وفي نهاية التراجم أيضًا يعنى الذهبي ببيت المترجم إذا كان من عائلة علمية معروفة فيؤكد ذلك بعبارات دالة نحو قوله: "وفي ذريته علماء وأكابر" (^١)، أو "وفي أقاربه جماعة رووا الحديث" (^٢). ولكنه قليل الإحالة على مَنْ مَرَّ أو من سيأتي منهم نحو قوله: "وقد ذكرنا والده من سنوات" (^٣)، و"مات أبوه سنة كذا" (^٤)، وقوله: "وللعلم ولدان فاضلان وهما محمد ويوسف رويا الحديث وسيأتيان إن شاء الله" (^٥) ونحو ذلك مما لا يشفي الغليل في الإحالة (^٦).
وفي أثناء الترجمة يعلق الذهبي على ما قد يحتاج إلى تعليق مثل النسبة (^٧)، أو اللقب (^٨)، أو ما إليهما عند أول وروده وبعده مباشرة بما يشبه الجملة الاعتراضية ولا يؤخر ذلك إلى نهاية الترجمة كما هو الحال عند الزكي المنذري وابن خلكان وغيرهما نحو قوله: "ويعرف بابن أبي ركب - جمع ركبة - " (^٩)، وقوله: " … أبو بكر البقابوسي - وبقابولس من قرى نهر الملك - كان مقرئًا … " (^١٠)، وهلم جرًّا.
_________________
(١) = بحيث قال في بيتيه المشهورين: إذا قرأ الحديث عليَّ شخص … وأخلى موضعًا لوفاة مثلي فما جازى بإحسان لأني … أريد حياته ويريد قتلي الصفدي: نكت، ص ٢٤٣، والسخاوي: الإعلان، ص ٧٢٣ وغيرهما.
(٢) الورقة ٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) الورقة ٣٠ من النسخة السابقة. وانظر أمثلة أخرى في الورقة ١٣٠، ١٨٢، ١٩٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) وغيرها.
(٤) الورقة ١٢٧ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٥) الورقة ٣٨ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٦) الورقة ٧٦ من النسخة السابقة.
(٧) انظر الورقة ١٣٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٦٠، ٣٨٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ٦٤، ٧٤، ٧٦، ١٢٦، ١٢٨، ١٣٩، ١٤٠، ١٥١ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٨) مثلًا: الورقة ٦١، ٦٦، ٨٤، ٩٥ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ١٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وغيرها.
(٩) مثلًا: الورقة ٤٣، ٤٨، ٥٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(١٠) الورقة ٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(١١) الورقة ٣٤ من النسخة السابقة.
[ المقدمة / ١٤٦ ]
أما تقييد ما قد يشتبه من الأسماء فقد عني الذهبي بضبطه وتقييده، ولكنه اعتمد ضبط القلم في كثير من الأحيان، بل هو الطابع الغالب على تقييده إلا فيما يلبس ويشكل كثيرًا فإنه قيده بالحروف (^١)، وهي طريقة انْتُقِدَ عليها حينما ألف كتابه "المشتبه" واعتمد فيه ضبط القلم أيضًا (^٢). وقد جاءت معظم تقييداته التي قيدها بالحروف بعد ورود ما يراد ضبطه وليس في آخر الترجمة إلا في حالات قليلة أخّر فيها التقييد بالحروف إلى آخر الترجمة (^٣). على أنه يذكر في بعض الأحيان وفي آخر الترجمة ما قد يستفاد مع هذا الاسم أو ذاك من تشابه أو اتفاق نحو قوله في ترجمة فتيان بن أحمد ابن سمنيّة المتوفى سنة ٦١٢ هـ: "وسمنية مستفاد مع سمينة" (^٤) يعني قد يشتبه به. أو فيما إذا كان للمترجم سَمِيٌّ من طبقته نحو قوله في ترجمة محمد بن أحمد بن عبدوس الأديب النحوي النيسابوري من وفيات سنة ٣٩٦ هـ: "ومن طبقته أحمد بن محمد بن عبدوس أبو بكر الحافظ النسوي نزيل مرو، روى عنه … ومن طبقتهما أحمد بن محمد بن عبدوس الحاتمي أبو الحسن النيسابوري … " (^٥).
ومما تجدر الإشارة إليه أن الذهبي شديد الاهتمام بذكر خط المترجم وجودته، وهو لا يفتأ يشير إلى ذلك كلما وجد ذلك ضروريًا أو تحصلت لديه معلومات عن هذا الأمر نحو قوله: "مليح الخط" (^٦)، و"مليح الكتابة" (^٧)، و"خطه مليح مغربي في غاية الدقة" (^٨)، و"كان الخط الذي يكتبه لا نظير له في
_________________
(١) انظر مثلًا: الورقة ١٩٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٧)، والورقة ١٨١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٨، ٥٠، ٥٩، ٧٨، ١٠٩ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) انظر مقدمة ابن ناصر الدين لكتابه "توضيح المشتبه" ١/ ١١٧، ومقدمة ابن حجر لكتابه "تبصير المنتبه" ١/ ١.
(٣) مثلًا: الورقة ١٨٢، ٢١٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٤٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ٦٣، ١٠٢، ١٥٠ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٤) الورقة ١٠٣ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥) الورقة ٢٣٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) الورقة ٨٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٧) الورقة ١٠٧ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٨) الورقة ١٦٩ (أيا صوفيا ٣٠١١).
[ المقدمة / ١٤٧ ]
الإتقان والضبط" (^١) ونحو ذلك (^٢). كما أنه يشير إلى من كان رديء الخط نحو قوله: "خطه مغلق سقيم" (^٣)، و"كان ضعيف الكتابة" (^٤). كما عني بأولئك الخطاطين الذين كتبوا الخط المنسوب (^٥) نحو قوله في ترجمة الفضل ابن عمر المعروف بابن الرائض المتوفى سنة ٦٠٩ هـ: "وكتب الخط المنسوب على طريقة ابن البواب في غاية الحسن" (^٦)، وقوله في أحدهم: إنه كان "مليح الخط إلى الغاية على طريقة المغاربة" (^٧)، ونحوها (^٨).
إن هذا الذي ذكرناه هو الطابع العام للتراجم، ولا سيما تراجم العلماء والفقهاء والمحدثين وأهل الرواية، وقد تجد في بعض التراجم اختلافًا طفيفًا عما حكيناه من المحتويات والتنظيم. ولا ريب أن طبيعة المترجم هي التي تحدد نوعية الأخبار. فقد عُني الذهبي مثلًا بإيراد أعمال الخلفاء والملوك والأمراء والمتولين في تراجمهم وركز عنايته على ما قاموا به من نشرِ عدلٍ أو بَثِّ ظلم وسفكِ دماء للرعية، وقوّم كل ذلك بنقلة عن المؤرخين الذين سبقوه وأعطى هو رأيه (^٩). وقدم نماذج من أقوال المتفلسفين وأرباب المقالات بما ينبى عن حسن عقيدتهم أو سوئها، وفعل مثل هذا في المتصوفة فحاول التمييز بين المتصوفة الملتزمين بالكتاب والسنة وأولئك الذين اتبعوا ما هو ليس من الدين، وقاموا بالأعمال الخارجة عنه وتمسكوا بالترهات التي انتشرت انتشارًا كبيرًا بين متصوفة ذلك العصر. أما الشعراء فقد أورد نماذج غير قليلة من شعرهم مما وصل إليه عن طريق الرواية الشفوية أو أخذه عن المصادر
_________________
(١) الورقة ١٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٢) انظر مثلًا: الورقة ٢١٩، ٢٢٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٥٠، ٤٠٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ١٩، ٢١، ٤٧، ٦٣، ٨٢، ١٠٩، ١١٩ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٣٨١.
(٤) الورقة ٧٨ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥) الخط المنسوب: أي الموزون بنسب معينة في أبعاد الحروف حسب القواعد المقررة والأصول المحررة. (من فوائد الخطاط وليد الأعظمي).
(٦) الورقة ٧٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٧) الورقة ١٦٣ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
(٨) مثلًا: الورقة ١٣٦، ٤٣٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٩) انظر أدناه الفصل الخامس عند كلامنا على التقويم والأحكام.
[ المقدمة / ١٤٨ ]
السابقة (^١). وأما الأدباء فقد أورد لهم في بعض الأحيان مقطعات أدبية من مختار نثرهم (^٢).
ومن هذا الاختلاف في محتويات التراجم الذي وجدناه - مثلًا - عناية المؤلف بذكر الأوصاف الجسمية للخلفاء والملوك والأمراء (^٣) وبعض المتصوفة (^٤) مما لا نجده في محتويات تراجم العلماء.
_________________
(١) انظر مثلًا: الورقة ٨١، ٩٥، ١٠٥، ١٢٤، ١٢٧، ١٧٠، ١٧٦، ١٨١، ١٨٧، ٢١٢، ٢١٤، ٢٢٤، ٢٤٤، ٢٤٥، ٢٤٧ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٠، ١١، ٦٦، ٧٠، ٩٧، ١٨٧، ١٩٤، ٢١٦، ٢١٧، ٢٣١ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ٢٧، ٢٨، ٣٣، ٣٦، ٥٦، ٦٦، ٦٩، ٨٠، ٨٢، ٨٥، ٨٦، ٨٧، ٩٤، ١٠٥، ١٠٧، ١٠٨، ١١١، ١٣٣، ١٤٣، ١٤٤، ١٥٤، ١٦١، ١٦٧، ١٧١، ١٧٦، ١٨٨، ٢٠١، ٢٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٣، ٢٣، ٣٨، ٥٢، ٥٩. ٨٠، ٨١، ٨٤، ٨٩، ٩١، ٩٦، ١٠٠، ١٠٥، ١٢٣، ١٤٧، ١٥٤، ١٥٨، ١٦٧، ١٧٣، ١٧٤، ١٩٤، ١٩٦، ١٩٧، ٢١٤ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وغيرها.
(٢) مثلًا: الورقة ٢٤٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٩٧، ٢٠٤، ٢٠٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢). وغيرها.
(٣) انظر مثلًا: الورقة ١٨٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ٨٢، ١٧٣، ٢١٦ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والورقة ٣٢٨، ٣٢٩ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) انظر مثلًا: الورقة ٥٧، ١٢٢، ٢٠٥ (أيا صوفيا ٣٠١١) وغيرها.
[ المقدمة / ١٤٩ ]