لم يكن الذهبيُّ يقتصر على "نقد الرجال" وهو "النقد الحديثي" الذي يعنى بذكر حال الرجال صدقًا أو كذبًا أو عقيدة أو نحوها، فإن هذا النوع من النقد لا يمكن تطبيقه على جميع فئات المترجمين في كتابه، وقد حوى خلفاء وملوكًا وأرباب ولاياتٍ، وشعراء وأدباء ونحوهم، ولذلك لم ينظر الذهبي إليهم بالمناظير التي نظرَ بها إلى الرواةِ وأشباههم في الأغلب الأعم، بل نظر إلى كل طائفة منهم بمنظار يختلف عن الآخر. وهذه مسألة قَلَّما انتبه إليها الباحثون فوقعوا بآفة التعميم وخرجوا بما ظنوا أنه حقيقة وهي أنَّ المؤرخين المسلمين المتأثرين بالحديث الشريف وعلومه نظروا إلى جميع الناس بمنظار واحد هو منظار الحديث والمحدثين.
_________________
(١) الورقة ٢٢٥ من النسخة السابقة.
(٢) الورقة ٣٧٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٣) الورقة ٨٦ من النسخة السابقة، والورقة ١٤٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٤) الورقة ١٧٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٥) الورقة ١٩١ من النسخة السابقة.
(٦) الورقة ٣١٥، ٤١٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٧) انظر عن هذه الألفاظ ودلالاتها كتابه: "ميزان الاعتدال، ج ١ ص ٤"، وبحث الدكتور ناجي معروف: "أساليب الكتّاب العرب في البحث العلمي" المنشور في العدد الأول من مجلة "الكتّاب" (بغداد سنة ١٩٦٢).
[ المقدمة / ٢٠١ ]
نعم، نظر الذهبي إلى كثير من العلماء بمنظار المحدثين، ونظر إلى بعض من يختلفون معه في العقيدة بمنظار عقيدته وهلم جرًّا، ولكنه في الوقت نفسه استطاع أن ينظر إلى كل طائفة منهم بمنظار آخر كوّن في الأغلب صورة لجماع رأيه في ذلك الشخص.
إن تعدد المناظير هذا جعل آراء الذهبي في المترجَمين تبدو لأول وهلة متناقضةً كل التناقض، نحو قوله في ترجمة هشام بن محمد الكلبي المتوفى سنة ٢٠٤ هـ: "النسابة العلامة الأخباري الحافظ … لم يكن ثقة وفيه رفض" (^١)، وقوله في ترجمة أحمد بن أبي دؤاد الإيادي المعتزلي الذي قاد أعنف حملة على زعماء أهل الحديث وغير القائلين بخلق القرآن: "وكان مُصَرِّحًا بمذهب الجهمية داعية إلى القول بخلق القرآن. وكان موصوفًا بالجود والسخاء وحسن الخلق وغزارة الأدب" (^٢). وقد صار عدم التعميم في الذم أو المدح أصلًا من أصوله النقدية، قال في رده على ابن الصلاح "ت ٦٤٣ هـ "الذي هاجم الماوردي "ت ٤٥٠ هـ" بسبب الاعتزال "فلا تحط يا أخي على العلماء مطلقًا ولا تبالغ في تقريظهم مطلقًا" (^٣).
ثم إن اختلاف المناظير عند الذهبي جعله يراعي في كل طائفة صفات معينة بصرف النظر عن اتفاقه أو اختلافه معهم، فكان ينظر إلى الخلفاء والملوك مثلًا من زاوية الحزم، والدهاء، والقوة والضعف، والسياسة، والظلم والعدل، وحب العلم ونحوها، قال في ترجمة أبي جعفر المنصور: "وقد مر من أخباره في الحوادث ما يدل على أنه كان فحل بني العباس هيبةً وشجاعة وحزمًا ورأيًا وجبروتًا، وكان جمّاعًا للمال تاركًا للهو واللعب كامل العقل جيد المشاركة في العلم والأدب، فقيه النفس، قتل خلقًا كثيرًا حتى استقام ملكه. وكان في الجملة يرجع إلى عدل وديانة وله حظ من صلاة وتدين … خليقًا للإمارة" (^٤)، وقال في ترجمة الخليفة المأمون: "كان من رجال بني العباس حزمًا وعزمًا وحلمًا وعلمًا ورأيًا ودهاء وهيبة وشجاعة وسؤددًا وسماحة وله
_________________
(١) الورقة ٧٥ - ٧٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٢) ٥/ ٧٥٨.
(٣) الورقة ٤٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٤) ٤/ ١٠٦.
[ المقدمة / ٢٠٢ ]
محاسن" (^١)، وقال في ترجمة عضد الدولة البويهي: "وعمّر الطرق والقناطر والجسور. وكان متيقظًا شهمًا .. كثير البحث عن المشكلات وافر العقل. كان من أفراد الملوك لولا ظلمه. وكان سفاكًا للدماء … وكان يحب العلم والعلماء … وأقام مكوسًا ومظالم نسأل الله العافية" (^٢)، وقال في هشام بن الحكم الأموي الأندلسي: "وكان ضعيفًا أخرق محجورًا عليه" (^٣)، وقال في وصف جوهر الصقلي القائد الفاطمي: "وكان حسن السيرة في الرعية" (^٤)، وقال في ترجمة العزيز بالله نزار الفاطمي: "وكان كريمًا شجاعًا حسن الصفح … حسن الخلق قريبًا من الناس لا يؤثر سفك الدماء" (^٥).
أما العلماء فكان يراعي فيهم البراعة والمعرفة في فنهم، قال في ترجمة نصير الدين الطوسي "ت ٦٧٢ هـ": "كان رأسًا في علم الأوائل لا سيما معرفة الرياضي وصنعة الأرصاد فإنه فاق بذلك على الكبار … وكان سمحًا كريمًا حليمًا حسن العشرة غزير الفضائل جليل القدر لكنه على مذهب الأوائل في كثير من الأصول، نسأل الله الهدى والسداد" (^٦).
وكان يراعي في الشعراء مثلًا الإبداع، فقد نقل في ترجمة الشاعر الماجن المتهتك ابن سكرة: "كان متسع الباع في أنواع الإبداع فائق الشعر لا سيما في المجون والسخف وكان يقال ببغداد: إن زمانًا جاد بمثل ابن سكرة وابن الحجاج لسخي جدًّا. وقد شبها في وقتهما بجرير والفرزدق في وقتهما" (^٧).
وفي كثير من الأحيان يقوّم الذهبي المترجمين بعد دراسة كتبهم وتبيان قيمتها العلمية بين الكتب التي من بابتها. ومثل هذا النقد يدل بلا شك على سعة في العقلية وتفهم منه لمجالات النقد وطبيعته لا سيما بالنسبة لأولئك الذين لم يشتهروا بالرواية وعرفوا بتآليفهم في علم من العلوم أو فن من الفنون.
_________________
(١) الورقة ١٢١ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٢) الورقة ١١٨ - ١١٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) = ٨/ ٣٧٧ - ٣٧٨ من طبعتنا.
(٣) الورقة ٢٦٣ من النسخة السابقة.
(٤) الورقة ١٥٩ من النسخة السابقة.
(٥) الورقة ١٨٦ - ١٨٧ من النسخة نفسها.
(٦) الورقة ١٤ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٧) الورقة ١٨١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
[ المقدمة / ٢٠٣ ]