قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [١]: ثُمَّ إِنَّ «خديجة بنت خويلد بْن أسد بْن عَبْد الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ» وَهِيَ أَقْرَبُ مِنْهُ ﷺ إِلَى قُصَيٍّ بِرَجُلٍ، كَانَتِ امْرَأَةً تَاجِرَةً ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ، وَكَانَتْ تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ فِي مَالِهَا [٢]، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُجَّارًا [٣] فَعَرَضَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالٍ لَهَا إِلَى الشَّامِ [٤]، وَمَعَهُ غلام لها اسْمُهُ «مَيْسَرَةُ»، فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ بِقُرْبِ صَوْمَعَةٍ، فَأَطَلَّ [٥] الرَّاهِبُ إِلَى مَيْسَرَةَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ [٦] فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا نَبِيٌّ [٧] .
ثُمَّ بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ تِجَارَتَهُ وَتَعَوَّضَ وَرَجَعَ، فَكَانَ «مَيْسَرَةُ» - فِيمَا
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٢١٨، ٢١٢ السير والمغازي لابن إسحاق ٨١، تاريخ الطبري ٢/ ٢٨٠.
(٢) في السيرة والسير وتاريخ الطبري، زيادة: «وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم منه» .
(٣) في السيرة والسير وتاريخ الطبري «قوما تجارا» .
(٤) في السيرة والسير وتاريخ الطبري زيادة: «وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار» .
(٥) في السيرة والسيرة وتاريخ الطبري «فأطلع» ..
(٦) في المصادر المذكورة «من هذا الرجل الّذي نزل تحت هذه الشجرة» .
(٧) قال السهيليّ في الروض ١/ ٢١١: «يريد ما نزل تحتها هذه الساعة إلّا نبيّ، ولم يرد: ما نزل تحتها قط إلّا نبيّ، لبعد العهد بالأنبياء قبل ذلك..» . وأقول: لقد ورد في المصادر السابقة لفظ «قط» والله أعلم.
[ ١ / ٦٣ ]
يَزْعُمُونَ- إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلَّانِهِ مِنَ الشَّمْسِ وَهُوَ يَسِيرُ [١] .
وَرَوَى قِصَّةَ خُرُوجِهِ ﷺ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا، المحامليّ [٢]، عن عبد الله ابن شَبِيبٍ، وَهُوَ وَاهٍ [٣]، ثَنَا أَبُو بَكْرُ بْنُ شَيْبَةَ [٤]، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْعَدَوِيُّ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَتْنِي عُمَيْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُمِّ سَعْدِ [٥] بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ نَفِيسَةَ بِنْتِ مُنْيَةَ [٦] أُخْتِ يَعْلَى قَالَتْ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ بَاعَتْ خَدِيجَةُ مَا جَاءَ بِهِ فَأَضْعَفَ أَوْ قَرِيبًا [٧] .
وَحَدَّثَهَا «مَيْسَرَةُ» عَنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَعَنِ الْمَلَكَيْنِ، وَكَانَتْ لَبِيبَةً حَازِمَةً، فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ تَقُولُ: يَا بْنَ عَمِّي، إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِيكَ لِقَرَابَتِكَ وأمانتك
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام ١/ ٢١٢، والسير والمغازي ٨١، وتاريخ الطبري ٢/ ٢٨٠.
(٢) المحاملي: فتح الميم والحاء، نسبة إلى المحامل التي يحمل فيها الناس في السفر، والمقصود به: القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبيّ، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ. وهو ثقة. انظر عنه: الفهرست ٢٣٣، أخبار الراضي للصولي ٢٣٠، تاريخ بغداد ٨/ ١٩- ٢٣، تاريخ دمشق مخطوط التيمورية ٣٦/ ٤٠٣، الكامل في التاريخ ٨/ ٣٩٢، اللباب ٣/ ١٧١، معجم الشيوخ لابن جميع (بتحقيقنا) ٢٥٣ رقم ٢١٣، العبر ٢/ ٢٢٢، تذكرة الحفاظ ٢/ ٨٢٤- ٨٢٦، البداية والنهاية ١١/ ٢٠٣ و٢٠٤، مرآة الجنان ٢/ ٢٩٧، الوافي بالوفيات ١٢/ ٣٤١، المنتظم ٦/ ٣٢٧، طبقات الشافعية للإسنويّ ٢/ ٣٨٤، الأعلام ٢/ ٢٥١، معجم المؤلّفين ٣/ ٣١٥، تاريخ التراث العربيّ ١/ ٤٥٢.
(٣) سبق الإشارة إلى ضعف عبد الله بن شبيب، وإلى مصادر ترجمته.
(٤) في نسخة دار الكتب المصرية «ابن أبي شيبة» وهو وهم واسمه: عبد الرحمن بن عبد الملك بن شَيْبَة. (تهذيب التهذيب) .
(٥) هنا سقط في نسخة دار الكتب.
(٦) في الأصل وفي نسخة القدسي ٢/ ٣١ «منبه» بالباء الموحّدة، وهو تحريف، والتصحيح من طبقات ابن سعد ١/ ١٣١ ونهاية الأرب ١٦/ ٩٧، والإصابة ٣/ ٦٦٨ رقم ٩٣٥٨ في ترجمة أخيها يعلى بن أمية، وقال: منية: بضم الميم وسكون النون.
(٧) انظر طبقات ابن سعد ١/ ١٢٩- ١٣١، نهاية الأرب ١٦/ ٩٧.
[ ١ / ٦٤ ]
وصدقك وحسن خلفك، ثُمَّ عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فَقَالَ ذَلِكَ لِأَعْمَامِهِ، فَجَاءَ مَعَهُ حَمْزَةُ عَمُّهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدٍ [١] فَخَطَبَهَا مِنْهُ، وَأَصْدَقَهَا النَّبِيُّ ﷺ عِشْرِينَ بَكْرَةً، فَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ [٢] . وَتَزَوَّجَهَا وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ»: [٣] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، ثنا حمّاد، عن عمّار ابن أَبِي عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- فِيمَا يَحْسَبُ حَمَّادٌ-: أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ خَدِيجَةَ، وَكَانَ أَبُوهَا يَرْغَبُ عَنْ أَنْ يُزَوِّجَهُ، فَصَنَعَتْ هِيَ طَعَامًا وَشَرَابًا، فَدَعَتْ أَبَاهَا وَزُمَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَطَعِمُوا وَشَرِبُوا حَتَّى ثَمِلُوا، فَقَالَتْ لِأَبِيهَا: إِنَّ مُحَمَّدًا يَخْطُبُنِي فَزَوِّجْنِي إِيَّاهُ، فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ، فَخَلَّقَتْهُ [٤] وَأَلْبَسَتْهُ حُلَّةً كَعَادَتِهِمْ، فَلَمَّا صَحَا نَظَرَ، فَإِذَا هُوَ مُخَلَّقٌ فَقَالَ: مَا شَأْنِي؟ فَقَالَتْ:
زَوَّجْتَنِي مُحَمَّدًا، فَقَالَ: وَأَنَا أُزَوِّجُ يَتِيمَ أَبِي طَالِبٍ! لَا لَعَمْرِي، فَقَالَتْ:
أَمَا تَسْتَحِي؟ تُرِيدُ أَنْ تُسَفِّهَ نَفْسَكَ مَعِي عِنْدَ قُرَيْشٍ بِأَنَّكَ كُنْتَ سَكْرَانَ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى رَضِيَ.
وَقَدْ رَوَى طَرَفًا مِنْهُ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْوَالِبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَوْ غَيْرِهِ.
وَأَوْلَادُهُ كُلُّهُمْ مِنْ خديجة سوى إبراهيم، وهم: القاسم، والطّيّب،
_________________
(١) هو خويلد بن أسد، وقيل: بل عمرو بن خويلد بن أسد، وقيل بل عمرو بن أميّة عمّها وكان شيخا كبيرا وهو الصحيح، على ما في نهاية الأرب ١٦/ ٩٨، وعند ابن سعد في الطبقات ١/ ١٣٢ هو عمرو بن أسد بن عبد العزّي، وهو يومئذ شيخ كبير لم يبق لأسد لصلبه يومئذ غيره، ولم يلد عمرو بن أسد شيئا. وينفي الواقدي الأقوال الأخرى فيقول: «فهذا كلّه عندنا غلط ووهم، والثبت عندنا المحفوظ عن أهل العلم أن أباها خويلد بن أسد مات قبل الفجار، وأنّ عمّها عمرو بن أسد تزوجها رَسُول اللَّهِ ﷺ. (طبقات ابن سعد ١/ ١٣٣) .
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٢١٣، ٢١٤.
(٣) ج ١/ ٣١٢ وانظر تاريخ الطبري ٢/ ٢٨٢.
(٤) خلّقته: طيّبته. وفي المسند «فجعلته» .
[ ١ / ٦٥ ]
وَالطَّاهِرُ، وَمَاتُوا صِغَارًا رُضَّعًا قَبْلَ الْمَبْعَثِ، وَرُقَيَّةُ، وَزَيْنَبُ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةُ [١]- ﵃-، فَرُقَيَّةُ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ تَزَوَّجَتَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ [٢]، وَزَيْنَبُ زَوْجَةُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ [٣]، وَفَاطِمَةُ زَوْجَةُ عَلِيٍّ﵃- أَجْمَعِينَ [٤] .