لقد ظلت الرواية الشفوية تحتفظ بمكانة جيدة على الرغم من انتشار التدوين بشكل واسع بسبب ما تميزت به من خصائص معينة كالدقة والضبط، فضلًا عن أنها تقليد لكبار العلماء السابقين (^١). ولذلك اهتم العلماء، وبخاصة المحدثين، بالحفظ وكان من صفة العالم الكبير أن يكون حافظًا (^٢)، ومن ثم ألف العلماء الكتب المعنية بالحفَّاظ على مدى التاريخ (^٣). ووُصِفَ الذهبيُّ بأنه "حافظ لا يجارى" (^٤) وأنه كان "إمام الوجود حفظًا" (^٥)، فكان من الطبيعي أن يحفظ الكثير من الأخبار والحكايات والحوادث التاريخية عند دراسته على شيوخه، وقد أورد الكثير منها بأسانيدها مستعملًا ألفاظ المشافهة (^٦). كما أخذ بعض الأخبار عن شيوخه ورفاقه ممن حضر بعض الأحداث نحو قوله في نزول المغول على حمص سنة ٦٩٩ هـ: "حدثني ضوء بن صباح الزبيدي، قال: ما رأيت أنفع من الخاصكية، لقد رأيتهم … " ثم وصف له وقائع الحرب (^٧)، وكان الذهبي يروي دائمًا مثل هذه الأخبار عن مصادر متخصصة فقد قال مثلًا عن ضوء بن صباح هذا بأنه: "أعرابي دَيِّنٌ عاقلٌ صاحبُ خبرٍ للمسلمين يسكن بكفربطنا حكى لي أمورًا عجيبة جرت له وفي الآخر قبض عليه نواب التتار ومات تحت العذاب" سنة ٧١١ هـ (^٨).
_________________
(١) انظر مثلًا الرامهرمزي: المحدث الفاصل، ص ٥٤٥ - ٥٤٧، الخطيب البغدادي: تقييد العلم (دمشق ١٩٤٩)، السيوطي: تدريب الراوي، ص ٢٨٦، وبحث الدكتور صالح العلي: المحاضرات الشفهية.
(٢) انظر مثلًا ابن سلام الجمحي: طبقات، ص ٥، ابن الأنباري: نزهة الألباء، ص ١٣٧، ١٨٢، ١٨٣، السيوطي: المزهر، ص ١٧١.
(٣) من أشهرها كتاب "تذكرة الحفاظ" للذهبي والذيول عليه، وانظر السخاوي: الإعلان، ص ٥٦٥.
(٤) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٣.
(٥) السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠١.
(٦) انظر مثلًا: الورقة ١٨٠، ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٨٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٧) الورقة ٣٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٨) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٦٢.
[ المقدمة / ١٥٣ ]