا دفعت الذهبي إلى مثل هذه العناية لعلنا نستطيع إبراز بعضها فيما يأتي:
أ - استمرار العناية بالرواية، فعلى الرغم من أن تمييز الحديث الصحيح عن غيره قد استقر بعد ظهور الكتب الستة وبعض المجاميع الحديثية الأخرى فإن المسلمين لم يتركوا الرواية بل ازدادوا عناية بها تقليدًا للسابقين من جهة، وتدينًا وحبًا بالحديث وروايته من جهة أخرى. ومعنى ذلك استمرار الإسناد ومن ثم ضرورة استمرار النقد في كل عصر لتبيان أحوال الرواة (^٢).
ب - لم يتقبل الذهبي آراء النقاد السابقين باعتبارها مسلمات لا يمكن ردها أو الطعن فيها دائمًا بالرغم من احترامه الشديد للثقات منهم ومدحه الكثير لهم. ويبدو أنه اعتبر باب الاجتهاد في النقد ما زال مفتوحًا، لذلك عني به كل هذه العناية، يدل على ذلك رَدُّه لآراءِ كثيرٍ من كبار النقاد وعدم قبولها مثل أحمد بن
_________________
(١) الإعلان، ص ٤٦١ - ٤٦٢.
(٢) ركز الذهبي في كتابه "الميزان" على الرواة القدماء واعتبر مطلع القرن الرابع الهجري هو الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر، وذكر أنه لو فتح على نفسه تناول المتأخرين لما سَلِمَ معه إلا القليل إذ "الأكثر لا يدرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشأن، إنما سمعوا في الصغر، واحتيج إلى علو سندهم في الكبر فالعمدة على مَنْ قرأ لهم، وعلى من أثبت طباق السماع لهم". (ج ١ ص ٤)، ولكنه تناولهم في تاريخ الإسلام.
[ المقدمة / ١٩٩ ]
صالح المصري "ت ٢٤٨ هـ" (^١)، وأحمد بن عبد الله العجلي "ت ٢٦١ هـ" (^٢)، وابن عدي "ت ٣٦٥ هـ" (^٣)، وابن حبان البستي "ت ٣٥٤ هـ" (^٤)، ومحمد بن إسحاق بن مندة "ت ٣٩٥ هـ" (^٥) والخطيب البغدادي "ت ٤٦٣ هـ" (^٦)، وابن عساكر "ت ٥٧١ هـ" (^٧)، وابن الصلاح "ت ٦٤٣ هـ" (^٨)، وغيرهم مما يطول ذكره، ولعل كتابه "الميزان" أحسن دلالة على ذلك.
ج - إن النقد أصبح جزءًا من مفهومه التاريخي، لذلك حاول تطبيقه في كل موضع من كتابه. وقد أخطأ كثير ممن فسر نقده لكبار العلماء من غير الرواة أو الملوك أو أرباب الولايات أو نحوهم بأنه من صنف "نقد الرجال" بل هو حكم تاريخي الغاية منه تقويم المترجم كما سيأتي.
ويراعي الذهبي في مثل هذا النوع من النقد أن يورد ما يبين حال المترجم مما يتصل بعقيدته كأن يكون شيعيًا (^٩)، أو رافضيًا (^١٠)، أو معتزليًا (^١١)، أو قدريًا (^١٢)، ونحو ذلك، مما يتصل بأخلاقه (^١٣)، أو مما يتصل بروايته كأن يكون قليل الفهم والضبط (^١٤)، متساهلًا في الرواية (^١٥)، متهاونًا فيها (^١٦)،
_________________
(١) مثلًا: الورقة ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٢) مثلًا: الورقة ١١٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٣) مثلًا: الورقة ١٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٤) مثلًا: الورقة ٨٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٥) مثلًا: الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) مثلًا: الورقة ١٩١ من النسخة السابقة.
(٧) مثلًا: ٧/ ٣٣٩.
(٨) مثلًا: الورقة ٤٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٩) انظرٍ مثلا: الورقة ١٧٦، ٣١٧، ٣١٩، ٩ ٣٢، ٣٧٣، ٣٨٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١٠) مثلًا: الورقة ٢٠٥، ٣٠٨، ٣٥٨، ٣٦٠، ٣٧٥، ٣٧٦ من النسخة نفسها.
(١١) مثلًا: الورقة ٢٢٧، ٣٢٩، ٣٧٠، ٣٧٣، ٣٨٠، ٣٨٧، ٤٠٤، ٤٢٢، ٤٤٦، ٤٨٥ من النسخة السابقة.
(١٢) مثلًا: الورقة ١١٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(١٣) مثلًا: الورقة ١٧٤، ١٧٥، ١٩٠، ١٩١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(١٤) الورقة ٢٠٣ من النسخة السابقة.
(١٥) الورقة ١٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١٦) الورقة ١٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
[ المقدمة / ٢٠٠ ]
أو مجازفًا (^١)، أو مُخَلِّطًا (^٢)، أو يُحَدِّثُ من غير أصل (^٣)، أو يقلب الأحاديث (^٤)، أو يقفز من سند إلى آخر (^٥)، أو يلحق اسمه في الطبقات، ونحو ذلك (^٦).
وتكون نتيجة التجريح أو التعديل إصدار أحكام بعبارات فنية لها دلالاتها الدقيقة جدًّا نحو "ثقة"، و"صدوق"، و"صويلح"، و"دجال"، و"كذاب"، وما إلى ذلك (^٧).
إن عناية الذهبي في البحث عن عقائد المترجمين واتجاهاتهم ومذاهبهم قدمت لنا مادة غنية في معرفة عقائدهم ومذاهبهم، ومدى انتشارها بين النامر في فترة ما أو في منطقة معينة.