كان الذهبي يشير إلى بداية نقله عن مؤلف ما باستعمال العبارات الدالة على ذلك نحو قوله: "قال"، و"ذكر"، وما إليهما في مقدمة النص المنقول. أما انتهاء النقل فيشير إليه بإيراد نص آخر واستعماله لفظًا يدل على بداية نقل جديد، أو باستعماله كلمة "قلتُ" عندما يريد أن يعبر عن رأيه في نص أو مسألة من المسائل مما يتعلق بالحادثة أو الترجمة أو النص المنقول أو ناقله، إضافة إلى استعماله العبارات الدالة على الانتهاء نحو قوله مثلًا: "انتهى قول ابن أبي أصيبعة" (^٢)، أو "آخر كلام عز الدين بن الأثير" (^٣)، ونحو ذلك.
وقد لا يذكر الذهبي بداية النقل ويرجئ ذلك إلى نهاية النص ويعبر عنه بما يدل عليه، نحو قوله: "قاله خليفة" (^٤)، أو "قاله الفلاس" (^٥)، أو "قال يحيى بن مندة ذلك" (^٦)، أو "ذكر هذا ابن الساعي" (^٧)، و"ذكر هذا كله المسبحي" (^٨)، و"نقلت هذا كله من خط السيف ابن المجد" (^٩)، أو "ورّخه" (^١٠) فلان.
ومع هذا كله تبقى مسألة بداية النقل وانتهائه معقدة نسبيًا تثير للباحث بعض الإرباك إذا لم يكن عارفًا بمنهج المؤلف الذي ينقل منه، فقد تبين لنا -
_________________
(١) ١٠/ ٩٣.
(٢) الورقة ٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) الورقة ٢٤٤ من النسخة نفسها.
(٤) ٢/ ٥٨٥.
(٥) الورقة ٤، ١٠، ٤٢، ٤٤، ٦٧، ٧٢، ٩٨، ١١٨، ١٤٨، ٢٣٢، ٢٣٧، ٣٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٦) الورقة ٣٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٧) الورقة ٢٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٨) ٧/ ٨٢٧.
(٩) الورقة ٤٣ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(١٠) انظر مثلًا: الورقة ٩٠، ٢٠٥، ٢٨٧، ٢٩٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
[ المقدمة / ١٨٣ ]
مثلًا - أنَّ نقلَ الذهبيِّ لجزء يسير من الترجمة عن مؤلف ما في الظاهر قد يعني في معظم الأحيان نقله لجميعها عنه، لا سيما عند عدم ذكر مصدر آخر، ولنضرب لذلك مثلين توضيحيين: أولهما من تاريخ الخطيب، وثانيهما من التكملة للمنذري: قال الذهبي في وفيات سنة ٤١٣ هـ: "محمد بن أحمد بن يوسف، أبو بكر البغدادي الصياد. سمع أبا بكر الشافعي وابن خلاد النصيبي ومحمد بن أحمد بن مُحْرِم (^١) وأحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي وأحمد بن جعفر بن حمدان السقطي البصري، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة صدوقًا انتخب عليه ابن أبي الفوارس وتوفي في ربيع الأول، وكان مولده في سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة" (^٢). فيخيل لأول وهلة أن الذهبيَّ لم ينقل عن الخطيب غير العبارة التي جاءت بعد التصريح بالنقل "قال الخطيب"، ولكن المقارنةَ تُبيِّنُ أنَّ الذهبيَّ أخذ الترجمة كلها عن الخطيب (^٣).
وقال في وفيات سنة ٦٣٣ هـ: "عبد المنعم بن صالح بن أحمد بن محمد، أبو محمد المصري المسكي النحوي المعروف بالإسكندراني لسكناه بها يُعَلِّمُ العربيةَ مدة. ولد في شعبان سنة سبع وأربعين وخمس مئة، وأخذ النحو عن العلامة أبي محمد عبد الله بن بري، وانقطع إليه مدة حتى أحكم الفن، وسمع من حماد الحراني. وروى شيئًا من شعره (^٤)، وكان مليح الخط. كتب عنه الزكي المنذري، وقال: توفي في الثالث والعشرين من ربيع الآخر" (^٥). وحينما نقارن هذه الترجمة بما جاء في "التكملة" للمنذري نجد الذهبي قد ناقلها بمجموعها منه (^٦).
إن منهج النقل هذا يفسر لنا كثيرًا من الغموض الذي صاحب العلماء المسلمين في مناهجهم التأليفية، فحتى عند النصِّ على الناقل باستعمال الألفاظ الدالة عليه تبقى أجزاء أساسية من المادة التاريخية لا يُعرفُ لها أصلٌ في
_________________
(١) بضم الميم وسكون الحاء وكسر الراء المهملتين كما في المشتبه ص ٥٧٩.
(٢) تاريخ الإسلام ٩/ ٢٢٦.
(٣) قارن الخطيب: تاريخ مدينة السلام ٢/ ٢٥٥.
(٤) الضمير هنا يعود إلى المترجم.
(٥) ١٤/ ١٠٩ - ١١٠.
(٦) التكملة ٣/ الترجمة ٢٦٤٦.
[ المقدمة / ١٨٤ ]
الظاهر، وذلك أكثر تعقيدًا في التراجم، حيث نجد من الطبيعي أنْ يذكرَ الناقلُ اسمَ المترجم ونسبه وكنيته ولقبه قبل أن يُصرِّحَ بالنقلِ عن الآخرين، ومن غير المعقول أن يبدأ بذكر اسم الشخص بلفظ نَقْلٍ نحو "قال" أو "ذكر" لما لذلك من ركَّةٍ تأليفية. ومع ذلك فإن ذكر أجزاء أَخرى من الترجمة مثل الشيوخ وتاريخ الميلاد أو نحوهما من غير تصريح بالنقل لا يُفَسَّرُ إلا بافتراضِ الناقلِ معرفةً عند القارئ وفهمًا لما قام به. أما القول بأن هذه الأقسام غير المصرح بها هي من معلومات المؤلف العامة الشائعة، أو أنها من إضافات المؤلفين أنفسهم (^١)، فهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر بلا ريب. ومن هنا يدرك القارئ أهمية إحالاتنا في الحواشي على المصدر الرئيس الذي اقتبس منه المؤلف جل الترجمة وصعوبة هذا المنهج الذي اتبعناه ودقته.