[٢] وَقَالَ أَبُو هِشَامٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكَعْبِيُّ الْخُزَاعِيُّ: حَدَّثَنِي عَمِّي أَيُّوبُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ حِزَامِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ حُبَيْشِ بْنِ خَالِدٍ، الَّذِي قُتِلَ بِالْبَطْحَاءِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهُوَ أَخُو عَاتِكَةَ- أن النبي ﷺ خرج مِنْ مَكَّةَ [٣] هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَمَوْلًى لِأَبِي بِكْرٍ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَدَلِيلُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأُرَيْقِطِ اللَّيْثِيُّ، فَمَرُّوا عَلَى خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ، وَكَانَتْ بَرْزَةً جَلْدَةً تَحْتَبِي بِفِنَاءِ الْقُبَّةِ، ثُمَّ تَسْقِي وَتُطْعِمُ، فَسَأَلُوهَا تَمْرًا وَلَحْمًا يَشْتَرُونَهُ مِنْهَا، فَلَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا، وَكَانَ الْقَوْمُ مُرْمِلِينَ مُسْنِتِينَ [٤]، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخَيْمَةِ، فقال: «ما هذه الشّاة يا أمّ
_________________
(١) العنوان أضفته على الأصل نقلا عن دلائل النبوّة للبيهقي. وأمّ معبد هي: عاتكة بنت خالد بن خليف الخزاعي، وحديثها في: الطبقات الكبرى لابن سعد ١/ ٢٣٠ وما بعدها، و٨/ ٢٨٨- ٢٨٩، وأنساب الأشراف للبلاذري ١/ ٢٦٢ و٣٩١، وسيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٥، والمنتخب من كتاب ذيل المذيّل للطبري ٥٧٧ و٥٨٠ وعنه ضبطت نصّ المؤلّف، والمعرفة والتاريخ للفسوي ٣/ ٢٧٤ (أشار إليه دون ذكره)، ودلائل النبوّة لأبي نعيم ١١٧- ١١٩، والمستدرك على الصحيحين للحاكم ٣/ ٩- ١١، ودلائل النبوّة للبيهقي ١/ ٢٢٨- ٢٣٧، والاستيعاب لابن عبد البرّ ٤/ ٤٩٥- ٤٩٨، والكامل في التاريخ لابن الأثير ٢/ ١٠٦، وتاريخ الرسل والملوك للطبري ٢/ ٣٨٠، والروض الأنف للسهيلي ٢/ ٢٣٤- ٢٣٥، وأسد الغابة لابن الأثير ٥/ ٤٩٧، وتهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ١/ ٣٢٦- ٣٢٧، وتهذيب الكمال للمزّي ١/ ٢٢١- ٢٢٣، ونهاية الأرب للنويري ١٦/ ٢٣٦- ٢٣٧، والشمائل لابن كثير ٤٤- ٤٩، والسيرة له ٢/ ٢٥٧- ٢٦٣، وإمتاع الأسماع للمقريزي ١/ ٤٣، وعيون الأثر لابن سيّد الناس ١/ ١٨٩، والوافي بالوفيات للصفدي ١٦/ ٥٥٣- ٥٥٦، والإصابة لابن حجر ٤/ ٤٩٧- ٤٩٨، والخصائص الكبرى للسيوطي ١/ ١٨٨، وتاريخ الخميس للدياربكري ١/ ٣٧٥- ٣٧٧، ومجمع الزوائد للهيثمي ٦/ ٥٥- ٥٨ و٨/ ٢٧٨- ٢٧٩.
(٢) كتب في حاشية الأصل هنا: «قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد» .
(٣) في ذيل المذيل للطبري ٥٧٧ بعد «مكة»: «خرج منها مهاجرا إلى المدينة» .
(٤) أي نفذ زادهم. وفي ذيل المذيّل: «قال أبو هشام: مشتين»، قال الطبري: «وإنّما هو مسنتين» .
[ ١ / ٤٣٧ ]
مَعْبَدٍ»؟ قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: «هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ»؟
قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «أَتَأْذَنِينَ أَنْ أَحْلُبَهَا»؟ قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي وَأُمِّي، إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَاحْلُبْهَا، فَدَعَا بِهَا، فَمَسَحَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا، وَسَمَّى اللَّهَ، وَدَعَا لَهَا فِي شَاتِهَا، فَتَفَاجَّتْ [١] عَلَيْهِ [٢]، وَدَرَّتْ وَاجْتَرَّتْ، وَدَعَا بِإِنَاءٍ يُرْبِضُ [٣] الرَّهْطَ، فَحَلَبَ [٤] ثَجًّا حَتَّى عَلَاهُ الْبَهَاءُ، ثُمَّ سَقَاهَا حَتَّى رُوِيَتْ، ثُمَّ سَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوَوْا، ثُمَّ شَرِبَ آخِرُهُمْ [٥] . ثُمَّ حَلَبَ [٦] ثَانِيًا بَعْدَ بَدْءٍ، حَتَّى مَلَأَ الْإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا وَبَايَعَهَا، وَارْتَحَلُوا عَنْهَا.
فَقَلَّمَا لَبِثَتْ، حَتَّى جَاءَ زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ، يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا يَتَسَاوَكْنَ هُزَالًا [٧] مُخُّهُنَّ قَلِيلٌ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَعْبَدٍ اللَّبَنَ عَجِبَ، وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ وَالشَّاءُ [٨] عَازِبٌ حِيَالٌ [٩]، وَلَا حَلُوبَ فِي الْبَيْتِ؟ قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، إِلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صِفِيهِ لِي [١٠] .
قَالَتْ: رَجُلٌ [١١] ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ، أَبْلَجُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الْخَلْقِ، لَمْ تُعِبْهُ ثَجْلَةٌ [١٢]، لَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةُ [١٣]، وَسِيمٌ قسيم [١٤]، في عينيه دعج، وفي أشفاره
_________________
(١) تفاجّت: التفاج: المبالغة في تفريج ما بين الرجلين، وهو من الفجّ الطريق.
(٢) «عليه» غير موجودة في (ع) .
(٣) يربض: الإرباض: الإرواء.
(٤) في المذيّل «فحلب فيه» .
(٥) زاد في ذيل المذيّل، ومجمع الزوائد: «ثم أراضوا» .
(٦) في ذيل المذيّل «حلب فيه» .
(٧) يتساوكن هزالا: يتمايلن من الضّعف.
(٨) في ذيل المذيّل «الشاة» .
(٩) عازب حيال: أي بعيدة المرعى، لا تأوي إلى المنزل إلّا في الليل. والحيال: جمع حائل، وهي التي لم تحمل.
(١٠) في ذيل المذيّل «يا أمّ معبد» .
(١١) في ذيل المذيّل «رأيت رجلا» .
(١٢) في الذيل «نحلة» .
(١٣) الصعلة: صغر الرأس. وفي الذيل «صقلة» .
(١٤) القسام: الجمال. رجل مقسم الوجه، وقسيم الوجه.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وَطَفٌ [١]، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ [٢]، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ [٣]، وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَافَةٌ، أَزَجُّ أَقْرَنُ، إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ، أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْسَنُهُ وَأَحْلَاهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوُ الْمَنْطِقِ، فَصْلٌ [٤] لَا نَزْرٌ وَلَا هَذَرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ، رَبْعَةٌ لَا يَائُسٌ مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ [٥] عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْظَرُ [٦] الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قَالَ أَنْصَتُوا [٧] لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ، لَا عَابِسٌ وَلَا مُفَنَّدٌ [٨] .
قَالَ أَبُو مَعْبَدٍ: فَهَذَا وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ، الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أمره [٩]، ولقد هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ [١٠] إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.
وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكَّةَ عَالٍ [١١]، يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ، وَلَا يَدْرُونَ مَنْ صَاحِبُهُ، وَهُوَ يَقُولُ:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين قَالَا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَاهَا بِالْهُدَى وَاهْتَدَتْ بِهِ فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى [١٢] رَفِيقَ محمد
_________________
(١) زاد في المذيّل: «قال أبو هشام: عطف» . وهو طول الأشفار.
(٢) في الذيل: «صهل» قال الشيخ: «وهو خطأ وإنّما هو صحل، بالحاء» . وهو صوت فيه بحّة.
(٣) السطع: طول العنق.
(٤) فصل: أي منطقه وسط.
(٥) لا تقتحمه: أي لا تزدريه.
(٦) في الذيل «أنضر» .
(٧) في الذيل «نصتوا لقوله. قال الطبري: وإنّما هو أنصتوا لقوله» .
(٨) زاد في الذيل: «قال أبو هشام: ولا معتد، وهو خطأ» .
(٩) زاد في الذيل «ما ذكر بمكة» .
(١٠) «ولأفعلنّ» ليست في الذيل.
(١١) في الذيل: «فأصبح صوت ببكة عاليا» .
(١٢) في مجمع الزوائد «من أضحى» .
[ ١ / ٤٣٩ ]
فَيَالَ قُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ بِهِ مِنْ فِعَالٍ [١] لَا يُجَارَى [٢] وَسُؤْدُدِ
لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ [٣] فَتَاتِهِمْ وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ
سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا فَإِنَّكُمْ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ
دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ عَلَيْهِ صَرِيحًا [٤] ضَرَّةِ الشَّاةِ مُزْبِد
فَغَادَرَهَا رَهْنًا لَدَيْهَا لِحَالِبٍ يُرَدِّدُهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ
فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ [٥] شَبَّبَ يُجَاوِبُ الْهَاتِفَ، فَقَالَ:
لَقَدْ خَابَ قَوْمٌ زَالَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمْ وَقُدِّسَ مَنْ يَسْرِي إِلَيْهِمْ وَيَغْتَدِي
تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَضَلَّتْ عُقُولُهُمْ وَحَلَّ عَلَى قَوْمٍ بِنُورٍ مُجَدَّدِ
هَدَاهُمْ بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ رَبُّهُمْ وَأَرْشَدَهُمْ مَنْ يَتْبَعِ [٦] الْحَقَّ يُرْشَدِ
وَهَلْ يَسْتَوِي ضُلَّالُ قَوْمٍ تَسَفَّهُوا عَمَايَتُهُمْ هَادٍ بِهِ كُلَّ مُهْتَدِي [٧]
وَقَدْ نَزَلَتْ مِنْهُ عَلَى أَهْلِ يَثْرِبٍ رِكَابُ هُدًى حَلَّتْ عَلَيْهِمْ بِأَسْعَدِ
نَبِيٌّ يَرَى ما لا يرى النّاس حوله ويتلوا كِتَابَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَسْجِدِ [٨]
وَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مَقَالَةَ غَائِبٍ فَتَصْدِيقُهَا فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ
لِيَهْنِ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةُ جَدِّهِ بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدِ اللَّهُ يَسْعَدِ [٩]
قَوْلُهُ: (إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ) يُرِيدُ أَنَّهُ يَمِيدُ فِي مِشْيَتِهِ، وَيَمْشِي فِي رِفْقٍ غَيْرَ مُخْتَالٍ.
_________________
(١) الفعال: كسحاب. اسم الفعل الحسن، والكرم، (القاموس المحيط) .
(٢) في الذيل «يجازى»، وفي تهذيب تاريخ دمشق «تجازى» .
(٣) في الذيل «مقام» .
(٤) في النهاية «له بصريح ضرّة الشّاة مزبد»، وفي الذيل «عليه صريح» . وقال الطبري: «هكذا أنشدنيه أبو هشام، وإنّما هو: فتحلّبت له بصريح ضرّة الشاة مزبد» .
(٥) زاد في الذيل: «شاعر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» .
(٦) فِي الذيل «يبتغ» .
(٧) ورد هذا الشطر في الذيل هكذا: «عمّى وهداة يهتدون بمهتد» .
(٨) زاد في الذيل: «قال الطبري: والّذي نرويه: «في كل مشهد» .
(٩) انظر الأبيات في ديوان حسّان بن ثابت، ص ٨٧.
[ ١ / ٤٤٠ ]
وَقَوْلُهُ: «فَخْمًا مُفَخَّمًا» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْفَخَامَةُ فِي الْوَجْهِ نُبْلُهُ وَامْتِلَاؤُهُ، مَعَ الْجَمَالِ وَالْمَهَابَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ عَظِيمًا مُعَظَّمًا فِي الصُّدُورِ وَالْعُيُونِ، وَلَمْ يَكُنْ خَلْقُهُ في جسمه ضخما.
و(أقنى الْعِرْنَيْنِ): مُرْتَفِعُ الْأَنْفِ قَلِيلًا مَعَ تَحَدُّبٍ، وَهُوَ قريب من الشّمم.
و(الشنب): ماء ورقّة في الثّغر.
و(الفلج): تباعد ما بين الأسنان.
و(الدمية): الصُّورَةُ الْمُصَوَّرَةُ.
وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ أُمِّ مَعْبَدٍ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ [١] فَقَالَ: أنا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنِ مَطَرٍ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْحَلْوَانِيُّ، ثنا مُكْرَمُ بْنُ مُحْرِزِ بْنِ مَهْدِيٍّ، ثنا أَبِي، عَنْ حِزَامِ بْنِ هِشَامٍ.
فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَرَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ الْحَكَمِ الْخُزَاعِيُّ بِقُدَيْدٍ [٢]، إِمْلَاءً عَلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ مَطَرٍ، قَالَ: ثنا عَمِّي سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ.
وَسَمِعَهُ ابْنُ مَطَرٍ بِقُدَيْدٍ أَيْضًا، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِيهِ.
وَرَوَاهُ عَنْ مُكْرَمِ بْنِ مُحْرِزٍ الْخُزَاعِيِّ- وَكُنْيَتُهُ أبو القاسم- يعقوب بن
_________________
(١) في دلائل النبوّة ١/ ٢٢٨.
(٢) قديد: بضم القاف وفتح الدال وسكون الياء. موضع قرب مكة. (معجم البلدان ٤/ ٣١٣) .
[ ١ / ٤٤١ ]
سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ [١]، مَعَ تَقَدُّمِهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ خُزَيْمَةَ [٢]، وَجَمَاعَةٌ آخِرُهُمُ الْقَطِيعِيُّ.
قَالَ الْحَاكِمُ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ الصَّالِحَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا مُكْرَمُ بْنُ مُحْرِزٍ عَنْ آبَائِهِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُهُ مِنْ مُكْرِمٍ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ، حج أبي بي، وأنا ابن سبع سنين، فأدخلني على مكرم.
ورواه البيهقي [٣] أيضا في اجتياز النَّبِيِّ ﷺ بِخَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ، مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ مُكْرِمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْقَيْسِيِّ، قَالَا: ثنا أَبُو أَحْمَدَ بِشْرُ بْنُ، مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ السُّكَّرِيُّ، ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ وَهْبٍ الْمَذْحِجِيُّ، ثنا الْحُرُّ بْنُ الصَّيَّاحِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ هُوَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَدَلِيلُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطَ اللَّيْثِيُّ- كَذَا قَالَ: اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ الدِّيلِيُّ- مَرُّوا بِخَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ [٤] .
وَقَوْلُهُمَا ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ: أَيْ ظَاهِرُ الْجَمَالِ.
وَمُرْمِلِينَ: أَيْ قَدْ نَفَدَ زَادُهُمْ. وَمُسْنِتِينَ: أَيْ دَاخِلِينَ فِي السَّنَةِ وَالْجَدْبِ.
وَكِسْرُ الْخَيْمَةِ: جانبها.
وتفاجّت: فتحت ما بين رجليها.
_________________
(١) الحديث غير موجود في المطبوع من كتاب المعرفة والتاريخ، وإنّما أشار إليه نقلا عن البيهقي ٣/ ٢٧٤.
(٢) انظر دلائل النبوّة لأبي نعيم ٢/ ١١٧.
(٣) في دلائل النبوّة ١/ ٢٢٨ وما بعدها.
(٤) وهو في طبقات ابن سعد ١/ ٢٣٠- ٢٣٣ من الطريق نفسها.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وَيُرْبِضُ الرَّهْطَ: يَرْوِيهِمْ حَتَّى يُثْقِلُوا فَيَرْبِضُوا، وَالرَّهْطُ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ.
وَالثَّجُّ: السَّيْلُ.
وَالْبَهَاءُ: وَبِيضُ رَغْوَةِ اللَّبَنِ، فَشَرِبُوا حَتَّى أَرَاضُوا، أَيْ رَوَوْا. كَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ.
وَتَسَاوَكْنَ: تَمَايَلْنَ مِنَ الضَّعْفِ، وَيُرْوَى: تَشَارَكْنَ [١]، أَيْ عَمَّهُنَّ الْهُزَالُ.
وَالشَّاءُ عَازِبٌ: بَعِيدٌ فِي الْمَرْعَى.
وَأَبْلَجُ الْوَجْهِ: مُشْرِقُ الْوَجْهِ مُضِيئُهُ.
وَالثَّجْلَةُ: عِظَمُ الْبَطْنِ مَعَ اسْتِرْخَاءِ أَسْفَلِهِ.
وَالصَّعْلَةُ: صِغَرُ الرَّأْسِ، وَيُرْوَى (صَقْلَةٌ) وَهِيَ الدِّقَّةُ وَالضَّمْرَةُ، وَالصَّقْلُ: مُنْقَطِعُ الْأَضْلَاعِ مِنَ الْخَاصِرَةِ.
وَالْوَسِيمُ: الْمَشْهُورُ بِالْحُسْنِ، كَأَنَّهُ صَارَ الْحُسْنُ لَهُ سِمَةً.
وَالْقَسِيمُ: الْحَسَنُ قِسْمَةِ الْوَجْهِ.
وَالْوَطْفُ: الطُّولُ.
وَالصَّحْلُ: شِبْهُ الْبَحَّةِ.
وَالسَّطْعُ: طُولُ الْعُنُقِ.
لَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ: أَيْ لَا تَزْدَرِيهِ لِقِصَرِهِ فَتُجَاوِزُهُ إِلَى غَيْرِهِ، بَلْ تَهَابُهُ وَتَقْبَلُهُ.
وَالْمَحْفُودُ: الْمَخْدُومُ.
وَالْمَحْشُودُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ النّاس حوله.
_________________
(١) أي عمّهن الهزال فاشتركن فيه. كما في (النهاية) .
[ ١ / ٤٤٣ ]
وَالْمُفَنَّدُ: الْمَنْسُوبُ إِلَى الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الْعَقْلِ.
وَالضَّرَّةُ [١] أَصْلُ الضَّرْعِ.
وَمُزْبِدُ خُفِضَ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ.
وَقَوْلُهُ: (فَغَادَرَهَا رَهْنًا لَدَيْهَا لَحِالِبٍ) .
أَيْ خَلَّفَ الشَّاةَ عِنْدَهَا مُرْتَهِنَةً بِأَنْ تَدُرَّ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ: ثنا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ الْعِجْلِيُّ إِمْلَاءً، ثنا رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ- مِنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ، يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ- عَنِ ابْنٍ لِأَبِي هَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ، وَكَانَ وَصَّافًا- عَنْ حِلْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يتلألأ وجهه تلألأ الْقَمَرِ، أَطْوَلَ مِنَ الْمَرْبُوعِ وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ [٢]، عَظِيمَ الْهَامَةِ، رَجِلَ الشَّعْرِ، إِذَا انْفَرَقَتْ عَقِيصَتُهُ [٣] فَرَقَ، وَإِلَّا فَلَا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَّرَهُ، أَزْهَرُ اللَّوْنِ، وَاسِعُ الْجَبِينِ. أَزَجُّ الْحَوَاجِبِ: سَوَابِغُ فِي غَيْرِ قَرَنٍ، بَيْنَهُمَا عِرْقُ يُدِرُّهُ [٤] الْغَضَبُ. أَقْنَى [٥] الْعِرْنَيْنِ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ يَحْسِبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، سَهْلُ الْخَدَّيْنِ، ضَلِيعُ الْفَمِ، أَشْنَبُ مُفَلَّجُ الْأَسْنَانِ، دَقِيقُ الْمَسْرُبَةِ، كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ. مُعْتَدِلُ الْخَلْقِ، بَادِنٌ، مُتَمَاسِكٌ، سَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ، عَرِيضُ الصَّدْرِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ، أَنْوَرُ الْمُتَجَرَّدِ، مَوْصُولُ مَا بَيْنَ اللُّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ، عَارِي الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ، أَشْعَرُ
_________________
(١) في ع (الصرة) وهو تصحيف.
(٢) في حاشية الأصل (هو الطوال) .
(٣) العقيصة: الشعر المعقوص، وهو نحو من المضفور.
(٤) في طبقات ابن سعد ١/ ٤٢٢ «يديره» .
(٥) في حاشية الأصل: الأقنى من ارتفع أنفه في وسطه. والضليع: المتسع.
[ ١ / ٤٤٤ ]
الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ، طَوِيلُ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبُ الرَّاحَةِ [١]، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، سَائِلُ [٢]- أَوْ سَائِرُ- الْأَطْرَافِ، خُمْصَانُ الْأَخْمَصَيْنِ، مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ، يَنْبُو عَنْهُمَا الماء، إذا زال زَالَ قَلْعًا [٣]، يَخْطُو تَكَفِّيًا [٤]، وَيَمْشِي هَوْنًا، ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ، إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وإذا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا، خَافِضُ الطَّرْفِ، نَظَرُهُ إِلَى الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلَاحَظَةُ، يَسُوقُ [٥] أَصْحَابَهُ، وَيَبْدُرُ [٦] مَنْ لَقِيَهُ بالسلام.
قَالَ: قُلْتُ: صِفْ لِي مَنْطِقَهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ، دَائِمَ الْفِكْرَةِ، لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ، طَوِيلَ السَّكْتِ [٧]، لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، يَفْتَتِحُ الْكَلَامَ، بِأَشْدَاقِهِ، وَيَخْتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَصْلٌ [٨] لَا فُضُولَ وَلَا تَقْصِيرَ، دَمِثٌ لَيْسَ بِالْجَافِي وَلَا الْمَهِينِ، يُعَظِّمُ النِّعْمَةَ وَإِنْ دَقَّتْ، لَا يَذُمُّ مِنْهَا [٩] شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَذُمُّ ذَوَاقًا وَلَا يَمْدَحُهُ [١٠]، وَلَا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَهَا، فَإِذَا تَعَدَّى [١١] الْحَقُّ، لم يعرفه أَحَدٌ، وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر
_________________
(١) زاد ابن سعد هنا «سبط القصب» وفي المعرفة والتاريخ «سبط الغضب» .
(٢) السائل الأطراف: الممتدّ الأصابع. على ما في (ألوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي ٢/ ٣٩٨) .
(٣) في تهذيب تاريخ دمشق «تقلّعا» .
(٤) أي يتمايل إلى قدّام، كما في (النهاية) .
(٥) في طبقات ابن سعد «يسبق» .
(٦) في المعرفة والتاريخ، وتهذيب تاريخ دمشق «يبدأ» .
(٧) في الأصل (السلت) وهو تصحيف. وفي المنتقى لابن الملا (السكوت)، وكذا في تهذيب تاريخ دمشق، والمعرفة والتاريخ.
(٨) في طبقات ابن سعد «فضل» .
(٩) إضافة على الأصل من مختلف المراجع.
(١٠) هنا نقص في (ع) .
(١١) في طبقات ابن سعد «تعوطي»، وفي المعرفة والتاريخ «تعرّض» وكذا في تهذيب تاريخ دمشق.
[ ١ / ٤٤٥ ]
لَهَا، إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا، وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا، يَضْرِبُ بِرَاحَتِهِ الْيُمْنَى بَاطِنَ رَاحَتِهِ [١] الْيُسْرَى، وَإِذَا غَضِبَ أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، وَيَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَكَتَمْتُهَا الْحُسَيْنَ زَمَانًا، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ، يَعْنِي إِلَى هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ، فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَوَجَدْتُهُ قَدْ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مُدْخَلِهِ وَمُخْرَجِهِ وَشَكْلِهِ [٢]، فَلَمْ يَدَعْ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ الْحُسَيْنُ: فَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كَانَ دُخُولُهُ لِنَفْسِهِ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ:
جُزْءًا للَّه، وَجُزْءًا لِأَهْلِهِ، وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ جَزَّأَ جُزْأَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَرَدَّ [٣] ذَلِكَ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ، وَلَا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الْأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ [٤]، وَقَسْمُهُ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ، فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ، فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ وَيَشْغَلُهُمْ فِيمَا أَصْلَحَهُمْ وَالْأُمَّةَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَنْهُمْ، وَإِخْبَارُهُمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ، يَقُولُ: (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا، ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وَلَا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلَّا ذَلِكَ وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرِهِ، يَدْخُلُونَ رُوَّادًا، وَلَا يَفْتَرِقُونَ إِلَّا عَنْ ذواق [٥] ويخرجون أدلّة، يعني على الخير [٦] .
_________________
(١) في طبقات ابن سعد، والمعرفة والتاريخ «إبهامه» بدل «راحته» .
(٢) في طبقات ابن سعد، والمعرفة والتاريخ، وتهذيب تاريخ دمشق «مجلسه» .
(٣) في طبقات ابن سعد «فيسرد» . وفي تهذيب تاريخ دمشق «فيردّ» .
(٤) في طبقات ابن سعد «ناديه»، وفي المعرفة والتاريخ «بأدبه» .
(٥) ضرب الذواق مثلا لما ينالون عنده من الخير، أي لا يتفرّقون إلّا عن علم وأدب يتعلّمونه، يقوم لأنفسهم وأرواحهم مقام الطعام والشراب لأجسامهم. (النهاية لابن الأثير ٢/ ١٧٢) .
(٦) في المعرفة والتاريخ، وتهذيب تاريخ دمشق «يعني فقهاء» .
[ ١ / ٤٤٦ ]
فَسَأَلْتُهُ عَنْ مُخْرَجِهِ، كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ؟ قال: كان يخزن لِسَانَهُ إِلَّا مِمَّا يَعْنِيهِ [١]، وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلَا يُنَفِّرُهُمْ، وَيُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ، وَيَحْذَرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِي عَنْ أَحَدٍ بِشْرَهُ وَلَا خُلُقَهُ، وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ، وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ، وَيُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَيُقَوِّيهِ، وَيُقَبِّحُ الْقَبِيحَ وَيُوَهِّيهِ [٢]، مُعْتَدِلُ الْأَمْرِ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، لا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا أَوْ يَمَلُّوا [٣]، لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٌ، لَا يُقَصِّرُ عَنِ الْحَقِّ، وَلَا يُجَاوِزُهُ، الَّذِينَ [٤] يَلُونَهُ مِنَ النّاس خيارهم، وأفضلهم عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً، وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ [٥] أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً [٦] [٧] .
فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُومُ وَلَا يَجْلِسُ إِلَّا عَلَى ذِكْرٍ، وَلا يُوطِنُ الْأَمَاكِنَ وَيَنْهَى عَنْ إِيطَانِهَا [٨]، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي به المجلس ويأمر بذلك، يعطي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ، وَلَا يَحْسِبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْهُ، مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ، وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا، أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ، قَدْ وَسِعَ النَّاسَ مِنْهُ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ، فَصَارَ لَهُمْ أَبًا، وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً، مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ، لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ، وَلَا تُؤَبَّنُ فِيهِ الْحُرَمُ، وَلَا تُنْثَى فَلَتَاتُهُ،
_________________
(١) في طبقات ابن سعد «يعينهم»، وفي المعرفة والتاريخ «بما يعينهم»، وفي تهذيب تاريخ دمشق «يعنيهم» .
(٢) في طبقات ابن سعد، وتهذيب تاريخ دمشق «يوهنه» .
(٣) في المعرفة والتاريخ «يميلوا» .
(٤) في طبقات ابن سعد «لا يجوزه الدين»، وفي تهذيب تاريخ دمشق «ولا يجاوز إلى غيره» .
(٥) في المراجع الأخرى «عنده منزلة» .
(٦) في حاشية الأصل «بلغت قراءة على مؤلّفه الحافظ أبي عبد الله الذهبي. كتبه ابن البعلي، وذلك في الخامس عشر» .
(٧) في المراجع زيادة «ومؤازرة» .
(٨) قال ابن الأثير في النهاية: «أي لا يتّخذ لنفسه مجلسا يعرف به» .
[ ١ / ٤٤٧ ]
مُتَعَادِلِينَ يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى، مُتَوَاضِعِينَ يُوَقِّرُونَ فِيهِ الْكَبِيرَ، وَيَرْحَمُونَ فِيهِ الصَّغِيرَ، وَيُؤْثِرُونَ ذَا الْحَاجَةِ، ويحفظون الغريب. أخرجه التِّرْمِذِيُّ أَكْثَرَهُ مُقَطَّعًا فِي «كِتَابِ الشَّمَائِلِ» [١] .
وَرَوَاهُ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السِّجْزِيُّ [٢]، وَغَيْرُهُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ. وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْخَصِيبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيِّ [٣]، ثنا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ الْعِجْلِيِّ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيِّ- مِنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ- عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ [٤] .
وَفِيهِ زَائِدٌ من هذا الوجه وهو: فسألته عَنْ سِيرَتِهِ فِي جُلَسَائِهِ فَقَالَ: كَانَ دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ، وَلَا فَحَّاشٍ، وَلَا عَيَّابٍ، وَلَا مَزَّاحٍ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِيهِ، وَلَا يُؤْيَسُ مِنْهُ، وَلَا يُحَبَّبُ فِيهِ، قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ: مِنَ الْمِرَاءِ، وَالْإِكْثَارِ، وَمَا لَا يَعْنِيهِ، وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلَاثٍ: كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا وَلَا يُعَيِّرُهُ، وَلَا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ، إِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رءوسهم
_________________
(١) ص ٣٢٩ و٣٤٤ وإسناده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وكذا شيخه جميع بن عمر، ولجهالة الرجل من بني تميم، والراويّ عنه.
(٢) في نسخة دار الكتب «الشجري» وهو تصحيف.
(٣) العنقزي: بفتح العين وسكون النون وفتح القاف. (اللباب ٢/ ٣٦٢) .
(٤) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١/ ٤٢٢- ٤٢٤، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٨٤- ٢٨٦، والبيهقي في دلائل النبوّة ١/ ٢٣٨- ٢٥١، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ١/ ٣٢٩- ٣٣٤، عن الخطيب البغدادي، واللالكائي، والترمذي في الشمائل ٩- ١١، وابن كثير في الشمائل ٥٠- ٥٥، والمزّي في تهذيب الكمال ١/ ٢١٤- ٢١٧، وابن شاكر الكتبي في عيون التواريخ ١/ ٣٩٨- ٤٠٢، وابن سيّد الناس في عيون الأثر ٢/ ٣٢٣- ٣٢٨، وابن كثير في البداية والنهاية ٦/ ٣١- ٣٣، والهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٧٣، والنويري في نهاية الأرب ١٨/ ٢٧١- ٢٧٨، والسيوطي في الخصائص الكبرى ١/ ٧٦- ٧٧.
[ ١ / ٤٤٨ ]
الطّير، فإذا سكت تكلّموا، ولا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ، مَنْ تَكَلَّمَ أَنْصَتُوا لَهُ، وَكَانَ يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، وَيَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمْ صَاحِبَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُهَا فَارْقُدُوهُ»، وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا عَنْ مُكَافِئٍ [١]، وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ.
فَسَأَلْتُهُ: كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعٍ: عَلَى الْحِلْمِ، وَالْحَذَرِ، وَالتَّدَبُّرِ، وَالتَّفَكُّرِ، فَأَمَّا تَدَبُّرُهُ، فَفِي تَسْوِيَةِ النَّظَرِ وَالِاسْتِمَاعِ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَمَّا تَفَكُّرُهُ فَفِيمَا يَبْقَى وَيَفْنَى، وَجُمِعَ الْحِلْمُ فِي الصَّبْرِ، فَكَانَ لَا يُغْضِبُهُ شَيْءٌ وَلَا يَسْتَفِزُّهُ. وجمع له الحذر في أربع: أخذه بِالْخَيْرِ [٢] لِيُقْتَدَى بِهِ، وَتَرْكِهِ الْقَبِيحَ لِيُنْتَهَى عَنْهُ، وَاجْتِهَادِهِ الرَّأْيَ فِيمَا يُصْلِحُ أُمَّتَهُ وَالْقِيَامِ بِهِمْ، وَالْقِيَامِ فِيمَا جَمَعَ لَهُمْ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﷺ.
وَرَوَاهُ بِطُولِهِ كُلِّهِ يَعْقُوبُ الْفَسَوِيُّ [٣]: ثنا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ، وَسَعِيدُ بن حمّاد الأنصاريّ المصري قال: حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ بِمَكَّةَ، عَنِ ابْنٍ لِأَبِي هَالَةَ، فَذَكَرَهُ.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ النَّهْدِيِّ:
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْهُدَى [٤] عِيسَى بْنِ يَحْيَى السَّبْتِيِّ، أَخْبَرَكُمْ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يُوسُفَ الدِّمَشْقِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أنا أَبُو سَعْدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْفَانِيذِيُّ، وَأَبُو مُسْلِمٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عمر السِّمَنَانيّ،
_________________
(١) قيل: مقتصد في ثنائه ومدحه، وقيل: إلّا من مسلم، وقيل إلّا من مكافئ على يد سبقت من النَّبِيَّ ﷺ، كَمَا فِي (عيون الأثر) . وفي (دلائل النّبوّة للبيهقي): يريد أنّه كان إذا ابتدئ بمدح كره ذلك.
(٢) في حاشية الأصل (بالحسن. خ) يعني في نسخة.
(٣) المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٨٤- ٢٨٧.
(٤) في نسخة دار الكتب (الهذيل) بدل (الهدى) وهو وهم.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وَأَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَسَدِيُّ، قالوا: أن أبو عليّ الحسن بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّاجِرُ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْعَلَوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَخِي أَبِي طَاهِرٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قال: قال الحسن بْنُ عَلِيٍّ ﵄: سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ، عَنْ حِلْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ وَصَّافًا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهُ شَيْئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ، فَقَالَ: كَانَ فَخْمًا مُفَخَّمًا. فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ جُمَيْعِ بْنِ عُمَرَ بِطُولِهِ، إِلَّا فِي أَلْفَاظٍ: فَقَالَ فِي (عَرِيضِ الصَّدْرِ) (فَسِيحِ الصَّدْرِ)، وَقَالَ (رَحْبَ الْجَبْهَةِ) بَدَلَ (رَحْبِ الرَّاحَةِ)، وَقَالَ (يَبْدَأُ) بَدَلَ (يَبْدُرُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ)، وَقَالَ (طَوِيلَ السُّكُوتِ) بَدَلَ (السَّكْتِ)، وَقَالَ (لَمْ يكن ذواقا ولا مدحة) بَدَلَ (لَا يَذُمُّ ذَوَاقًا وَلَا يَمْدَحُهُ) وَأَشْيَاءَ سِوَى هَذَا بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ مُتَمَاسِكٌ: أَيْ مُمْتَلِئُ الْبَدَنِ غَيْرُ مُسْتَرْخٍ وَلَا رَهْلٍ، وَالْمُتَجَرِّدُ:
الْمُتَعَرِّي، وَاللُّبَّةُ: النَّحْرُ، وَالسَّائِرُ وَالسَّائِلُ: هُوَ الطَّوِيلُ السَّابِغُ، وَالْأَخْمَصُ: مَا يُلْصَقُ مِنَ الْقَدَمِ بِالْأَرْضِ، وَالْمَمْسُوحُ: الْأَمْلَسُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شُقُوقٌ، وَلَا وَسَخٌ، وَلَا تَكَسُّرٌ، فَالْمَاءُ يَنْبُو عَنْهُمَا لِذَلِكَ إِذَا أَصَابَهُمَا، وَقَوْلُهُ: زَالَ قَلْعًا، الْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ رَفْعًا بِقُوَّةٍ لَا كَمَنْ يَمْشِي اخْتِيَالًا وَيَشْحَطُ مَدَاسَهُ دَلْكًا بِالْأَرْضِ، وَيُرْوَى: زَالَ قَلْعًا. وَمَعْنَاهُ التَّثَبُّتُ، وَالذَّرِيعُ: السَّرِيعُ: يَسُوقُ أَصْحَابَهُ: أَيْ يُقَدِّمُهُمْ أَمَامَهُ، وَالْجَافِي:
الْمُتَكَبِّرُ، وَالْمَهِينُ: الْوَضِيعُ، وَالذَّوَاقُ: الطَّعَامُ، وَأَشَاحَ: أَيِ اجْتَنَبَ ذَاكَ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَحَبُّ الْغَمَامِ: الْبَرَدُ، وَالشَّكْلُ: النَّحْوُ وَالْمَذْهَبُ، وَالْعَتَادُ:
مَا يُعَدُّ لِلْأَمْرِ مِثْلَ السِّلَاحِ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ لَا تُؤَبَّنُ فِيهِ الْحُرَمُ: أَيْ لَا تُذْكَرُ بِقَبِيحٍ، وَلَا تُنْثَى فَلَتَاتُهُ: أَيْ لَا تُذَاعُ، أَيْ لَمْ يَكُنْ لِمَجْلِسِهِ فلتات فتذاع،
[ ١ / ٤٥٠ ]
وَالنَّثَا فِي الْكَلَامِ: الْقَبِيحُ وَالْحَسَنُ.
وَقَدْ مَرَّ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا.
وَقَالَ إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ قُرَيْشًا أَتَوْا كَاهِنَةً فَقَالُوا لَهَا: أَخْبِرِينَا بِأَقْرَبِنَا شَبَهًا بِصَاحِبِ هَذَا الْمَقَامِ، قَالَتْ: إِنْ جَرَرْتُمْ كِسَاءً عَلَى هَذِهِ السَّهْلَةِ، ثُمَّ مَشَيْتُمْ عَلَيْهَا أَنْبَأَتْكُمْ، فَفَعَلُوا، فَأَبْصَرَتْ أَثَرَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَتْ: هَذَا أَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِهِ، فَمَكَثُوا بَعْدَ ذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ بُعِثَ ﵇.
وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ الْعَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ هُوَ وَعَلِيٌّ يَمْشِيَانِ، فَرَأَى الْحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ [١] ثُمَّ قَالَ:
بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيِّ
وَعَلِيٌّ يَتَبَسَّمُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٢]، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ.
وَقَالَ إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: الْحَسَنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذلك.
_________________
(١) في الأصل «عنقه» .
(٢) في المناقب ٤/ ٢١٧ باب مناقب الحسن والحسين ﵄. ولفظه: ليس شبيه بعليّ، وعليّ يضحك.
[ ١ / ٤٥١ ]