قَالَ وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَصْنَعُ الشَّيْءَ وَلَمْ يَصْنَعْهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ رَأَيْتُهُ يَدْعُو، فَقَالَ: «أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ:
أَتَانِي رَجُلَانِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا:
مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ الْآخَرُ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ [١]، قَالَ: فِيمَ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ [٢] وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي ذِي أَرْوَانَ [٣]، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَجَعَ أَخْبَرَ عَائِشَةَ فَقَالَ: كَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرِجْهُ لِلنَّاسِ، قَالَ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ، وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا.
فِي لَفْظٍ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ [٤] . رَوَى عُمَرُ مَوْلَى عَفْرَةَ- وَهُوَ تَابِعِيٌّ- أَنَّ لَبِيدَ بْنَ أَعْصَمَ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى الْتَبَسَ بَصَرُهُ وَعَادَهُ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَخْبَرَاهُ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَاعْتَرَفَ، فَاسْتَخْرَجَ السِّحْرَ مِنَ الْجُبِّ، ثُمَّ نَزَعَهُ فَحَلَّهُ، فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعفا عنه [٥] .
_________________
(١) اليهودي.
(٢) في صحيح البخاري «مشاقة» . (٤/ ٩٠) و(٧/ ٢٩) .
(٣) في صحيح البخاري «بئر ذروان» .
(٤) رواه البخاري في بدء الخلق ٤/ ٩٠، ٩١ باب صفة إبليس وجنوده، وفي الطب ٧/ ٢٩، ٣٠ باب هل يستخرج السّحر، وفي الدعوات ٧/ ١٦٤ باب تكرير الدعاء، وأحمد في المسند ٦/ ٥٠ و٩٦ وانظر جامع الأصول ٥/ ٦٦، وابن ماجة (٣٥٤٥) في الطب، وابن سعد في الطبقات ٢/ ١٩٦.
(٥) الحديث مرسل، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الّذي أخرجه النسائي في تحريم الدم
[ ١ / ٥٢٢ ]
وَرَوَى يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ فِي سَاحِرِ أَهْلِ الْعَهْدِ: لَا يُقْتَلُ، قَدْ سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ، فَلَمْ يَقْتُلْهُ [١] .
وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَفَا عَنْهُ [٢] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: هَذَا أَثْبَتُ عِنْدَنَا مِمَّنْ رَوَى أَنَّهُ قَتَلَهُ [٣] .
وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ الْيَهُودَ سَمَّتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَمَّتْ أَبَا بَكْرٍ [٤] .
وَفِي «الصَّحِيحِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ أَهْدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةً مَسْمُومَةً [٥] .
وَعَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا افْتَتَحَ خَيْبَرَ وَاطْمَأَنَّ جَعَلَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ- وَهِيَ بِنْتُ أَخِي مَرْحَبٍ وَامْرَأَةُ سَلامِ بْنِ مِشْكَمٍ- سُمًّا قَاتِلًا فِي عَنْزٍ لَهَا ذَبَحَتْهَا وَصَلَتْهَا [٦]، وَأَكْثَرَتِ السُّمَّ فِي الذِّرَاعَيْنِ وَالْكَتِفِ، فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْمَغْرِبَ انْصَرَفَ وَهِيَ جَالِسَةٌ عِنْدَ رَحْلِهِ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ هَدِيَّةٌ أَهْدَيْتُهَا لَكَ، فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأُخِذَتْ مِنْهَا، ثُمَّ وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَصْحَابُهُ حُضُورٌ، مِنْهُمْ بِشْرُ بْنُ البراء بن معرور،
_________________
(١) / ١١٢ و١١٣ باب سحرة أهل الكتاب، ونصّه: «سحر النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ اليهود، فاشتكى لذلك أيّاما، فأتاه جبريل فقال: إنّ رجلا من اليهود سحرك، عقد لك عقدا في بئر كذا وكذا، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فاستخرجها فحلّها، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كأنّما أنشط من عقال، فما ذكر ذلك لذلك اليهوديّ ولا رآه في وجهه قطّ»، وروى الحديث ابن سعد في الطبقات ٢/ ١٩٦، ١٩٧.
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات ٢/ ١٩٩.
(٣) ابن سعد في الطبقات ٢/ ١٩٩.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) ابن سعد ٢/ ٢٠٠.
(٦) ابن سعد ٢/ ٢٠٠.
(٧) صلتها: أي شوتها.
[ ١ / ٥٢٣ ]
وَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ فَانْتَهَشَ [١] مِنَ الذِّرَاعِ، وَتَنَاوَلَ بِشْرٌ عَظْمًا آخَرَ، فَانْتَهَشَ مِنْهُ، وَأَكَلَ الْقَوْمُ مِنْهَا. فَلَمَّا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُقْمَةً قَالَ: «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ» فَقَالَ بِشْرٌ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لَقَدْ وَجَدْتُ ذَلِكَ مِنْ أَكْلَتِي، فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَلْفُظَهَا إِلَّا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُبْغِضَ إِلَيْكَ طَعَامَكَ، فَلَمَّا أَكَلْتَ مَا فِي فِيكَ لَمْ أَرْغَبْ بِنَفْسِي عَنْ نَفْسِكَ، وَرَجَوْتُ أَنْ لَا تَكُونَ ازْدَرَدْتَهَا وَفِيهَا بَغْيٌ، فَلَمْ يَقُمْ بِشْرٌ حَتَّى تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَمَاطَلَهُ وَجَعُهُ سَنَةً وَمَاتَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَرِمْ بِشْرٌ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَدَعَاهَا فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ؟ قَالَتْ: نِلْتَ مِنْ قَوْمِي، وَقَتَلْتَ أَبِي وَعَمِّي وَزَوْجِي، فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَتُخْبِرُهُ الذِّرَاعُ، وَإِنْ كَانَ مَلَكًا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ، فَدَفَعَهَا إِلَى أَوْلِيَاءِ بِشْرٍ يَقْتُلُونَهَا. وَهُوَ الثَّبْتُ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ يَعْرِضْ لَهَا وَاحْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كَاهِلِهِ. حَجَمَهُ أَبُو هِنْدٍ بِقَرْنٍ وَشَفْرَةٍ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَاحْتَجَمُوا أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ.
وَكَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يَقُولُ: «مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنَ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُهَا بِخَيْبَرَ، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي، وَفِي لَفْظٍ: مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ يُعَاوِدُنِي أَلَمُ سُمِّهَا- وَالْأَبْهَرُ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ- وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ. وَأَصْلُ الحديث في «الصحيح» [٢] .
_________________
(١) النّهس: أخذ اللّحم بأطراف الأسنان. والنّهش: الأخذ بجميعها. (النهاية لابن الأثير) .
(٢) انظر: صحيح البخاري ٥/ ٨٤ في المغازي، باب الشاة التي سمّت للنبيّ ﷺ في خيبر، و٣/ ١٤١ في الهبة، باب قبول الهدية من المشركين، ومسلم (٢١٩٠) في السلام، باب السّمّ، وأبو داود في الديات (٤٥٠٨) و(٤٥٠٩) و(٤٥١٠) و(٤٥١١) و(٤٥١٢) و(٤٥١٣) و(٤٥١٤) باب فيمن سقى رجلا سمّا أو أطعمه فمات، أيقاد منه؟، وابن ماجة، في الطب (٣٥٤٦) باب السحر، وأحمد في المسند ١/ ٣٠٥ و٣٧٣، وابن هشام في السيرة النبويّة ٤/ ٤٤، والهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٩٥، ٢٩٦ باب ما جاء في الشاة المسمومة، وقال: رواه الطبراني والبزّار، والحديث بكاملة في طبقات ابن سعد ٢/ ٢٠٢، ٢٠٣.
[ ١ / ٥٢٤ ]
وَرَوَى أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: لَأَنْ أَحْلِفَ باللَّه تِسْعًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُتِلَ قَتْلًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً، يَعْنِي أَنَّهُ مَاتَ مَوْتًا، وَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا وجعله شهيدا [١] .
_________________
(١) كتب هنا في حاشية الأصل: «بلغت قراءة خليل بن أيبك على مؤلّفه، فسح الله في مدّته، في الميعاد العاشر. بلغت قراءة في الميعاد السادس عشر على مؤلّفه الحافظ أبي عبد الله الذهبي. كتبه عبد الرحمن البعلي» .
[ ١ / ٥٢٥ ]