عمل الذهبي على أن يكون كتابه شاملًا لتراجم المشهورين من كافة أنحاء العالم الإسلامي من الأندلس غربًا إلى أقصى المشرق.
إلا أن توافر المصادر عنده عن منطقة معينة أو عدم توافرها في فترة ما من تاريخه هو الذي كان يحدد في كثير من الأحيان كمية المعلومات التي يتناولها في كتابه عنها في عصر معين، وقد قال في مقدمة كتابه: "وأيضًا فإن عدة بلدان لم يقع إلينا أخبارها إما لكونها لم يؤرخ علماءَها أحدٌ من الحفاظ، أو جُمعَ لها تاريخٌ ولم يقع إلينا" (^١) ولنضرب لذلك مثلًا بغداد، فإن وقوع معظم تواريخها التراجمية الرئيسة إليه جعل معلوماته عنها واسعة جدًّا في الفترة التي تناولتها تلك التواريخ مثل تواريخ الخطيب البغدادي "ت ٤٦٣ هـ"، وابن السمعاني "ت ٥٦٢ هـ"، وابن الدبيثي "ت ٦٣٧ هـ"، وابن القطيعي "ت ٦٣٤ هـ"، وابن النجار "ت ٦٤٣ هـ"، وابن الساعي "ت ٦٧٤ هـ" (^٢). فضلًا عَمَّا اطلع عليه من الموارد الأخرى التي تناولت تراجمَ أهلها وإن لم تكن من تواريخها المحلية الخاصة، ومن معاجيم الشيوخ والمشيخات والكتابات المتنوعة الأخرى. ولذلك احتفظت بغداد منذ تأسيسها بحصة الأسد من التراجم التي ذكرها، إلا أننا نلاحظ أن عددهم يأخذ بالتناقص الشديد في النصف الثاني من القرن السابع الهجري حتى لم يعد البَغَادِدة يزيدون عن ٥% في العقد الأخير من الكتاب (٦٩١ - ٧٥٥ هـ) وذلك بسبب افتقاره إلى الموارد التي تعنى بتوريخ البغداديين، فضلًا عن صعوبة وصول المعلومات إليه بسبب ما عرف من القطيعة التي أصابت العلاقات بين العراق والشام في النصف الثاني من القرن السابع الهجري نتيجة النزاع الحاد بين المغول والمماليك وأكثر هذه التراجم اقتبسها من كتابين وقعا له بعد انتهائه من كتابة تاريخه، فألحقها في الحاشية،
_________________
(١) تاريخ الإسلام ١/ ١٠.
(٢) لقد اختصر الذهبي ثلاثة من أبرز هذه الكتب وهي تواريخ الخطيب وابن السمعاني وابن النجار (انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٣٣ و٢٣٩ و٢٥٤).
[ المقدمة / ١٢٣ ]
وهما: تاريخ ظهير الدين الكازروني المتوفى سنة ٦٩٧ هـ، وكتاب "مجمع الآداب" لكمال الدين عبد الرزاق بن الفوطي المتوفى سنة ٧٢٣ هـ. ويصح هذا الذي قلناه في عدد تراجم أهل الأقاليم الشرقية من المشرق الإسلامي، فبعد أن كانت تراجمهم تحتل حيزًا كبيرًا من "تاريخ الإسلام" قبل استيلاء المغول على تلك البلاد في الربع الأول من القرن السابع الهجري، نجدها تتناقص بشكل مفاجى بعد سنة ٦١٧ هـ وتكاد تختفي من الكتاب بُعيد هذا التاريخ بسنوات قلائل بسبب انقطاع أخبارهم. ويقال مثل هذا عن الأندلس والمغرب، فمع أنه لم يُفَصِّل فيهم ويستوعبهم مثل أيِّ مؤرخٍ مشرقي لكنه ذكر جملة كبيرة منهم تزيد بكثير عما اعتاد المَشَارقةُ ذكره عنهم بسبب اعتماده على جملة من تواريخ المغرب والأندلس المحلية المعنية بتراجم رجالها مثل تواريخ ابن الفرضي "ت ٤٠٣ هـ"، وابن بشكوال "ت ٥٧٨ هـ"، والأبار "ت ٦٥٨ هـ" وغيرهم، إلا أننا نجد تراجمهم تتناقص أيضًا ولا سيما في النصف الثاني من القرن السابع الهجري بسبب بُعْدِ تلك البلاد وانقطاع أخبارها عن مشرق العالم الإسلامي بحيث قال الذهبيُّ في نهاية الطبقة السادسة والستين (٦٥١ - ٦٦٠ هـ): "وقد انقرض في هذه الطبقة السادسة والستين خلق من العلماء والأعيان ورواة الآثار، منهم طائفة بالأندلس والمغرب لم تبلغنا أخبارهم" (^١).
وقال في ترجمة الحميدي من سير أعلام النبلاء (^٢): "عملت أنا تاريخ الإسلام، وهو كاف في معناه فيما أحسب، ولم يكن عندي تواريخ كثيرة مما قد سمعت بها بالعراق، وبالمغرب، وبرصد مراغة ففاتني جملة وافرة".