حرص الذهبيُّ حرصًا بالغًا في ذكر تحديث المترجم له، وذكرَ بتفصيلٍ وافٍ المشاهيرَ الذين رووا عنه، أعني تلامذته. وهذا القسم من الترجمة هو من اختراع الذهبي في الأغلب الأعم لم ينقله من كتب أخرى لكنه اطلع على رواية هؤلاء الشيوخ عن المترجم فذكرها، وبذلك استطاع أن يحبك التراجم السابقة واللاحقة وينسجها نسجًا دلل على عظيم اطلاعه وقدرته ومعرفته التامة بهذا الفن، ولذلك فإنه غالبًا ما يُصَدِّرُ ذِكْرَهُ للرواة عنه بكلمة "قلتُ" للتدليل على أن هذا القسم من الترجمة لم ينقله عن أحد.
واعتنى الذهبي بذكر ما توفر له من الكتب المشهورة التي ألفها صاحب الترجمة، لكنه لم يعتن بالاستقصاء على نحو ما فعل مثلًا ياقوت الحموي في "معجم الأدباء" وابن القفطي في "إنباه الرواة" وابن قاضي شهبة في "طبقات اللغويين والنحاة" وغيرهم. ومع ذلك فإنه في حالة عدم ذكرها يشير إلى كثرة تآليف المترجم أو قِلَّتها أو نفاستها بأقوالٍ دالة على ذلك نحو قوله: "وله تصانيف حسنة في فنون" (^١)، أو "وبرع في الطب وصنّف فيه كتابًا حافلًا" (^٢)، ونحو ذلك (^٣). على أنه في الوقت نفسه يعنى بذكر المؤلف الذي يجد فيه براعةً أو غرابةً أو غلطًا نحو قوله في ترجمة إسحاق بن غانم العلثي المتوفى سنة ٦٣٤ هـ: "ورأيت له رسالة في ورقات كتبها إلى ابن الجوزي ينكر عليه خوضه في التأويل وينكر عليه ما يخاطب به الملائكة على طريق الوعظ، فما قصّر وأبان عن فضيلة وورع" (^٤)، ونحو قوله في ترجمة أبي بكر الزاهد المتوفى سنة ٦٧٢ هـ: "وله شعر كثير رأيته في ديوان مفرد، وهو شعر طيب يقع على القلب ويحرك الساكن ويثير العزم وإن كان ملحونًا" (^٥)، وقوله في ترجمة محمد بن علي بن يوسف بن ميسّر، تاج الدين أبي عبد الله المؤرخ
_________________
(١) الورقة ٣٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) الورقة ٧٩ من النسخة السابقة.
(٣) انظر مثلًا: الورقة ١٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٧)، والورقة ١٠٠، ١٠١، ١٩٤، ٢٢٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٩٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٤) الورقة ١٤٤ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٥) الورقة ١٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
[ المقدمة / ١٤٢ ]
المتوفى سنة ٦٧٧ هـ: "وله تاريخ كبير ذيّل به على تاريخ المسبحي، وهبني منه مجلدًا الحافظ قطب الدين (يعني اليونيني) وعلى المجلد بخطه: مختصر من تاريخ تاج الدين محمد بن علي بن أحمد بن ميسر ويعرف بابن جلب" (^١). وقال في ترجمة ابن الصابوني المتوفى سنة ٦٨٠ هـ: "صنف مجلدًا مفيدًا سماه إكمال الإكمال ذيّل به على إكمال ابن نقطة فأجاد وأفاد" (^٢)، ونحو ذلك كثير في كتابه (^٣).
ويعطي الذهبي اهتمامًا لتفرد المترجم عن بعض شيوخه في الرواية سواء أكان هذا التفرد عن شيخ واحد أم عن عدة شيوخ أو كان بكتاب أو جزء واحد أم عدة أجزاء، وسواء أكان بالسماع (^٤) أم بالإجازة (^٥) نحو قوله في ترجمة أبي اليمن الكندي المتوفى سنة ٦١٣ هـ: "وكان أعلى أهل الأرض إسنادًا في القراءات فإني لا أعلمُ أحدًا من الأمة عاش بعد ما قرأ القراءات ثلاثًا وثمانين سنة غيره، هذا مع أنه قرأ على أسندِ شيوخِ العصر بالعراق ولم يبق أحد ممن قرأ عليه مثل بقائه ولا قريبًا منه، بل آخر من قرأ عليه الكمال ابن فارس وعاش بعده نيفًا وستين سنة" (^٦). كما يهتم الذهبي بذكر تفرد بعض تلامذة المترجم عنه سواء أكان ذلك بالسماع (^٧) أم بالإجازة (^٨).
وفي هذا الموضوع من الترجمة تظهر ذاتية الذهبي في التراجم، فهو يعنى بذكر العلاقة التي تربطه بالمترجَمِ من قراءةٍ أو رواية أو اتصالِ إسنادٍ وما إلى ذلك نحو قوله في ترجمة أحمد بن علي الحصّار المقرئ المعروف المتوفى سنة
_________________
(١) الورقة ٥٨ من النسخة السابقة.
(٢) الورقة ٧٧ من النسخة السابقة.
(٣) انظر مثلًا: الورقة ٨٢، ١٠٥، ١١١، ١٧٠، ٢٥٠، ٢٦١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٥٩، ٤١٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٤) انظر مثلًا: الورقة ١٦٥، ١٨٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) وغيرهما.
(٥) انظر مثلًا: الورقة ١٢، ١٥٣، ٣٩١ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٦) الورقة ١١٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٧) انظر مثلًا: الورقة ٨٥، ١٤٤، ٢٢٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٥٠، ٥٣، ٩١، ١٢٧، ١٤٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وغيرها.
(٨) انظر مثلًا: الورقة ٨٢، ٩٨، ٢٠١، ٢٠٢، ٢١٥، ٢٢٣، ٣٨٠، ٣٨١، ٤١٢، ٤٥٥، ٤٨٥ (أيا صوفيا ٠٩ ٣٠)، والورقة ٤٢، ٤٦، ٥٩ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٩٤، ٩٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وغيرها.
[ المقدمة / ١٤٣ ]
٦٠٩ هـ: "قلت: قرأت للسبعة على شيخنا برهان الدين الإسكندراني عن قراءته على علم الدين القاسم بن أحمد الأندلسي وقال له: قرأت القراءات، وقرأت "التيسير" على جماعة منهم: أبو جعفر أحمد بن علي ويعرف بالحصّار. وكتب له الحصار بخط يده أنه رواه، يعني "التيسير"، عن أبي عبد الله محمد بن الحسن ابن غلام الفرس، وقال الحصّار … " (^١) ونحو ذلك (^٢).
إن اهتمام الذهبي وعنايته بذكر شيوخه الذين حدثوه أو أخبروه عن الشيخ المترجم تكوِّن في كثير من الأحيان جزءًا نفيسًا من الترجمة الأصلية التي نسجها الذهبي وصاغها بنفسه، ففي ترجمة سراج الدين أبي عبد الله الحسين بن المبارك الرّبعي الزبيدي الأصل البغدادي المتوفى سنة ٦٣١ هـ أورد الذهبي مثلًا أسماء واحد وخمسين شيخًا وعشرة شيخات رووا له عنه (^٣)، ومثل هذا كثير التكرار في الكتاب (^٤) وقد اعتاد أيضًا أن يورد في بعض الأحيان رواية مسندة عن طريق المترجم (^٥).
ويذكر الذهبي في الترجمة إذا كان المترجم ممن درّس وفي كثير من الأحيان يعين المدرسة التي دَرَّس بها أو الموضوع الذي دَرَّسه، لكنه لا يذكر، في الأغلب الأعَمِّ ماذا كان يدرس، وإن كان المعروف من ذلك الفقه.