قَالَ أَبُو التَّيَّاحِ [١]، عَنْ أَنَسٍ ﵁، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَلَإِ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا، فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا [٢] .
قَالُوا: لَا وَاللَّهِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ. فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: كَانَ [٣] فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ فِيهِ خِرَبٌ وَنَخْلٌ [٤] . فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ. فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ [الْمَسْجِدِ] [٥]، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ [ذَاكَ] [٦] الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ، وَيَقُولُونَ:
اللَّهمّ [إِنَّهُ] [٧] لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخرة فانصر [٥ ب] الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٨] . وَفِي رِوَايَةٍ: فَاغْفِرْ للأنصار.
_________________
(١) هو يزيد بن حميد الضّبعي.
(٢) ثامنوني بحائطكم، وقد وردت في موضع آخر من «صحيح البخاري» ٤/ ٢٦٦: «ثامنوني حائطكم»، أي اجعلوا له ثمنا. أو سوموني، كما في شرح البخاري.
(٣) في صحيح البخاري «كانت» .
(٤) في صحيح البخاري: «وكان فيه نخل» .
(٥) زيادة من صحيح البخاري.
(٦) زيادة من صحيح البخاري.
(٧) زيادة من صحيح البخاري.
(٨) البخاري ٤/ ٢٦٦ كتاب الفضائل، باب مقدم النّبيّ ﷺ وأصحابه المدينة، ومسلم (٥٢٤) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبيّ ﷺ.
[ ٢ / ٣٥ ]
وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ: فَطَفِقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَنْقِلُونَ اللَّبِنَ، وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقِلُ اللَّبِنَ مَعَهُمْ:
هَذَا الْحِمَالُ، لَا حِمَالَ خَيْبَرْ هَذَا أَبَرُّ- ربّنا- وأطهر
ويقول:
اللَّهمّ لا خَيْرُ الْآخِرَه [١] فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَتَمَثَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بعَشْر رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ فِي الْحَدِيثِ. وَلَمْ يَبْلُغْنِي فِي الْحَدِيثِ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ غير هذه الأبيات.
ذكره الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ [٢] .
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: ثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ. فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا. وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ، وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا. وَغَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَبِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ [٣]، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ [٤] . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٥] .
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ يعلى بن شدّاد، عن عبادة
_________________
(١) في السيرة لابن كثير ٢/ ٣٠٤ «لا همّ إنّ الأجر أجر الآخرة» .
(٢) صحيح البخاري ٤/ ٢٦٦: كتاب الفضائل: باب هجرة النّبيّ ﷺ وأصحابه إلى المدينة.
(٣) القصّة: الجصّة، وقيل: الحجارة من الجصّ. كما في النهاية لابن الأثير.
(٤) السّاج: ضرب عظيم من الشجر، وخشب أسود يشبه الأبنوس، لا ينبت إلّا بالهند (تاج العروس ٦/ ٤٩، ٥٠) .
(٥) صحيح البخاري: كتاب الصلاة، باب بنيان المسجد.
[ ٢ / ٣٦ ]
﵁، أَنَّ الْأَنْصَارَ جَمَعُوا مَالًا، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: ابْنِ بِهَذَا الْمَسْجِدَ وَزَيِّنْهُ، إِلَى مَتَى نُصَلِّي تَحْتَ هَذَا الْجَرِيدِ؟ فَقَالَ: مَا بِي رغبة من أَخِي مُوسَى، عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى [١] .
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ «كَعَرِيشِ مُوسَى»، قَالَ: إِذَا رَفَعَ يَدَهُ بَلَغَ الْعَرِيشَ، يَعْنِي السَّقْفَ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَنَيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَقُولُ: قَرِّبُوا الْيَمَامِيَّ [٢] مِنَ الطِّينِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَحْسَنِكُمْ لَهُ بِنَاءً. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مَسْجِدِي هَذَا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِأَطْوَلَ مِنْهُ [٣] .
وَقَالَ ﷺ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدَ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ. صَحِيحٌ [٤] .
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، يَعْنِي فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ. فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَجَعَلَ ينف عنه
_________________
(١) انظر: دلائل النبوّة للبيهقي (٢/ ٢٦٢)، والبداية والنهاية لابن كثير: (٣/ ٢١٥)، ووفاء ألوفا بأخبار دار المصطفى للمسهودي (١/ ٢٤٢) قال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه: (انظر السيرة النبويّة له ٢/ ٣٠٤) .
(٢) اليماميّ: نسبة إلى اليمامة. وهو طلق بن عليّ السّحيمي، ويقال طلق بن ثمامة. كان من الوفد الذين قدموا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من اليمامة فأسلموا. مشهور له صحبة وفائدة ورواية. ترجمته في طبقات ابن سعد (٥/ ٥٥٢) . أسد الغابة (٣/ ٩٢) . الإصابة في تمييز الصّحابة (٢/ ٢٣٢، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٣) .
(٣) صحيح مسلم ١٣٩٨: كتاب الحجّ، باب بيان أنّ المسجد الّذي أسّس على التّقوى هو مسجد النّبيّ ﷺ بالمدينة.
(٤) صحيح البخاري ٢/ ٥٦: كتاب الصلاة، أبواب التطوّع، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. وصحيح مسلم ١٣٥٤: كتاب الحجّ، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة.
[ ٢ / ٣٧ ]
التُّرَابَ وَيَقُولُ: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ دُونَ قَوْلِهِ «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ»، وَهِيَ زِيَادَةٌ ثَابِتَةُ الْإِسْنَادِ [١] .
وَنَافَقَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَأَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ مُدَارَاةً لِقَوْمِهِمْ.
فَمِمَّنْ ذُكِرَ مِنْهُمْ: مِنْ أَهْلِ قُبَاءَ: الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدِ بن الصّامت.
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد. ولم ترد جملة «تقتله الفئة الباغية» في روايتي أبي ذرّ والأصيلي عن البخاري. وقول الذهبي «زيادة ثابتة الإسناد» يفسّره قول ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري ١/ ٤٥١): «واعلم أنّ هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في الجمع» وقال: إنّ البخاري لم يذكرها أصلا، وكذا قال أبو مسعود. قال الحميديّ: ولعلّها لم تقع للبخاريّ، أو وقعت فحذفها عمدا. قال: وقد أخرجها الإسماعيليّ والبرقاني في هذا الحديث. قلت: ويظهر لي أنّ البخاري حذفها عمدا، وذلك لنكتة خفيّة، وهي أنّ أبا سعيد الخدريّ اعترف أنّه لم يسمع هذه الزيادة من النّبيّ ﷺ. فدلّ على أنّها في هذه الرواية مدرجة. والرواية الأولى التي بيّنت ذلك ليست على شرط البخاري. وقد أخرجها البزّار من طريق داود بن أبي هند، عن أبي ندرة، عن أبي سعيد، فذكر الحديث في بناء المسجد وحملهم لبنة لبنة، وفيه: فقال أبو سعيد: فحدّثني أصحابي ولم أسمع من رسول الله ﷺ أنه قال: يا بن سميّة، تقتلك الفئة الباغية» . وأخرج الحديث: مسلم (٢٩١٦) في الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيتمنّى أن يكون مكان الميت من البلاء. وعن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية» . وعن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال لعمّار: «أبشر عمّار تقتلك الفئة الباغية» . (رواه التّرمذي ٣٨٠٢) في المناقب، باب، مناقب عمّار بن ياسر، وهو حديث صحيح. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وفي الباب: عن أمّ سلمة، وعبد الله بن عمر، وأبي اليسر، وحذيفة. وقال ابن حجر: روى حديث «تقتل عمّارا الفئة الباغية» جماعة من الصحابة، منهم: قتادة بن النعمان، وأمّ سلمة عند مسلم. وأبو هريرة عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي، وعثمان بن عفان، وحذيفة، وأبو أيوب، وأبو رافع، وخزيمة بن ثابت، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو اليسر، وعمّار نفسه، وكلها عند الطبراني وغيره، وغالب طرقها صحيحة، أو حسنة، وفيه عن جماعة آخرين يطول عددهم. (جامع الأصول ٩/ ٤٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير ٤/ ٩٨ رقم ٣٧٢٠ و٤/ ٢٠٠ رقم (٤٠٣٠ و١/ ٣٠٠ رقم ٩٥٤) و(المعجم الصغير ١/ ١٨٧) وابن جميع الصّيداوي في (معجم الشيوخ ٢٨٤ بتحقيقنا) وابن عساكر في (تاريخ دمشق ٩/ ٣٥٥) و(تهذيب تاريخ دمشق ٤/ ١٥٠) .
[ ٢ / ٣٨ ]
وَكَانَ أَخُوهُ خَلَّادُ رَجُلًا صَالِحًا، وَأَخُوهُ الْجَلَّاسُ [١] . دُونَ خَلَّادٍ فِي الصَّلَاحِ.
وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ: نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ [٢] . وَبِجَادُ [٣] بْنُ عُثْمَانَ. وَأَبُو حَبِيبَةَ ابن الْأَزْعَرِ أَحَدُ مَنْ بَنَى مَسْجِدَ الضِّرَارِ [٤] . وَجَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَابْنَاهُ: زَيْدٌ وَمُجَمِّعٌ. وَقِيلَ لَمْ يَصِحَّ عَنْ مُجَمِّعٍ النفاق، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِيهِمْ لِأَنَّ قَوْمَهُ جَعَلُوهُ إِمَامَ مَسْجِدِ الضِّرَارِ [٥] . وَعَبَّادُ بْنُ حُنَيْفٍ. وَأَخَوَاهُ سَهْلٌ وَعُثْمَانُ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ.
وَمِنْهُمْ:
بِشْرٌ، وَرَافِعٌ، ابْنَا زَيْدٍ. وَمِرْبَعٌ، وَأَوْسٌ، ابْنَا قَيْظِيٍّ [٦] . وَحَاطِبُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَرَافِعُ [٦ أ] بْنُ وَدِيعةَ، وَزَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، ثَلَاثَتُهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَارِ، وَالْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ الْخَزْرَجِيُّ، مِنْ بَنِي جُشَمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنُ سَلُولٍ، مِنْ بَنِي عَوْفٍ بْنُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَئِيسَ الْقَوْمِ.
وَمِمَّنْ أَظْهَرَ الإيمان من اليهود ونافق بعد:
_________________
(١) الجلابس: بالجيم، في: المحبّر لابن حبيب ٤٦٧، والمعارف لابن قتيبة ٣٤٣، وأنساب الاشراف للبلاذري ١/ ٢٧٥، والاستيعاب لابن عبد البرّ ٢٦٤، والإكمال لابن ماكولا ٣/ ١٧٠، وأسد الغابة لابن الأثير ١/ ٢٩١، ومشتبه النسبة للذهبي ١/ ١٩٦، والوافي بالوفيات للصفدي ١١/ ١٧٨ رقم ٢٦٢، وإمتاع الأسماع للمقريزي ٤٥٣، والإصابة لابن حجر ١٥/ ٥٠٩ وانظر عنه: سيرة ابن هشام ٢/ ٢٥٨ و٢٦١ وأثبته محقّقا: جوامع السيرة لابن حزم (الخلاس) بالخاء، وكذا محقّق: الدرر لابن عبد البرّ.
(٢) من بني لوذان بن عمرو بن عوف: وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أحبّ أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث» . (سيرة ابن هشام ٢/ ٢٥٩)
(٣) في الأصل وسائر النسخ: نجاد بالنون، والتصحيح من ابن هشام (٢/ ٢٥٩)، والمحبّر (٤٦٧) وأنساب الأشراف (١/ ٢٧٥) وتاريخ الطبري (٣/ ١١١) . وأثبته شعيرة- ص ٨٠ «نجاب» وهو ترجيح خاطئ.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٥٩.
(٥) السيرة.
(٦) السيرة ٢/ ٢٦١.
[ ٢ / ٣٩ ]
أَسْعَدُ [١] بْنُ حُنَيْفٍ، وَزَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ، وَرَافِعُ بن حرملة [٢]، ورفاعة ابن زَيْدِ بْنُ التَّابُوتِ [٣]، وَكِنَانَةُ بْنُ صُورِيَا [٤] .
وَمَاتَ فِيهَا:
الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ السُّلَمِيُّ [٥] أَحَدُ نُقَبَاءِ الْعَقَبَةِ ﵁. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ كَبِيرَ الشَّأْنِ.
وَتَلَاحَقَ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ تَأَخَّرُوا بِمَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ. فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَحْبُوسٌ أَوْ مَفْتُونٌ. وَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا أَسْلَمَ أَهْلُهَا. إِلَّا أَوْسُ [اللَّهِ] [٦]، وَهُمْ حَيٌّ مِنَ الْأَوْسِ، فَإِنَّهُمْ أَقَامُوا عَلَى شِرْكِهِمْ.
وَمَاتَ فِيهَا: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ وَالِدُ خَالِدٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلِ السَّهْميُّ وَالِدُ عَمْرٍو بِمَكَّةَ عَلَى الْكُفْرِ.
وَكَذَلِكَ: أَبُو أُحَيْحةَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ تُوُفِّيَ بِمَالِهِ بِالطَّائِفِ.
وَفِيهَا: أُرِيَ الْأَذَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فشرع الأذان على ما رأيا [٧] .
_________________
(١) في الأصول، وطبعة القدسي وطبعة شعيرة «سعد» والتصويب من سيرة ابن هشام ٢/ ٢٦١.
(٢) ويقال «ابن حريملة» بالتصغير. انظر: المحبّر ٤٧٠ وأنساب الأشراف ١/ ٢٨٥ والدرر لابن عبد البر ١٠٢ وعيون الأثر ١/ ٢١٨ وسيرة ابن هشام ٢/ ٢٦١ وقال: «وهو الّذي قال له الرسول ﷺ- حين مات-: «قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين» .
(٣) المحبّر ٤٧٠.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٦٢ وفي المحبّر ٤٧٠ «صويراء» .
(٥) السّلمي: نسبة إلى سلمة (بكسر اللّام) بطن من الأنصار. والنّسبة إليها عند النّحويين بفتح اللّام، والمحدّثون يكسرونها. (اللباب في تهذيب الأنساب: ٢/ ١٢٩) . انظر عنه: المحبّر ٢٧٠ و٢٧١ و٢٧٣ و٤١٦.
(٦) سقطت من الأصل، وزدناها من ع، ح.
(٧) في الأصل وفي طبعة شعيرة ٨٢، (رأينا) والتصحيح من ع. ح، وانظر حول ذلك: الطبقات الكبرى ١/ ٢٤٦ وما بعدها، وسيرة ابن هشام ٢/ ٢٥٣، وعيون الأثر ١/ ٢٠٣، والسيرة لابن كثير ٢/ ٣٣٤.
[ ٢ / ٤٠ ]
وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ عَقَدَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَاءً لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ. وَهُوَ أَوَّلُ لِوَاءٍ عُقِدَ فِي الْإِسْلَامِ [١] .
وَفِيهَا: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَأَبَا رَافِعٍ إِلَى مَكَّةِ لِيَنْقُلَا بَنَاتَهُ وَسَوْدَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ.
وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ عَقَدَ لِوَاءً لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، لِيُغِيرَ عَلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ أَوْ بَنِي جُهَيْنَةَ. ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَكَانَ أَوَّلُ رَايَةٍ عَقَدَهَا رَايَةَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ [٢] .
وَفِيهَا: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بين المهاجرين والأنصار، عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَالْحَقِّ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَوَرَّثَ بَعْضَهُمْ من بعض، حتى نزلت: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ٨: ٧٥ [٣] .
وَالسَّبَبُ فِي قِلَّةِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ السِّنِينَ، أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَلِيلِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِبَعْضِ الْحِجَازِ، أَوْ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَفِي خِلَافَةِ عُمَرَ- بل وقبلها-
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٣/ ٢٠.
(٢) المحبّر ١١٦ وانظر سيرة ابن هشام ٣/ ١٨.
(٣) سورة الأنفال: من الآية ٧٥، وانظر ترتيب مسند الطّيالسي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة الأنفال (٢/ ١٩) .
[ ٢ / ٤١ ]
انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ فِي الْأَقَالِيمِ. فَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ سَبَبُ قِلَّةِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَسَبَبُ كَثْرَةِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي زَمَانِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَكَانَ فِي هَذَا الْقُرْبِ [١] أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ [٢] بْنُ جُشَمِ بْنُ وَائِلٍ الْأَوْسِيُّ الشَّاعِرُ. وَكَانَ يُعْدَلُ بِقَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ [٣] فِي الشَّجَاعَةِ وَالشِّعْرِ.
وَكَانَ يَحُضُّ الْأَوْسَ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَكَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ يَتَأَلَّهُ [٤] وَيَدَّعِي الْحَنِيفِيَّةَ، وَيَحُضُّ قُرَيْشًا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ قَصِيدَتَهُ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي أَوَّلُهَا [٥]:
أَيَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ مُغَلْغَلَةً عَنِّي لُؤَيَّ بْنَ غَالِبِ
أَقِيمُوا لَنَا دِينًا حَنِيفًا، فَأَنْتُمُو لَنَا قَادَةٌ، قَدْ يُقْتَدَى بالذّوائب
(٦ ب) رَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ رِجَالِهِ قَالُوا: خَرَجَ ابْنُ الْأَسْلَتِ إِلَى الشَّامِ، فَتَعَرَّضَ آلَ جَفْنَةَ [٦] فَوَصَلُوهُ. وسأل الرّهبان فدعوه إلى دينهم فلم
_________________
(١) هكذا في جميع النّسخ، ولعلّها بمعنى كان قريبا من ذلك الوقت. وجعلها ابن الملّا «وكان شاهد العرب» وهو قول لا معنى له.
(٢) في الأصل (الأسلم) تصحيف. وهو أبو قيس صيفي بن الأسلت الشاعر. ترجمته في الأغاني (١٧/ ١١٧) وطبقات فحول الشعراء (١٨٩) والإصابة (٣/ ٢٥١ و٤/ ١٦١) والاستيعاب على هامش الإصابة (٢/ ١٩٣ و٤/ ١٦٠)، والمحبّر ٤٢٠، وشرح المفضّليات ٧٥، وخزانة الأدب ٣/ ٤٠٩- ٤١٣ ومعجم الشعراء في لسان العرب ٣٣٥ رقم ٨٦٤. للدكتور ياسين الأيوبي.
(٣) قيس بن الخطيم: شاعر مشهور من بني ظفر من الأوس، أدرك الإسلام، ولقي النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهجرة، فدعاه إلى الإسلام وحرص عليه، ولكنّه قتل قبل أن يسلم. ترجمته في الأغاني (٣/ ١) وطبقات فحول الشعراء (١٩٠) ومعجم الشعراء للمرزباني (١٩٦)، وطبقات الشعراء لابن سلام ٥٢ و٦٥، ومعجم الشعراء في لسان العرب ٣٣٦، ٣٣٧ رقم ٨٦٧ وقد طبع ديوانه في ليبزغ سنة ١٩١٤
(٤) يتألّه: يتنسّك.
(٥) انظر القصيدة بتمامها في ديوانه (٦٤- ٧٠) وابن هشام (١/ ٢٨٣- ٢٨٦) والبداية والنهاية (٣/ ١٥٤- ١٥٥) والروض الأنف (٣/ ٧٢- ٧٤) .
(٦) آل جفنة: ملوك غسّان بالشّام، ترجع نسبتهم إلى جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر، وغسّان اسم ماء نزلوه فسمّوا به، ليس بأب ولا أمّ. (الاشتقاق لابن دريد ١/ ٤٣٥) .
[ ٢ / ٤٢ ]
يُرِدْهُ. فَقَالَ لَهُ رَاهِبٌ: أَنْتَ تُرِيدُ دِينَ الْحَنِيفِيَّةِ، وَهَذَا وَرَاءَكَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ. ثُمَّ إِنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، فَلَقِي زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ [١]، فَقَصَّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ. فَكَانَ أَبُو قَيْسٍ بَعْدُ يَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا أَنَا وَزَيْدٌ. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ أَسْلَمَتِ الْخَزْرَجُ وَالْأَوْسُ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَوْسِ اللَّهِ فَإِنَّهَا وَقَفَتْ مَعَ ابْنِ الْأَسْلَتِ، وَكَانَ فَارِسُهَا وَخَطِيبُهَا، وَشَهِدَ يَوْمَ بُعَاثٍ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا قَيْسٍ، هَذَا صَاحِبُكَ الَّذِي كُنْتَ تَصِفُ.
قَالَ: رَجُلٌ قَدْ بُعِثَ بِالْحَقِّ. ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَعَرَضَ عَلَيْهِ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ، أَنْظُرُ فِي أَمْرِي. وَكَادَ أَنْ يُسْلِمَ.
فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَأَخْبَرَهُ بِشَأْنِهِ فَقَالَ: كَرِهْتَ وَاللَّهِ حَرْبَ الْخَزْرَجِ.
فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُسْلِمُ سَنَةً. فَمَاتَ قَبْلَ السَّنَةِ.
فَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَقَدْ سُمِعَ يُوَحِّدُ عند الموت [٢] .
_________________
(١) زيد بن عمرو بن نفيل: ابن عمّ عمر بن الخطّاب ﵁: أحد المتفرّقين في طلب الأديان كما يقول ابن هشام. وكان يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطّلب، ولا أراني أدركه، وأنا أو من به وأصدّقه وأشهد أنه نبيّ وكان يستقبل الكعبة في المسجد ويقول: لبّيك حقّا حقا، تعبّدا ورقّا. وقال النَّبِيُّ ﷺ إِنَّهُ يُبْعَثُ أمّة وحده، وأنه رآه في الجنّة يسحب ذيولا. وخرّج البخاري في كتاب الفضائل من صحيحه حديثا مطوّلا عنه، وفيه عن ابن عمر أنّ زيدا خَرَجَ إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ وَيَتَّبِعُهُ، فدلّ على الحنيفيّة دين إبراهيم، وأنه لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إلّا الله، فرفع يديه إلى السماء فقال: اللَّهمّ إنّي أشهد أنّي على دين إبراهيم. ترجمته في ابن هشام (١/ ٢٢٢) والطبقات الكبرى (١/ ١٦١ و٤/ ٣٨٤) والمحبّر ١٧٠ و١٧١ و١٧٥ وتاريخ الطبري (٢/ ٢٩٥) وانظر صحيح البخاري: كتاب فضائل أصحاب النّبيّ ﷺ، باب حديث: زيد بن عمرو بن نفيل.
(٢) انظر هذه القصة في ترجمة محصن بن أبي قيس بن الأسلت في الطبقات الكبرى (٤/ ٣٨٥) .
[ ٢ / ٤٣ ]