كان الطلاب عادة يجمعون ما يستفيدونه عن شيوخهم في مجالس الإملاء، وما يعقلونه عن أساتذتهم عند اتصالهم بهم، وما يقيدونه من الفوائد والانتخابات من الكتب التي يروونها في مجاميع خاصة بهم. وكانت هذه المجاميع تختلف في قيمتها الواحدة عن الأخرى باختلاف قيمة جامعيها ودقتهم في النقل والضبط والتعليق، وقد عني الذهبي بالنقل من بعض هذه المجاميع. ولما لم تكن هذه النقول من كتب معينة فقد كان يشير عادة بقوله:
_________________
(١) انظر الخطيب البغدادي: الكفاية، ص ٣٣٤، وابن الصابوني: تكملة، ص ١٦٨، والذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨، ١٨، ٥٥، ٨٠، م ٢ الورقة ٦، ٣١، ٥٩، ٦٠، ٨٧، ٨٨، وابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٧٣، ٤٢٦.
(٢) راجع كتابنا: المنذري، ص ٢٧٨، وانظر نص إجازة أبي حيان النحوي للصفدي في كتابه: الوافي، ج ٥ ص ٢٧٧ - ٢٨١.
(٣) الورقة ٨٨ (أيا صوفيا ٣٠١١)، وانظر مثالًا آخر في الورقة نفسها، وراجع الورقة ٣٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
[ المقدمة / ١٥٥ ]
"نقلت من خط فلان"، أو "وجدت بخط فلان" ونحو ذلك. على أن النقل عن الخطوط لا يعني دائمًا عدم النقل من كتاب معين، فقد كان الذهبي يعنى بانتقاء الكتب المكتوبة بخطوط مؤلفيها أو خطوط الثقات كما سيأتي بيانه، إلا أن طبيعة المادة المنقولة ومعرفة مؤلفات المنقول عنه، أو عدم وجود تأليف له هو الذي يحدد هذه النقول، ولنضرب لذلك مثلًا توضيحيًّا: قال الذهبي في ترجمة شميم الحلي المتوفى سنة ٦٠١ هـ: "قرأت بخط محمد بن عبد الجليل الموقاني، قال بعض العلماء: وردت إلى آمد سنة أربع وتسعين وخمس مئة … " (^١) ثم ذكر مناقشة هذا "العالم" مع شميم وإزراء شميم بالمتقدمين وإعجابه الشديد بنفسه في قصة طويلة. وحينما نبحث في الكتب نجد أن هذا العالم هو ياقوت الحموي المتوفى سنة ٦٢٦ هـ وقد ذكر هذه القصة بحذافيرها في كتاب "إرشاد الأريب" (^٢) ووصف لقاءه ومناقشته لشميم الحلي. والظاهر أن الموقاني هذا نقلها من كتاب ياقوت ودونها في أحد مجاميعه، ودليلنا على ذلك أننا لم نعرف لمحمد بن عبد الجليل الموقاني مؤلفًا معينًا، وقد ترجم له الذهبي في وفيات سنة ٦٦٤ هـ، وقال: "وكتب بخطه الكثير من الحديث والآداب … وله مجاميع مفيدة" (^٣)، وقال الصفدي: "وكتب وحدث، وكان يشتري الكتب النفيسة للانتفاع والمتجر، وكانت له معرفة ويقظة" (^٤). ومن ذلك قوله أيضًا في ترجمة عفيفة الفارفانية الأصبهانية المتوفاة سنة ٦٠٦ هـ: "نقلت إجازة البغاددة لها من خط شيخنا المزي" (^٥). وقوله: "قرأت وفاته بخط شيخنا ابن الظاهري سنة ٦٠١ هـ" (^٦) ولم نعرف لابن الظاهري تأليفًا في هذه الفترة، ولا كان هذا الرجل من شيوخه فقد ولد ابن الظاهري سنة ٦٢٦ هـ
_________________
(١) الورقة ٦ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) ج ٥ ص ١٢٩ فما بعد، ثم نجد ملخصًا لها في ج ٦ ص ١٧٠ - ١٧١ هـ وقد تصحفت سنة اللقاء هناك فجاءت سنة ٥٩٣ هـ وهو من وهم الطبع كما يظهر.
(٣) الورقة ٢٦٣ - ٢٦٤ (أيا صوفيا ٣٠١٣)، والعبر، ج ٥ ص ٢٧٨ وعنه نقل ابن العماد في شذرات الذهب، ج ٥ ص ٣١٦.
(٤) الوافي، ج ٣ ص ٢١٦.
(٥) الورقة ٣٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٦) الورقة ٨٩ من النسخة السابقة.
[ المقدمة / ١٥٦ ]
وتوفي سنة ٦٩٦ هـ (^١).
وهذا الذي ذكرته يُبَدِّدُ الكثيرَ من حيرتنا حينما نجدُ نقولًا عن شخصٍ ما ولا نجد له كتابًا في المادة المنقولة، أو لا نجد له تأليفًا على الإطلاق. ومن أسف فإن معظم "كراريس" الطلبة ومجاميعهم لم تصل إلينا لعدم أهميتها آنذاك، وعدم قيام النساخ بانتساخها (^٢).