لا نعني بدقة النقل هنا نقل النصوص الحرفي، بل نقل المعلومات بصورة صحيحة ودقيقة بحيث لا تجد اختلافًا في المادة التاريخية عند المقارنة. وقد استعمل الذهبي طريقة النقل الحرفي تارة وأغفلها تارة أخرى، لكنه على أيِّ حال كان دقيقًا في نقله، متثبتًا منه، دَلَّتْ على ذلك المقارنات التي أجريناها بين كتابه وبين بعض ما وصل إلينا من كتب (^٣).
_________________
(١) = محمد بن عبد الله بن فضلوية … ٤٤٢ … الورقة ٤٠٢ … الترجمة رقم ٢٨ محمد بن مهران الخويي … ٤٤٢ … الورقة ٤٠٤ … الترجمة رقم ٢٧ محمد بن الفضل بن محمد القاساني … ٤٤٥ … الورقة ٤٢٨ … الترجمة رقم ٥٧ محمد بن الحسين بن عبد الله البرجي … ٤٤٨ … الورقة ٤٥٦ … الترجمة رقم ٣٧
(٢) الورقة ١٢٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٣) التكملة ٣/ الترجمة ٢٥٢٣.
(٤) ومن قبل هذا كنت اعتمدت "تاريخ الإسلام" للذهبي في تصحيح الكتب التي حققتها، منها كتاب "التكملة لوفيات النقلة" لزكي الدين المنذري، وكتاب "ذيل تاريخ مدينة السلام بغداد" لابن الدبيثي، وكتاب "مشيخة النعال البغدادي" وغيرها، وثَبَّتُ المقارنات في هوامش هذه الكتب ومنها تظهر دقة نقول الذهبي.
[ المقدمة / ١٨٧ ]
وغالبًا ما كان الذهبي يعنى بنقل النصوص بألفاظها في الحالات التي تستحق ذلك وتتطلبه مثل أقوال العلماء في الجرح والتعديل، ونصوص الكتب والتوقيعات التي يوردها في كتابه، والمقطعات والقصائد الشعرية، والقطع الأدبية، ونصوص الحكايات والمناقشات بين العلماء، فضلًا عن الروايات المسندة إلى شيوخه، ونصوص الأحاديث النبوية الشريفة. فكان يؤكد ذلك بالألفاظ والعبارات الدالة عليها، نحو قوله: "قال سفيان، وشعبة واللفظ له" (^١)، وقوله: "وقال الزهري، ورواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، وقاله موسى بن عقبة وهذا لفظه" (^٢)، وقوله: "وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، ورواه موسى بن عقبة - واللفظ له - قال" (^٣)، "وقال الليث - واللفظ له - وابن المبارك عن يونس بن يزيد" (^٤)، و"هذا لفظ حكاية محمد بن طرخان عن ولده عبد الولي" (^٥)، ونحو ذلك من العبارات المحددة للنقل نصًا.
أما إذا انتقى من النص أو لَخَّصَهُ فإنه يشير إلى ذلك أيضًا، نحو قوله: "لخصت ترجمته من الإرشاد للخليلي" (^٦)، و"اختصرت هذا من السياق لعبد الغافر" (^٧)، و"له ترجمة في طبقات شيروية هذا منها" (^٨)، وقال في ترجمة شهاب الدين الغوري: "استوفى ابن الأثير ترجمته وهذه نخبتها" (^٩). وإذا غَيَّرَ ألفاظَ خبرٍ نقله عن مؤلف آخر وكتبه بأسلوبه أو بمعناه نَبَّه إلى ذلك ودلل عليه، نحو قوله عند حديثه عن استيلاء التتار على الدولة الخوارزمية سنة ٦١٧ هـ: "هذا معنى ما ذكره أبو سعد شهاب الدين النسوي" (^١٠). وإذا لم يكن يحفظ خبرًا شفويًا بصورة جيدة أشار إلى ذلك ونبه عليه، نحو قوله:
_________________
(١) الورقة ٥٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٥).
(٢) ١/ ٦٥٨.
(٣) ١/ ٢٨٠.
(٤) ١/ ١٧٩.
(٥) الورقة ٥٦ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٦) ٧/ ١١٠.
(٧) ١٠/ ٨٩.
(٨) ٧/ ٥٤٩.
(٩) الورقة ١٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(١٠) الورقة ٢٤٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).
[ المقدمة / ١٨٨ ]
"هذه حكاية حكاها لنا الشيخ أبو الحسين اليونيني ولا أحفظها جيدًا" (^١)، وأمثلة ذلك كثيرة في الكتاب.
على أننا رأينا الذهبي في الأغلب الأعم يحرر الأخبار والتراجم على طريقته، وخاصة في التراجم، فقد عرفناه فنانًا تراجميًا لا يتبع أسلوب أحد في عرض الترجمة الداخلي بل يَصُوغها بنفسه، فهو حتى عند نقله عن مؤلف واحد يُعيدُ تركيبَ الترجمة بشكل قد يختلف عن ترتيب الكتاب المنقول عنه (^٢)، وقد يضطر إلى تجميع عناصر الترجمة من عدة مؤلفين، فينقل كل قسم عن واحد أو أكثر (^٣). ولم يجد الذهبي ما يمنعه من نقل الأخبار وإعادة صياغتها ما زال ملزمًا نفسه بالدقة والأمانة، لاسيما في نقل خبر من الأخبار العامة التي لا تؤثر في قيمتها الصياغةُ كتاريخ وفاةٍ أو ميلاد أو قيام بعمل ما، أو اختصار في أسماء الشيوخ، ونحو ذلك. وَقد أيقنتُ أنَّ الذهبيَّ كان لابد أن يتصرف في مثل هذه النقول، وإلا صعب عليه عرض التراجم كما يريد، ولعل المثال الآتي يوضح ذلك: قال في ترجمة أبي جعفر المنصور: "قال شباب (^٤): أقام الحَجَّ للناس أبو جعفر سنة ست وثلاثين، وسنة أربعين، وسنة أربع وأربعين، وسنة اثنتين وخمسين، زاد الفسوي (^٥): إنه حج أيضًا سنة سبع وأربعين ومئة" (^٦).
ولننظر الآن إلى هذين المصدرين اللذين أخذ عنهما الذهبي وهما "تاريخ" (^٧) خليفة بن خياط المعروف بشباب العصفري المتوفى سنة ٢٤٠ هـ، و"المعرفة والتاريخ" (^٨) لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي المتوفى سنة
_________________
(١) الورقة ١٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) انظر أعلاه بعض الأمثلة التي أتينا بها للمقارنة.
(٣) انظر أعلاه كلامنا على منهجه في الموارد.
(٤) هو خليفة بن خياط العصفري المعروف بشباب "ت ٢٤٠ هـ".
(٥) قوله "زاد الفسوي" فيه نظر، فإننا وجدنا خليفة يذكر إقامة المنصور للحج سنة ١٤٧ هـ (تاريخ، ص ٤٢٤) فهناك ثلاثة احتمالات أولها: أن تكون النسخة التي نقل عنها الذهبي لم تحتو على هذا النص، وثانيها: أن تكون هذه العبارة قد أضيفت فيما بعد إلى النسخة التي طبع عليها الكتاب وهو مستبعد، وثالثها: أن يكون الذهبي ذهل عن رؤية هذا النصر فتوهم بعدم ذكر خليفه له.
(٦) ٤/ ١٠٨.
(٧) حققه الدكتور أكرم العمري ونشره بمعونة المجمع العلمي العراقي (النجف ١٩٦٧).
(٨) حققه الدكتور العمري أيضًا ونشره ديوان الأوقاف العراقي بنفقاته (بغداد ١٩٧٤ - ١٩٧٥).
[ المقدمة / ١٨٩ ]
٢٧٧ هـ. فلا نجد عند خليفة نصًا كالذي ذكره الذهبي، بل نجد خليفة يذكر إقامة المنصور للحج في السنوات التي ذكرها الذهبي، فذكر السنة الأولى وهي سنة ١٣٦ هـ في قائمة أمراء الموسم على عهد أبي العباس السفاح (^١)، أما السنوات الثلاث الباقيات فقد ذكر إقامة المنصور للحج في حوادثهن كلًا على انفراد (^٢). كما ذكر الفسوي إقامة المنصور للحج في حوادث السنوات (^٣). وهكذا جمع الذهبي عددًا من النصوص، وأَلَّفَ منها نصًا واحدًا.