أما في حالة عدم وجود الألفاظ الدالة على النقل فيخيل للمرء لأول وهلة أن الذهبي لا يذكر موارده. وقد تبين لنا بعد المقارنات الدقيقة الكثيرة أن الذهبي يستعمل ألفاظًا معينة في أثناء الترجمة لتدل على النقل من غير تصريح به تأتي في آخرها عادة. ومن هذه الألفاظ "روى عنه" (^٢) فلان، و"وثّقه" (^٣) فلان، و"كتب عنه" (^٤) فلان، و"حكى عنه" (^٥) فلان، و"وأجاز لفلان" (^٦)،
_________________
(١) راجع رسالة الزميل الدكتور أكرم العمري: "موارد الخطيب" حيث عقد المبحث الثالث من الفصل الثالث "طبيعة المادة التي أضافها الخطيب ولم يسندها إلى شيوخه" ص ١٠٥ فما بعد.
(٢) انظر مثلًا: الورقة ٧، ٨، ٩، ٢٠، ٢٥، ٥٨، ٦٠، ٦٢، ٧٤، ٧٥، ٧٧، ٧٨، ١١٤، ١١٩، ١٢٢، ١٢٧، ١٣٠، ١٣٣، ١٣٧ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ١٢٠، ١٢٥، ١٦٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) وغيرها كثير.
(٣) مثلًا: ٧/ ٢٧ و٥٠ و٧٠ الخ.
(٤) انظر مثلًا: ٧/ ٥٣٦ و٥٥٠.
(٥) مثلًا: الورقة ١٣٣، ١٤٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) انظر مثلا: الورقة ١٣، ٢٠، ٣٠، ٣٤، ٤٣، ٤٦، ٤٧، ٧٢، ٨١ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠١١).
[ المقدمة / ١٨٥ ]
و"ضعفه" (^١)، ونحوها. ومما يؤكد ذلك أن الذهبيَّ يستعمل في مواضع أخرى هذه الألفاظ ويلحق بها ألفاظ النقل الصريح، نحو قوله: "روى عنه أبو عبد الله الدبيثي وقال … " (^٢)، و"سمع منه الضياء المقدسي وقال … " (^٣)، و"وَثَّقَهُ الخطيب وقال" (^٤)، و"كتب عنه أبو سعيد بن يونس وورَّخَ موته فيها" (^٥)، ونحو ذلك.
ومن أجل توضيح ذلك نورد بعض الأمثلة: فقد نقل الذهبي من "تاريخ مدينة السلام" للخطيب كثيرًا من التراجم باستعمال عبارة "وثقه الخطيب"، وهذه واحدة منها، قال في وفيات سنة ٣٢٣ هـ: "محمد بن أحمد بن أسد، أبو بكر الحافظ ويعرف بابن البستنبان ويلقب كزاز. سمع الزبير بن بكار وعيسى بن أبي حرب وجماعة. وعنه الدارقطني والمعافى الجريري. وثقه الخطيب، وعاش اثنتين وثمانين سنة" (^٦).
ونقل الذهبي كثيرًا عن "معجم أسامي مشايخ أبي علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد" (^٧) المتوفى سنة ٥١٥ هـ من غير إشارة له، بل اكتفى بالقول في نهاية التراجم: "روى عنه أبو علي الحداد"، أو "روى عنه الحداد" ونحوهما. وبعد مقارنة هذه التراجم بما وصل إلينا من هذا المعجم تبين أن الذهبي قد سلخ تراجمه (^٨).
_________________
(١) انظر مثلًا: الورقة ١٢٨، ١٣٢، ١٤١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٢) الورقة ١٥، ٤٣، ٧٦ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) الورقة ٦٠ من النسخة السابقة.
(٤) الورقة ١٥، ١٦، ٢٠، ٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٥) ٧/ ٣٠.
(٦) ٧/ ٤٨٠ وقارن الخطيب ٢/ ١٠٢. وينظر مزيد أمثلة في كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٤٣٣.
(٧) وهو برواية أبي الحسن مسعود بن أبي منصور بن محمد الخياط عنه. عندي منه نسخة بخطي نسَخْتُهَا في آخر صفر سنة ١٣٨٦ هـ عن نسخة دار الكتب المصرية رقم ٢٦ م مصطلح الحديث. وقد صَحَّحْتُها ورقمتُ تراجمها وعددها (٨١) ترجمة: فيها المحمدون، وسبع تراجم من الأحمدين.
(٨) قارن مثلًا: اسم المترجم … تاريخ الوفاة … تاريخ الإسلام (أيا صوفيا ٣٠٠٩) … المعجم محمد بن إبراهيم بن علي أبو ذر الصالحاني … ٤٤٠ … الورقة ٣٧٩ … الترجمة رقم ٢٣ محمد بن علي بن محمد بن علي أبو بكر الحللي … ٤٤٠ … الورقة ٣٨٦ … الترجمة رقم ٩
[ المقدمة / ١٨٦ ]
ومن ذلك أيضًا نقله عن المنذري باستعمال لفظ "كتب عنه"، قال في وفيات سنة ٦٣١ هـ: "الخضر بن بدران بن بُغْرَى، الأديب أبو العباس التركي الشاعر. من أولاد الأمراء المصريين، وله شعر كثير. وكان شيخًا كبيرًا عاش ثمانيًا وثمانين سنة. كتب عنه الزكي المنذري وغيره، ومات في ربيع الأول" (^١). وكان المنذري قال في وفيات السنة المذكورة: "وفي شهر ربيع الأول أيضًا توفي الشيخ الأجل الأديب أبو العباس الخضر بن بدران بن بُغرَى بن حطان بن كمشتكين بن عبد الله التركي الشاعر بمصر. وكتبت عنه شيئًا من شعره، وله شعر كثير. وهو من أولاد الأمراء المصريين. وقال لي في سنة ثلاث وعشرين وست مئة: لي الآن ثمانون سنة" (^٢). وهكذا أعاد الذهبي ترتيب الترجمة استنادًا إلى ما ورد في "التكملة" للمنذري.
على أني أود أن أشير هنا إلى أن مثل هذه النقول تكون عادة حينما يقتصر الذهبي على مؤلف واحد في النقل.