قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ [٢] يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَسْفَلَ بَلْدَحٍ» [٣]، وَذَلِكَ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَدَّمَ [٤] إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ وَقَالَ:
«لَا آكُلُ مِمَّا يَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِهِمْ [٥]، أَنَا لَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله
_________________
(١) انظر عنه في: نسب قريش ٣٦٤، جمهرة نسب قريش وأخبارها ٤١٦- ٤١٨، سيرة ابن هشام ١/ ٢٥٥، والسير والمغازي لابن إسحاق ١١٦- ١١٩، طبقات ابن سعد ١/ ١٦١، ١٦٢، تاريخ الطبري ٢/ ٢٩٥، الروض الأنف ١/ ٢٥٥- ٢٥٧، جمهرة أنساب العرب لابن حزم ١٥٠، تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٣٠- ٣٦، الأغاني ٣/ ١٢٣- ١٣١ تهذيب الأسماء واللغات للنووي ق ١ ج ١/ ٢٠٤، ٢٠٥ رقم ١٩٢، أسد الغابة لابن الأثير ٢/ ٢٣٦- ٢٣٨، الوافي بالوفيات ١٥/ ٣٨، ٣٩، رقم ٣٩، الإصابة ١/ ٥٦٩، ٥٧٠ رقم ٢٩٢٣.
(٢) في صحيح البخاري ٤/ ٢٣٢: «حدّثنا سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر» .
(٣) في أخبار مكة ٢/ ٢٣٠ (بالحاشية): بلدح واد بين فخ والحديبيّة، والحديبيّة واقعة في آخر بلدح. وقال البكري في معجم ما استعجم ١/ ٢٧٣. موضع في ديار بني فزارة، وهو واد عند الجرّاحيّة، في طريق التنعيم إلى مكة. وقال ياقوت في معجم البلدان ١/ ٤٨٠: واد قبل مكة من جهة المغرب.
(٤) في صحيح البخاري «فقدّمت إلى النبيّ» .
(٥) في الصحيح: «قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم» .
[ ١ / ٨٥ ]
عَلَيْهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [١]، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: [٢] «فَكَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ الْمَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ؟» إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ [٣] .
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُوسَى: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا تَحَدَّثَ بِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ وَيَتَّبِعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ، فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ [٤] قَالَ: إِنَّكَ لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ.
قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا وَإِنِّي [٥] أَسْتَطِيعُهُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى، فَذَكَرَ لَهُ مِثْلَهُ فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا، حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ. قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، [٦] فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ الْيَهُودِيُّ، فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قولهم في إبراهيم خرج،
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ٢٣٢، ٢٣٣ كتاب المناقب، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، و٦/ ٢٢٥ كتاب الذبائح والصيد والتسمية، باب ما ذبح على النصب والأصنام، وانظر السير والمغازي لابن إسحاق ١١٨، معجم ما استعجم ١/ ٢٧٣، الأغاني ٣/ ١٢٦.
(٢) في الصحيح «وأن زيد بن عمرو كان يعيب» .
(٣) الصحيح للبخاريّ ٤/ ٢٣٣، ومسند أحمد ١/ ١٨٩، نسب قريش ٣٦٤، الروض الأنف ١/ ٢٥٦، تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٣٠ و٣٤، الإصابة ١/ ٥٦٩.
(٤) في الصحيح «أدين دينكم فأخبرني» وفي الروض الأنف ١/ ٢٥٦ «بدينكم، فأخبروني» .
(٥) في الصحيح «وأنا» .
(٦) في الصحيح، والروض الأنف زيادة: «ولا أحمل من لعنة الله، ولا من غضبه شيئا أبدا، وأني أستطيع، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نصرانيا ولا يعبد إلّا الله» .
[ ١ / ٨٦ ]
فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهمّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ» . هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [١] .
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا حَارًّا [٢] وَهُوَ مُرْدِفِي إِلَى نُصُبٍ مِنَ الأَنْصَابِ، وَقَدْ ذَبَحْنَا لَهُ شَاةً فَأَنْضَجْنَاهَا، فَلَقِينَا زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَحَيَّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: يَا زَيْدُ مَا لِي أَرَى قَوْمَكَ قد شنقوا لَكَ [٣]؟
قَالَ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ ذَلِكَ لَبِغَيْرِ [٤] نَائِلَةٍ تِرَةٌ [٥] لِي فِيهِمْ، وَلَكِنِّي خَرَجْتُ أبتغي هذا الدّين حتى أقدم على أخبار فَدَكٍ [٦] فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، فَقَدِمْتُ [٧] الشَّامَ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَخَرَجْتُ [٨] فَقَالَ لِي شَيْخٌ مِنْهُمْ: إِنَّكَ تَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْبُدُ اللَّهَ بِهِ إِلَّا شَيْخٌ بِالْجَزِيرَةِ [٩]، فَأَتَيْتُهُ [١٠]، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مَنْ أَهْلِ بَيْتِ اللَّهِ، قَالَ [١١]: من أهل الشّوك والقرظ؟ إنّ
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ٢٣٣ كتاب المناقب، باب حديث زيد بن عمرو، الروض الأنف ١/ ٢٥٦، تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٣٢، الإصابة ١/ ٥٦٩، الأغاني ٣/ ١٢٦، ١٢٧.
(٢) في مجمع الزوائد للهيثمي ٩/ ٤١٧ «من أيام مكة» .
(٣) في دلائل النبوّة للبيهقي ١/ ٣٨٥ «شنفوك» .
(٤) في مجمع الزوائد «لغير» .
(٥) «ترة» ليست في مجمع الزوائد.
(٦) فدك: بفتح أوّله وثانيه. قال البكري: معروفة، بينها وبين خيبر يومان. (معجم ما استعجم ٣/ ١٠١٥) وقال ياقوت: قرية بالحجاز، بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة. (معجم البلدان ٤/ ٢٣٨) وفي الدلائل للبيهقي «يثرب» .
(٧) في المجمع «فخرجت حتى أقدم على أحبار الشام» .
(٨) في المجمع «قلت ما هذا الدين الّذي ابتغي» .
(٩) في المجمع «بالحيرة» .
(١٠) في المجمع «فخرجت حتى أقدم عليه» .
(١١) ليس في مجمع الزوائد لفظ «قال» فجملة «من أهل الشوك والقرظ» هي من لفظ زيد.
[ ١ / ٨٧ ]
الَّذِي تَطْلُبُ قَدْ ظَهَرَ بِبِلَادِكَ، قَدْ بُعِثَ نَبِيٌّ قَدْ طَلَعَ نَجْمُهُ، وَجَمِيعُ مَنْ رَأَيْتَهُمْ فِي ضَلَالٍ، قَالَ: فَلَمْ أُحِسُّ بِشَيْءٍ [١]، قَالَ: فَقَرَّبَ إِلَيْهِ السُّفْرَةَ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: شَاةٌ ذُبِحَتْ لِلنُّصُبِ [٢] . قَالَ: مَا كُنْتُ لِآكُلَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ: فَتَفَرَّقَا [٣] . وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ [٤] .
[٥] وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: «لَقَدْ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ مَا مِنْكُمُ أَحَدٌ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي، وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا أراد أن يقتل ابنته: مع! لَا تَقْتُلْهَا أَنَا أَكْفِيَكَ مَئُونَتَهَا، فَيَأْخُذَهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شَئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ وَإِنْ شَئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا» . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ [٦] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ مَاتَ، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«إِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ» [٧] . إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
أُنْبِئْتُ عَنْ أَبِي الْفَخْرِ أَسْعَدَ، أَخْبَرَتْنَا فَاطِمَةُ، أنا ابن ريدة، أنا
_________________
(١) في المجمع «بشيء بعد يا محمد» .
(٢) في المجمع «ذبحناها لنصب من الأنصاب» .
(٣) دلائل النبوّة للبيهقي ١/ ٣٨٥، مجمع الزوائد ٩/ ٤١٧، ٤١٨.
(٤) مرّت بقيّة الحديث قبل صفحتين بقليل حين ذكر الصنم النحاس الّذي يقال له أساف ونائلة.
(٥) من هنا إلى قوله «باب» أخبرتنا ست الأهل.. غير مثبت في الأصل، والمثبت من نسخة دار الكتب المصرية و(ع) والمنتقى لابن الملا..
(٦) أخرجه البخاري ٤/ ٢٣٣ كتاب المغازي، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، وانظر، نسب قريش ٣٦٤، سيرة ابن هشام ١/ ٢٥٥، الروض الأنف ١/ ٢٥٦، تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٣٣، ٣٤، الإصابة ١/ ٥٦٩، المعجم الكبير للطبراني ٢٤/ ٨٢ رقم ٢١٦، تهذيب الأسماء واللغات ق أج ١/ ٢٠٥.
(٧) سيرة ابن هشام ١/ ٢٥٦، نسب قريش ٣٦٥، تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٣٤، الإصابة ١/ ٥٧٠، مجمع الزوائد ٩/ ٤١٧.
[ ١ / ٨٨ ]
الطَّبَرَانِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أنا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ نُفَيْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «خَرَجَ أَبِي وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَطْلُبَانِ الدِّينَ حَتَّى مَرَّا بِالشَّامِ، فَأَمَّا وَرَقَةُ فَتَنَصَّرَ [١]، وَأَمَّا زَيْدٌ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى الْمَوْصِلَ، فَإِذَا هُوَ بِرَاهِبٍ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ صَاحِبُ الرَّاحِلَةِ؟ قَالَ: مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
مَا تَطْلُبُ؟ قَالَ: الدِّينَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ، وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ [٢]، قَالَ: أَمَا إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ سَيَظْهَرُ بِأَرْضِكَ، فَأَقْبَلَ وَهُوَ يَقُولُ:
لَبَّيْكَ حقّا تعبّدا ورقّا
البرّ أبغى لا الخال [٣] وَمَا مُهَجِّرٌ [٤] كَمَنْ قَالَ [٥]
عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ [٦] أَنْفِي لَكَ اللَّهمّ عَانٍ رَاغِمُ
مهما تجشّمني فإنّي جاشم
_________________
(١) وفي السير والمغازي ١١٦ زيادة: «فاستحكم في النصرانية، واتّبع الكتب من أهلها حتى علم كثيرا من أهل الكتاب. فلم يكن فيهم أعدل أمرا، ولا أعدل شأنا من زيد بن عمرو بن نفيل» . وسيأتي نحوه بعد قليل.
(٢) في مجمع الزوائد ٩/ ٤١٧ «فيها» .
(٣) الخال: الخيلاء والكبر. وفي المجمع الزوائد «الحال» بالحاء المهملة وهو تحريف.
(٤) في السير والمغازي لابن إسحاق ١١٦ «ليس مهجر» وكذا في سيرة ابن هشام ١/ ٢٦٢ وفي الأغاني ٣/ ١٢٤ «وهل مهجّر»، وفي مجمع الزوائد ٩/ ٤١٧ «وهل مهاجر» . قال السهيليّ في الروض الأنف ١/ ٢٦٢: «ليس مهجر كمن» أي ليس من هجّر وتكيّس، كمن آثر العائلة والنوم. والمهجر: السّائر في المهاجرة.
(٥) قال: من قال يقيل قيلولة.
(٦) إبراهيم: بحذف الياء بعد الهاء.
(٧) جاشم: من جشم الأمر إذا تجشّمه وتكلّفه بمشقّة. وانظر هذا القول مع اختلاف في الترتيب والألفاظ في السير والمغازي ١١٦، سيرة ابن هشام ١/ ٢٦٢، نسب قريش ٣٦٤، الأغاني ٣/ ١٢٤، مجمع الزوائد ٩/ ٤١٧ تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٣٢.
[ ١ / ٨٩ ]
ثُمَّ يَخِرُّ فَيَسْجُدَ لِلْكَعْبَةِ. قَالَ: فَمَرَّ زَيْدٌ بالنّبيّ ﷺ ويزيد بن حارثة، وهم يَأْكُلانِ مِنْ سُفْرَةٍ لَهُمَا، فَدَعَيَاهُ فَقَالَ: يَا بْنَ أَخِي لَا آكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النّصب، قال: فما رئي النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ مِنْ يَوْمِهِ ذَاكَ حَتَّى بُعِثَ [١] . قَالَ: وَجَاءَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: فَقَالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَيْدًا كَانَ كَمَا رَأَيْتَ، أَوْ كَمَا بَلَغَكَ، فَاسْتَغْفِرْ لَهُ، قَالَ: نَعَمْ فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ» [٢] . وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [٣] قَالَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ حِينَ بَنَوُا [٤] الْكَعْبَةَ يَتَوَافَدُونَ عَلَى كِسْوَتِهَا كُلَّ عَامٍ تَعْظِيمًا لِحَقِّهَا، وَكَانُوا يَطُوفُونَ بِهَا، وَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ عِنْدَهَا، وَيَذْكُرُونَهُ مَعَ تَعْظِيمِ الأَوْثَانِ وَالشِّرْكِ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَدِينِهِمْ كُلِّهِ.
وَقَدْ كَانَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ بْنِ أَسَدٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ وَرَقَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، وَأُمُّهُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ [٥] حَضَرُوا قُرَيْشًا عِنْدَ وَثَنٍ لَهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَهُ لِعِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا خَلَا بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: تَصَادَقُوا وَلْيَكْتُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ:
تَعْلَمُنَّ [٦] وَاللَّهِ مَا قَوْمُكُمْ عَلَى شَيْءٍ، لَقَدْ أخطأوا دين إبراهيم وخالفوه، وما
_________________
(١) السير والمغازي لابن إسحاق ١١٨، تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٣٢، مجمع الزوائد ٩/ ٤١٧.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٢٥٦، السير والمغازي لابن إسحاق ١١٩، نسب قريش ٣٦٥، الأغاني ٣/ ١٢٧، تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٣٢ و٣٤، مجمع الزوائد ٩/ ٤١٧، الإصابة ١/ ٥٧٠.
(٣) السير والمغازي ١١٥، ١١٦، سيرة ابن هشام، ١/ ٢٥٣- ٢٥٥.
(٤) في السير والمغازي ١١٥ «رفعوا بنيان الكعبة» .
(٥) في السير «حليف بني أميّة» .
(٦) في السير «تعلمون»، وفي السيرة «تعلموا» .
[ ١ / ٩٠ ]
وَثَنٌ يُعْبَدُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، فَابْتَغُوا لأَنْفُسِكُمْ، فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَ وَيَسِيرُونَ فِي الأَرْضِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمِلَلِ كُلِّهَا، يَتَّبِعُونَ الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا وَرَقَةُ فَتَنَصَّرَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَعْدَلَ شَأْنًا مِنْ زَيْدِ ابْنِ عَمْرٍو، اعْتَزَلَ الْأَوْثَانَ وَفَارَقَ الأَدْيَانَ إِلَّا دِينَ إِبْرَاهِيمَ [١] .
وَقَالَ الْبَاغَنْدِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ [٢] عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ دَوْحَتَيْنِ» . وَقَالَ البكّائيّ، عن ابن إِسْحَاقَ [٣]: حَدَّثَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: «لَقَدْ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ شَيْخًا كَبِيرًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا أَصْبَحَ مِنْكُمْ أَحَدٌ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهمّ لَوْ أَعْلَمُ أَيَّ الْوُجُوهِ أَحَبُّ إِلَيْكَ عَبَدْتُكَ بِهِ، ثُمَّ يَسْجُدُ عَلَى رَاحِلَتِهِ» .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٤]: فَقَالَ زَيْدٌ فِي فِرَاقِ دِينِ قَوْمِهِ:
أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبٍّ أَدِينُ إِذَا تُقُسِّمَتِ الْأُمُورُ
عَزَلْتُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى جَمِيعًا كذلك يفعل الجلد الصّبور [٥]
في أبيات [٦] .
_________________
(١) انظر السير والمغازي ١١٦ وسيرة ابن هشام ١/ ٢٥٥.
(٢) في (ع): «معاوية» بدلا من «أبو معاوية»، والتصحيح من تهذيب التهذيب ٩/ ١٣٧.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٢٥٥ وانظر السير والمغازي ١١٦.
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٢٥٦، ٢٥٧.
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٢٥٧، السير والمغازي ١١٧.
(٦) انظر الاختلاف وبقية الأبيات في: نسب قريش ٣٦٤، ٣٦٥، جمهرة نسب قريش وأخبارها ٤١٦، الأصنام للكلبي ٢١، ٢٢، الأغاني ٣/ ١٢٤، ١٢٥، تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٣٥، البداية والنهاية ٢/ ٢٤٢، بلوغ الأرب للآلوسي ٢/ ٢٢٠.
[ ١ / ٩١ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [١]: وَكَانَ الْخَطَّابُ بْنُ نُفَيْلٍ عَمُّهُ وَأَخُوهُ لِأُمِّهِ يُعَاتِبُهُ [٢] وَيُؤْذِيهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ إِلَى أَعْلَى مَكَّةَ، فَنَزَلَ حِرَاءَ مُقَابِلَ مَكَّةَ، فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ سِرًّا آذَوْهُ وَأَخْرَجُوهُ، كَرَاهِيَةَ، أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَأَنْ يُتَابِعَهُ أَحَدٌ. ثُمَّ خَرَجَ يَطْلُبُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، فَجَالَ الشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ [٣] .
إِلَى أَنْ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٤]: فَرَدَّ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا تَوَسَّطَ بِلادَ لَخْمٍ عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ.