وتأتي المعلومات المتصلة بنشأة المترجم ودراساته بعد الولادة في الأغلب الأعم. وأول ما يبدأ الذهبي بذكره عادة هو قراءة القرآن الكريم باعتباره أشرف الكتب وهو الذي يعنى به الطلبة في فترة مبكرة من حياتهم. ويشير في هذا المجال فيما إذا كان المترجم قد قرأ بالقراءات السبع أو العشر أو الشواذ، كما يعنى بإيراد الشيوخ الذين قرأ عليهم هذه القراءات. ثم ينتقل بعد ذلك إلى دراسة الفقه، إذا كان المترجم من المهتمين به، ولكنه لا يعنى بذكر المذهب الذي تفقه عليه، إلا أنه يذكر الشيوخ الذين تفقه عليهم أو المدرسة التي تَفَقَّه فيها وفي ذلك دلالة على المذهب، لأن التفقه على شيخٍ معين يعني التفقه على مذهب ذلك الشيخ، ومثل ذلك التفقه في المدارس التي غالبًا ما أوقفت على مذهب معين. ويذكر بعد هذا سماع المترجم للحديث وغيره وإجازات العلماء له، ثم العلوم الأخرى التي درسها.
وغالبًا ما يقتصر الذهبي في ذكر شيوخ المترجم على ما اشتهروا به من اسم أو لقب، فيقول مثلًا "ابن الحصين" ويريد به أبا القاسم هبة الله بن محمد
_________________
(١) انظر مثلًا: الورقة ٤٨، ٦٦، ٧٦، ١٥٧، ١٦٨ (أيا صوفيا ٣٠١١) وفي جميع هذه المواضيع عين الشهر ولم يعين اليوم.
(٢) انظر المنذري: التكملة، مثلًا ٢/ ٢٤٠، ٢٤٣، ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩ … إلخ. وابن الدبيثي: ذيل تاريخ مدينة السلام ١/ ٩٥، ٩٧، ١٠٤، ١٠٧، ١١٣، ١١٦، ١٣١، ١٣٦، ١٤٦، ١٥٠، ١٥٤ … إلخ.
(٣) انظر مثلًا: الورقة ٤٢، ٤٤، ٨٤، ١٠٠، ١١٢، ١١٧، ١٥٧، ١٦٩ (أيا صوفيا ٣٠١١).
[ المقدمة / ١٤٠ ]
ابن الحصين الشيباني، ويقول "أبو بكر الأنصاري" ويريد به القاضي أبا بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري. ونحو ذلك وهو بهذا يخالف طريقة المنذري الذي اعتنى بذكر أسماء الشيوخ بصورة مفصلة في كتابه التكملة (^١). والذهبي عند ذكره لأسماء الشيوخ بهذا الشكل قد افترض معرفةً واطلاعًا عند القارئ بحيث يستطيع أن يميز ويعرف الشيخ من شهرته، وهي طريقة تثير كثيرًا من الإرباك لاسيما للقراء غير المتبحرين في علم الرجال ومعرفتهم والدراية بعصورهم، بينما تمتاز طريقة المنذري، بالرغم من التطويل - الحاصل نتيجة لاتِّباعها، بأنها تُسَهِّلُ معرفةَ هؤلاء الشيوخ في أية ترجمة من التراجم بسهولة ويسر، كما أنها تجعل كل ترجمة قائمة بنفسها من غير حاجة إلى الرجوع إلى غيرها من التراجم.
ويعنى الذهبي بذكر المكان الذي قرأ فيه المُتَرجَمُ على الشيخ أو سمع عليه، ولكنه لا يذكر جميع الشيوخ بل يقتصر على المشهورين منهم والذين أكثر المترجم عنهم، ويتبع ذلك بألفاظ دالة نحو قوله بعد ذكرهم: "وجماعة"، أو "وطائفة"، أو "وغيرهم" ونحو ذلك (^٢). كما يعنى بذكر صيغ التحمل لما لذلك من أهمية عند المحدثين نحو قوله: "أحضر"، أو "سمع حضورًا"، أو "سمع بإفادة أبيه"، أو "قرأ"، و"كتب"، و"أجاز له"، و"روى عن"، وما إلى ذلك، فإذا ما شك في شيء منها استعمل عبارة تمريضية للدلالة على تشككه نحو قوله: "وذكروا أنه سمع … "، أو "وقيل إنه سمع"، أو "ويقال إنه قرأ … ".
وفي كثير من التراجم يهتم الذهبي بذكر بعض المسموعات المهمة لا سيما الكتب أو الأجزاء المشهورة أو العالية أو التي انفرد بها شيخ معين مثل الصحيحين والسنن الأربعة والمسانيد المعروفة والأجزاء الحديثية المشهورة التي يزخر بها كتابه (^٣).
_________________
(١) انظر كتابنا: المنذري، ص ٢٤٨.
(٢) انظر مثلًا: الورقة ٤٤، ٤٦، ٤٨، ٥١، ٥٨، ٦٤، ٦٥، ٦٧، ٧٠، ٧١ .. إلخ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) وهذه المسألة يتفق فيها كثير من كتاب التراجم، أعني عدم استيعاب الشيوخ، والعالم الوحيد الذي حاول ذلك هو أبو الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ حيث اجتهد أن يذكر جميع الشيوخ الأساسيين في كتابه العظيم "تهذيب الكمال".
[ المقدمة / ١٤١ ]