قَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي وَيَوْمِي وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَكَانَ جِبْرِيلُ يُعَوِّذُهُ بِدُعَاءٍ إِذَا مَرِضَ، فَذَهَبْتُ أَدْعُو بِهِ، فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: «فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى» وَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَبِيَدِهِ جَرِيدَةٌ رِطْبَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ بِهَا حَاجَةً، فَأَخَذْتُهَا فَنَفَضْتُهَا [١] وَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ، فَاسْتَنَّ بِهَا أَحْسَنَ [٢] مَا كَانَ مُسْتَنًّا، ثُمَّ ذَهَبَ [٣] يُنَاوِلُنِيهَا، فَسَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ، فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا [٤] . لَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، مِنْ عَائِشَةَ، لِأَنَّ عِيسَى بْنَ يُونُسَ قَالَ:
عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ذَكْوَانَ مَوْلَى
_________________
(١) هكذا في الأصل، وصحيح البخاري. وفي نسخة دار الكتب (فمضغتها) . وفي المنتفي لابن الملا (فنقعتها) .
(٢) في الصحيح «كأحسن» .
(٣) في الصحيح «ناولنيها» .
(٤) في المغازي ٥/ ١٤٢ بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ ووفاته، ورواه البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٥٤٩.
[ ١ / ٥٦١ ]
عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، دَخَلَ عَلَيَّ أَخِي بِسِوَاكٍ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى صَدْرِي، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ السِّوَاكُ وَيَأْلَفُهُ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ لَهُ، فَأَمَرَّهُ عَلَى فِيهِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ- أو علبة- فيها مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ، ثُمَّ نَصَبَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى فَجَعَلَ يَقُولُ «فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى» حَتَّى قُبِضَ، وَمَالَتْ يَدُهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [١] . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ: لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي «يَا أَبَتَاهُ مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ، يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهُ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ، يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ»، قَالَ: وَقَالَتْ: يَا أَنَسُ، كَيْفَ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ التراب؟ (خ) [٢] . وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي، لَمْ أَظْلِمْ فِيهِ أَحَدًا، فَمِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِي وَحَدَاثَةِ سِنِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ فِي حِجْرِي، فَأَخَذْتُ وِسَادَةً فَوَسَّدْتُهَا رَأْسَهُ وَوَضَعْتُهُ مِنْ حِجْرِي، ثُمَّ قُمْتُ مَعَ النِّسَاءِ أَبْكِي وَأَلْتَدِمُ [٣] . الِالْتِدَامُ: اللَّطْمُ.
وَقَالَ مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَطَّارُ: ثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد
_________________
(١) في المغازي ٥/ ١٤١- ١٤٢ بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ ووفاته. وانظر سيرة ابن هشام ٤/ ٢٥٩.
(٢) في المغازي ٥/ ١٤٤، وأحمد في المسند ٣/ ٢٠٤.
(٣) رواه أحمد في المسند ٦/ ٢٧٤، وابن هشام في السيرة ٤/ ٢٥٩- ٢٦٠، والطبري في التاريخ ٣/ ١٩٩.
[ ١ / ٥٦٢ ]
ابن بَابَنُوسَ [١] أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ بِحُجْرَتِي أَلْقَى إِلَيَّ الْكَلِمَةَ يُقِرُّ بِهَا عَيْنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَعَصَبْتُ رَأْسِي وَنِمْتُ عَلَى فِرَاشِي، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «ما لك»؟ قلت: رأسي، فقال: «بل أنا وا رأساه، أَنَا الَّذِي أَشْتَكِي رَأْسِي»، وَذَلِكَ حِينَ أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ أَنَّهُ مَقْبُوضٌ، فَلَبِثْتُ أَيَّامًا، ثُمَّ جِيءَ بِهِ يُحْمَلُ فِي كِسَاءٍ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ، فَأُدْخِلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَرْسِلِي إِلَى النِّسْوَةِ، فَلَمَّا جِئْنَ قَالَ: «إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَخْتَلِفَ بَيْنَكُنَّ، فَأْذَنَّ لِي فَأَكُونُ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، قُلْنَ: نَعَمْ، فَرَأَيْتُهُ يَحْمَرُّ وَجْهُهُ وَيَعْرَقُ، وَلَمْ أَكُنْ رَأَيْتُ مَيِّتًا قَطُّ، فَقَالَ: «أَقْعِدِينِي»، فَأَسْنَدْتُهُ إِلَيَّ، وَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ، فَقَلَّبَ رَأْسَهُ، فَرَفَعْتُ يَدِي، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَ مِنْ رَأْسِي، فَوَقَعَتْ مِنْ فِيهِ نُقْطَةٌ [٢] بَارِدَةٌ عَلَى تُرْقُوَتِي أَوْ صَدْرِي، ثُمَّ مَالَ فَسَقَطَ عَلَى الْفِرَاشِ، فَسَجَّيْتُهُ بِثَوْبٍ، وَلَمْ أَكُنْ رَأَيْتُ مَيِّتًا قَطُّ، فَأَعْرِفُ الْمَوْتَ بِغَيْرِهِ، فَجَاءَ عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ، وَمَعَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأَذِنْتُ لَهُمَا، وَمَدَدْتُ الْحِجَابَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَائِشَةَ مَا لِنَبِيِّ اللَّهِ؟ قُلْتُ: غُشِيَ عَلَيْهِ مُنْذُ سَاعَةٍ، فكشف عن وجهه فقال: وا غمّاه، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْغَمُّ، ثُمَّ غَطَّاهُ، وَلَمْ يَتَكَلَّمِ الْمُغِيرَةُ، فَلَمَّا بَلَغَ عَتَبَةَ الْبَابِ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا عُمَرُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَأْمُرَ بِقِتَالِ الْمُنَافِقِينَ، بَلْ أَنْتَ تَحُوشُكَ [٣] فِتْنَةٌ [٤] .
فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا لِرَسُولِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: غُشِيَ عليه، فكشف عن
_________________
(١) في الأصل بعض الحروف غير منقوط، والتصويب من (تهذيب التهذيب ١١/ ٣١٦ رقم ٦٠٧) وانظر طبقات ابن سعد ٢/ ٢٦٧.
(٢) في مسند أحمد ٦/ ٢١٩ وطبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ٢٦١ «نطفة» . ويقال للماء الكثير والقليل «نطفة» وهو بالقليل أخصّ. (النهاية لابن الأثير) . وانظر أنساب الأشراف ١/ ٥٦٣.
(٣) في حاشية الأصل «قلبك ١/ ٥٦٣» .
(٤) زاد أحمد وابن سَعْدٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يموت حتى يفني الله ﷿ المنافقين» .
[ ١ / ٥٦٣ ]
وَجْهِهِ، فَوَضَعَ فَمَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ على صدغيه ثم قال: وا نبيّاه وا صفيّاه وا خليلاه، وصدق الله ورسوله إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٩: ٣٠ [١] . وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [٢]، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ٢١: ٣٤- ٣٥ [٣]، ثُمَّ غَطَّاهُ وَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ عَهْدٌ مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ؟ قالوا: لَا، قَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَقَالَ:
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٩: ٣٠ [٤] الآيات.
فَقَالَ عُمَرُ: أَفِي كِتَابِ اللَّهِ هَذَا يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ:
هَذَا أَبُو بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْغَارِ، وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فَبَايِعُوهُ، فَحِينَئِذٍ بَايَعُوهُ [٥] .
رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ عَنْهُ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» [٦] بِطُولِهِ عَنْ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، أنا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَبَا بكر أقبل على فرس من مسكنه بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ، فَتَيَمَّمَ [٧] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُغَشًّى [٨] بِبُرْدٍ حبرة،
_________________
(١) سورة الزمر، الآية ٣٠.
(٢) سورة الأنبياء، الآية ٣٤.
(٣) سورة آل عمران، الآية ١٨٥.
(٤) سورة الزمر- الآية ٣٠.
(٥) أنساب الأشراف ١/ ٥٦٢، ٥٦٣.
(٦) المسند ٦/ ٢١٩، ٢٢٠ وابن سعد في الطبقات ٢/ ٢٦٧، ٢٦٨ وانظر ٢/ ٢٦١، و٢٦٥.
(٧) أي قصد.
(٨) في طبقات ابن سعد «مسجّى» وفي رواية للبخاريّ في الجنائز ٢/ ٧٠.
[ ١ / ٥٦٤ ]
فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهُ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا [١] . وَحَدَّثَنِي [٢] أَبُو سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ، فَأَبَى، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ٣: ١٤٤ [٣] الآية، فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النّاس إلّا يتلوها [٤] .
وأخبرني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَفَرِقْتُ، أَوْ قَالَ فَعَقَرْتُ [٥] حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلايَ، وَحَتَّى إِنِّي أَهْوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ، وَعَرَفْتُ حِينَ تَلَاهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ مَاتَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٦] .
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
_________________
(١) إلى هنا تنتهي رواية ابن سعد في الطبقات ٢/ ٢٦٥، ٢٦٦، والنويري في نهاية الأرب ١٨/ ٣٨٥.
(٢) القائل هو الزهري كما في صحيح البخاري.
(٣) سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
(٤) حتى هنا في الجنائز عند البخاري ٢/ ٧٠، ٧١ باب الدخول على الميّت..
(٥) العقر بفتحتين: أن يفجأ الرحل الروع فيدهش، فلا يستطيع أن يتقدّم أو يتأخر، وقيل: لا تحمله قوائمه من الخوف، على ما في (ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى للمحبّ للطبري ص ١٩٠) . وفي رواية (فعقرت) بضمّ العين، أي هلكت، على ما في (إرشاد السّاري ٥/ ١٤٣) .
(٦) في الجنائز ٢/ ٧٠، ٧١ باب الدخول على الميّت بعد الموت..، وفي المغازي ٥/ ١٤٢، ١٤٣ بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ ووفاته، والنسائي في الجنائز ٤/ ١١ باب تقبيل الميت، وأحمد في المسند ٦/ ١١٧.
[ ١ / ٥٦٥ ]
عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي [١]، فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لأحد أبدا، بعد ما رأيت من رَسُول اللَّه ﷺ. حَدِيثٌ صَحِيحٌ [٢] .
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: كَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ تَجَهَّزَ لِلْغَزْوِ وَخَرَجَ ثَقَلُهُ [٣] إِلَى الْجُرْفِ [٤] فَأَقَامَ تِلْكَ الْأَيَّامَ لِوَجَعِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ قَدْ أَمَّرَهُ عَلَى جَيْشٍ عَامَّتُهُمُ الْمُهَاجِرُونَ، وَفِيهِمْ عُمَرُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أَهْلِ مُؤْتَةَ، وَعَلَى جَانِبِ فِلِسْطِينَ، حَيْثُ أُصِيبَ أَبُوهُ زَيْدٌ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جِذْعٍ فِي الْمَسْجِدِ، يَعْنِي صَبِيحَةَ الْإِثْنَيْنِ، وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيَدْعُونَ لَهُ بِالْعَافِيَةِ، فَدَعَا أُسَامَةَ فَقَالَ: «اغْدُ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَالنَّصْرِ وَالْعَافِيَةِ»، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَصْبَحْتَ مُفِيقًا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ شَفَاكَ، فَأْذَنْ لِي أَنْ أَمْكُثَ حَتَّى يَشْفِيَكَ اللَّهُ، فَإِنْ أَنَا خَرَجْتُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ خَرَجْتُ وَفِي قَلْبِي قُرْحَةٌ مِنْ شَأْنِكَ، وَأَكْرَهُ أَنْ أسأل عنك النّاس، فسكت رسول اللَّه ﷺ فلم يُرَاجِعْهُ، وَقَامَ فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ، وَهُوَ يَوْمُهَا، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ابْنَتِهِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: قد أصبح رسول الله ﷺ مُفِيقًا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ شَفَاهُ، ثم ركب أبو بكر فلحق بِأَهْلِهِ بِالسُّنْحِ، وَهُنَالِكَ امْرَأَتُهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَانْقَلَبَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَيْتِهَا، وَذَلِكَ يَوْمُ الْإِثْنَيْنِ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ ﷺ بِبَيْتِ عَائِشَةَ وُعِكَ أَشَدَّ الْوَعْكِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نِسَاؤُهُ، وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ كان يغشى
_________________
(١) الحاقنة: الوهدة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق. والذاقنة: الذقن.
(٢) رواه البخاري في المغازي ٥/ ١٤٠ بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ ووفاته، والنسائي في الجنائز ٤/ ٦، ٧ باب شدّة الموت، وأحمد في المسند ٦/ ٦٤ و٧٧.
(٣) الثقل: بفتح الثاء والقاف.
(٤) الجرف: بضم الجيم، وسكون الراء أو ضمّها. موضع قرب المدينة يعسكرون فيه إذا أرادوا الغزو.
[ ١ / ٥٦٦ ]
عَلَيّهِ، ثُمَّ شَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَقُولُ: «نَعَمْ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَأَرْسَلَتْ حَفْصَةُ إِلَى عُمَرَ، وَأَرْسَلَتْ فَاطِمَةُ إِلَى عَلِيٍّ، فَلَمْ يَجْتَمِعُوا حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدْرِ عَائِشَةَ، وَفِي يَوْمِهَا يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ، وَجَزِعَ النَّاسُ، وَظَنَّ عَامَّتُهُمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَيِّتٍ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كَيْفَ يَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْنَا وَنَحْنُ شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ، فَيَمُوتُ، وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَى النَّاسِ، وَلَكِنَّهُ رُفِعَ كَمَا فُعِلَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَأَوْعَدُوا مَنْ سَمِعُوا يَقُولُ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَنَادَوْا عَلَى الْبَابِ «لَا تَدْفِنُوهُ فَإِنَّهُ حَيٌّ»، وَقَامَ عُمَرُ يَخْطُبُ النَّاسَ وَيُوعِدُ بِالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَتَوَعَّدَ الْمُنَافِقِينَ، وَالنَّاسُ قَدْ مَلَئُوا الْمَسْجِدَ يَبْكُونَ وَيَمُوجُونَ، حَتَّى أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ السُّنْحِ [١] .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: وَضَعْتُ يَدِي عَلَى صَدْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ، فَمَرَّ بِي جُمَعٌ آكُلُ وَأَتَوَضَّأُ، مَا يَذْهَبُ رِيحُ الْمِسْكِ مِنْ يَدِي.
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ- هُوَ التَّيْمِيُّ- عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ:
قِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ، وَقَدْ [٢] رَأَيْتُهُ دَعَا بِطَسْتٍ لِيَبُولَ فِيهَا، وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي، فَانْحَنَثَ [٣] فَمَاتَ، وَلَمْ أَشْعُرْ فِيمَ يَقُولُ هَؤُلَاءِ إِنَّهُ أوصى إلى عليّ. متّفق عليه [٤] .
_________________
(١) انظر المغازي لعروة ٢٢٢، وفتح الباري ٨/ ١٤٤، وطبقات ابن سعد ٢/ ٢٧١، والبداية والنهاية لابن كثير ٥/ ٢٤٢.
(٢) في صحيح الإمام البخاري (قالت: ولقد رأيته) .
(٣) أي استرخى ومال إلى أحد شقّيه.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي ٥/ ١٤٣ بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ ووفاته، وفي الوصايا ٣/ ١٨٦ أول الباب، ومسلّم في الوصيّة (١٦٣٦) باب ترك الوصيّة لمن ليس له شيء يوصي فيه، وابن ماجة في الجنائز (١٦٢٦) باب ما جاء في ذكر مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأحمد في المسند ٦/ ٣٢، وابن سعد في الطبقات ٢/ ٢٦٠ و٢٦١.
[ ١ / ٥٦٧ ]