وجَد الذهبيُّ، بسبب سَعَةِ اطلاعه وتمكنه العظيم في الرجال، مادةً هائلة احتوتها مئات الموارد التي اعتمدها في كتابه، يساعده على ذلك سعة النطاق الزماني لكتابه الذي يمتد من أول تاريخ الإسلام حتى سنة ٧٠٠ هـ، والنطاق المكاني الذي يشمل العالم الإسلامي كله. وقد رأينا قبل قليل كيف استطاع أن يحدد نوعية المترجَمين باختيارِ المشهورين والأعلام منهم، إلا أن المسألة التي تبدو أكثر أهمية هي كمية المعلومات التي يذكرها في الترجمة الواحدة، فقد كان لابد له، وقد تَحصَلَتْ لديه مادةٌ ضخمة، أنْ ينتقي منها ما يتفق وخطته التي اتبعها في عناصر الترجمة (^٦)، ومن أجل أن لا يتضخم الكتاب أزيد من
_________________
(١) ١/ ٢٠.
(٢) انظر مقدمة الذهبي لتاريخه ١/ ١٠، وينظر أيضًا ٢/ ١٧٩.
(٣) ١٥/ ٨٩٢ - ٩٤٥.
(٤) ١٥/ ٨٦٩ - ٨٩١.
(٥) ١٥/ ٩٤٦ - ٩٦٤.
(٦) انظر أدناه الفصل الخاص عن "عناصر الترجمة".
[ المقدمة / ١٢٥ ]
هذا التضخم الكبير الذي قدّره له. وقد أشار الذهبي إلى ضخامة المعلومات التي وقف عليها في مقدمة كتابه حينما قال: "إذ لو استوعبتُ التراجمَ والوقائع لبلغ الكتاب مئةَ مجلدة بل أكثر، لأن فيه مئة نفس يمكنني أن أذكر أحوالهم في خمسين مجلدًا" (^١).
وعلى هذا فقد حاول جاهدًا أن يقدم ترجمة كاملة ومختصرة في الوقت نفسه، لا تؤثر فيها كمية المعلومات التي تتوافر لديه فتخرج عن خطته في الاختصار العام، فلما شعر مثلًا أن ترجمة عمر بن عبد العزيز قد طالت أنهاها بقوله: "ومناقبه طويلة اكتفينا بهذا" (^٢)، واعتذر عن طول ترجمة ابن سينا بقوله: "وقد طالت هذه الترجمة" (^٣). وعلى العكس من ذلك فهو يشير إلى عدم توفر مادة كافية لبعض التراجم نحو قوله: "بلغتنا أخباره مختصره" (^٤) و"لم تبلغنا أخباره كما ينبغي" (^٥). أو يشير إلى تقصير بعض الموارد في ترجمة شخص ما نحو قوله: "ترجمته صغيرة عند الخطيب"، أو "وقد ذكره ابن عساكر مختصرًا" أو "هو في تاريخ ابن النجار أخصر من هذا" (^٦).
وقد تمكن الذهبي في الوقت نفسه أن يتخلص من المادة الضخمة التي تَحَصَّلَتْ له عن بعض المترجَمين بإحالة القارئ إلى مصادر أوسع تناولت هذا المترجم بتفصيل أكثر مما ذكره هو نحو قوله في ترجمة عمرو بن العاص: "ولعمرو بن العاص ترجمة طويلة في طبقات ابن سعد في ثمان (^٧) عشرة
_________________
(١) ١/ ٥ ومن الجدير بالذكر أن الشمس السخاوي نقل من خط الذهبي أنه كان يريد أن يؤلف كتابه "التاريخ الكبير المحيط" وأنه لو عمله لجاء في ست مئة مجلد، ولكنه لم ينهض له. وقد نقل السخاوي محتويات هذا التاريخ وفيه أربعون صنفًا من أصناف المترجمين (الإعلان ص ٥١٨ - ٥٢٢).
(٢) ٣/ ١٣١.
(٣) الورقة ٢١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٠).
(٤) الورقة ١٩٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٥) الورقة ١٢٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٦) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٥١ - ٣٥٢.
(٧) هكذا من غير ياء وهو رسم الذهبي لها، وقال الصلاح الصفدي: "الفصيح أن تقول عندي ثماني نسوة وثماني عشرة جارية وثماني مئة درهم لأن الياء هنا ياء المنقوص وهي ثابتة في حالة الإضافة والنصب" (الوافي م ١ ص ١٩).
[ المقدمة / ١٢٦ ]
ورقة" (^١)، وقوله في ترجمة ابن خزيمة المحدث المشهور: "وقد استوعب أخباره الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور وفيها أشياء كَيِّسة وأخبار مفيدة" (^٢)، وقوله في ترجمة المعافى بن عمران الموصلي الزاهد المعروف: "وله ترجمة في تاريخ يزيد بن محمد الأزدي في بضع وعشرين ورقة" (^٣)، وقوله في ترجمة أبي نواس: "ترجمته سبع ورقات في تاريخ بغداد" (^٤)، وقوله في ترجمة بلال بن سعد الدمشقي من أهل الطبقة الثانية عشرة: "وترجمته في تاريخ دمشق في نيف وعشرين ورقة" (^٥)، ومثل قوله في بعض التراجم: "وقد طول الداني ترجمته وعظمه" (^٦) و"وقد أطنب في ذكره وأسهب في أمره أبو سعيد بن يونس" (^٧)، و"ذكره القاضي عياض وعظمه" (^٨) ونحو ذلك (^٩) وقد بلغ الأمر به في بعض الأحيان أنه أحال على كتب اختصت بسيرة أحد المترجمين، نحو قوله في ترجمة أحمد بن حنبل: "وقد جمع مناقب أبي عبد الله غير واحد منهم: أبو بكر البيهقي في مجلد، ومنهم: أبو إسماعيل الأنصاري في مُجَيْلِيد، ومنهم: أبو الفرج بن الجوزي في مجلد" (^١٠)، وقوله في أخبار الحلاج من حوادث سنة ٣٠٩ هـ بعد أن ذكر من أخباره ما بلغ قرابة ثماني أوراق (^١١): "وأخباره أكثر من هذا في تاريخ الخطيب، وفيما جمع ابن الجوزي من أخباره (^١٢) ثم إني أفردتها في جزء" (^١٣).
_________________
(١) ٢/ ٤٣١.
(٢) ٧/ ٢٤٦. وانظر إحالة أخرى إلى هذا التاريخ في الورقة ١٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٣) الورقة ١٤٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) وهو "طبقات المحدثين".
(٤) الورقة ٣٠٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٥) ٣/ ٢١٤.
(٦) ٧/ ٨٧٩.
(٧) ٧/ ٧٤٢.
(٨) ٧/ ٦٦٦.
(٩) انظر مثلًا ٢/ ١٢٧، والورقة ١٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(١٠) ٥/ ١٠٦٨.
(١١) ٧/ ١٦ - ٢٦ (من طبعتنا).
(١٢) أحال الذهبي على كتاب ابن الجوزي هذا أيضًا في ترجمة الحلاج من وفيات سنة ٣٠٩ هـ وسماه هناك: "القاطع لمحال المحاج بحال الحلاج" ٧/ ١٤٣.
(١٣) ٧/ ٢٦، وانظر عن كتاب الذهبي في سيرة الحلاج كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٠٨.
[ المقدمة / ١٢٧ ]
ومع كل هذا فإن سعة التراجم في "تاريخ الإسلام" تتباين الواحدة عن الأخرى، فقد لا تزيد على بضعة أسطر، وقد تبلغ أوراقًا عديدة. وقد انتقده تلميذه تاج الدين السبكي "ت ١٧٧ هـ" على خطته في تطويل التراجم وتقصيرها واعتبر ذلك من باب التعصب والهوى العقائدي، فذكر أن تطويل التراجم وتقصيرها مسألة يغفل عنها الكثيرون، وتكلم على هذه المسألة في عموم المؤرخين فقال: "فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولًا، ثم يأتي إلى من يبغضه فينقل جميع ما ذكر من مذامه، ويحذف كثيرًا مما نقل في مَمَادِحِه، ويجيء إلى مَنْ يُحبه فيعكسُ الحالَ فيه، ويظنُّ المسكينُ أنه لم يأتِ بذنب، لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمةِ أحدٍ، ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه، ولا يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به وخيانة لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين في تأدية ما قيل في حَقِّه من حَمْد وذم" (^١). ثم خصص الذهبي فقال: "ولقد وقفت في تاريخ الذهبي ﵀ على ترجمة الشيخ الموفق (^٢) ابن قدامة الحنبلي، والشيخ فخر الدين (^٣) ابن عساكر، وقد أطال تلك وقصر هذه وأتى بما لا يشك لبيبٌ أنه لم يحمله على ذلك إلا أن هذا أشعري وذاك حنبلي، وسيقفون بين يدي رب العالمين" (^٤). وكلام السبكي هذا جزء من نقده الشديد للذهبي الذي سوف نتكلم عليه في موضع آخر إن شاء الله (^٥).
وقد ظهر لنا نتيجة دراستنا لهذه الناحية في "تاريخ الإسلام" أن السبكي قد بالغ في نقده بسبب من تعصبه الشديد للأشاعرة، فقد تبين أن الذهبيَّ راعى في أكثر الأحايين، وليس في جميعها قيمةَ الإنسان وشهرته بين أهل علمه أو
_________________
(١) السبكي: الطبقات، ج ٢ ص ٢٣ - ٢٤.
(٢) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة ٦٢٠ هـ وكان من كبار العلماء الزهاد، وهو صاحب التصانيف المشهورة المطبوعة المتداولة ومن أشهرها كتاب "المغني" وقد ترجم له الذهبي في سبع أوراق ٢٠٤ - ٢١٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) علمًا أن الذهبي قد ألف كتابا في سيرته (انظر: الذهبي ومنهجه ٢٠٦).
(٣) هو فخر الدين عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر ابن أخي الحافظ أبي القاسم بن عساكر صاحب التاريخ المشهور، وقد توفي فخر الدين هذا سنة ٦٢٠ هـ أيضًا، وكان من كبار الشافعية بالشام آنذاك، وترجم له الذهبي في ثلاث أوراق تقريبًا ٢١٣ - ٢١١ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٤) السبكي: الطبقات، ج ٢ ص ٢٤.
(٥) انظر أدناه الفصل الخاص بالنقد.
[ المقدمة / ١٢٨ ]
مكانته بين الذين من بابته سواء أكان متفقًا معه في العقيدة أم مخالفًا، فنراه مثلًا يطول في تراجم الشعراء البارزين مثل المتنبي (^١)، وعمارة اليمني (^٢)، ومجنون ليلى (^٣)، والأرجاني (^٤)، وغيرهم. أو كبار النحويين مثل الكسائي (^٥). أو كبار الخطاطين مثل ابن مقلة (^٦)، وهلم جرًّا.
وكيف يقال: إنَّ التعصبَ هو الذي دفع الذهبيَّ إلى تطويل التراجم وتقصيرها وقد طول في ترجمة الحلاج بحيث بلغ ما ذكره عنه في الحوادث فقط ثماني أوراق (^٧)، بله الجزء الذي ألفه في أخباره، وهو الذي يقول في ترجمته: "قتلوه على الكفر والحلول والانسلاخ من الدين … كان كذابًا مُمَوِّهًا مُمَخْرِقًا حلوليًا له كلام حلو يستحوذُ به على نفوس جهال العوام" (^٨). وترجم ابن سينا ترجمة طويلة بلغت عشر أوراق بخطه (^٩) باعتباره "آية في الذكاء وهو رأس الفلاسفة الإسلاميين الذين مشوا خلف العقول وخالفوا الرسول! " (^١٠)، وترجم لأبي العلاء المعري ترجمة حافلة مع أنه أكد زندقته في غير موضع (^١١). وقد طوّل الذهبيُّ في كثير من تراجم الأشاعرة البارزين ومدحهم مدحا كبيرًا كلًا حسب مبلغه من العلم الذي برع فيه، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الإمام محي الدين النواوي الشافعي الأشعري (^١٢) الذي لم تقلَّ ترجمتُه عن ترجمةِ الموفق ابن قدامة لا في الطول ولا في الثناء، فضلا عن اعتذاره في آخر الترجمة بقوله: "ولا يحتمل كتابنا أكثر مما ذكرنا من سيرة هذا
_________________
(١) ٨/ ٦٥ - ٧٠.
(٢) ١٢/ ٤١٣ - ٤٢٢.
(٣) ٢/ ٧٠٠ - ٧٠٣.
(٤) الورقة ٣٠٥ - ٣٠٧ (أيا صوفيا ٣٠١٠).
(٥) الورقة ١١٣ - ١١٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٦) ٧/ ٥٥٨ - ٥٦٤.
(٧) ٧/ ١٦ - ٢٦ (من طبعتنا).
(٨) ٧/ ١٤٣ - ١٤٤.
(٩) الورقة ٢١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١٠) الورقة ٢٨١ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١١) الورقة ٤٦١ - ٤٧٠ من النسخة السابقة.
(١٢) الورقة ٤٢ - ٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
[ المقدمة / ١٢٩ ]
السيد ﵀ " (^١).
ومع أن الذهبيَّ كان عظيم الاهتمام بالمحدثين شديدَ الكَلَفِ بهم، إلا أننا وجدناه يترجم لهم تراجم قصيرة عمومًا إذا قيست بتراجم الشعراء والزهاد والصوفية والمتكلمين إذا استثنينا بعض أعلامهم المشهورين جدًّا مثل البخاري (^٢) وأحمد بن حنبل (^٣) والزهري (^٤) وعبد الله بن المبارك (^٥) ونحوهم.
على أن هذا الذي قلته لا يعني أنه لم يتأثر إطلاقًا بعقيدته وآرائه ونظرته إلى العلوم في فهم المترجمين وتطويل تراجمهم أو تقصيرها، فهذا أمرٌ يُجانبُ الطبيعةَ البشرية وهو موجود عند جميع المؤرخين، لكننا نشير إلى محاولاته الجدية في الموازنة وإلى أنه لم يفعل ذلك عن هوىً وتَقَصُّدٍ إنما دفعته بيئته وثقافته في كثير من الأحيان إلى الإعجاب بشخصٍ ما وتقديره، وعليه فإن تطويل الترجمة وتقصيرها يجب أنْ يُنظرَ إليه بمنظار ينفذ خلال المؤلف أولًا من أجل كشف معاييره واتجاهاته الفكرية. وعلى أساسٍ من هذا يجب أن تفهم انتقاداتُ العلماء بعضهم لبعض مثل هذه المسائل، وإلا فإن مآخذ السبكي على الذهبي يمكن تطبيقها على السبكي نفسه ويكفي أن نتذكر تراجمه في طبقات الشافعية لنعلم ذلك.
ونحن على أي حال يجب أنْ نعترفَ بأنَّ التاريخ كان أبدًا ضحية أمزجة المؤرخين المسلمين في الإطناب والإيجاز ونوعية المعلومات التي يهتمون بها ويلتفتون إليها دون غيرها ويدونونها في كتبهم استنادًا إلى أذواقهم ومفاهيمهم. وتفضل بعد كل هذا الذي قلته واسأل متعجبا: كيف ترجم الذهبي لواحد من أعظم الرياضيين هو البوزجاني المتوفى سنة ٣٨٧ هـ في سطرين فقط؟! (^٦) ثم سرعان ما يتبدد استعجابك (^٧) حينما تعلم أنه لم يدر يومًا من هذه العلوم شيئًا، ولم ينل منها حظًا، بله اعتباره الرياضيات والهندسة والفلك من "الصنائع المظلمة"!! (^٨).
_________________
(١) الورقة ٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٢) ٦/ ١٤٠ - ١٦٤.
(٣) وقد تكلم على المحنة في أثنائها فاستغرقت من ترجمته قسمًا كبيرًا (٥/ ١٠٣٦ - ١٠٤٩).
(٤) ٣/ ٤٩٩ - ٥١٨.
(٥) الورقة ٨٩ - ١٠١ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٦) الورقة ١٩٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٧) قال الزمخشري في (ع ج ب) من أساس البلاغة (ص ٦١٤): الاستعجاب: فرط التعجب.
(٨) الورقة ٢٦٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
[ المقدمة / ١٣٠ ]