قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [٢] بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ وَابْتَدَأَهُ بِالنُّبُوَّةِ، كَانَ لَا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى حِرَاءَ فِي كُلِّ عَامٍ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ يَنْسُكُ فِيهِ [٣] .
وَقَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) المغازي لعروة ١٠٣، ١٠٤ وروى الحارث بن أبي أسامة قال: حدّثنا الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قال: حدّثني أبي زيد بن حارثة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل ﵇، فعلّمه الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة ماء فنضح بها فرجه. (الروض الأنف ١/ ٢٨٤) وقال ابن إسحاق: وحدّثني بعض أهل العلم أنّ الصلاة حين افترضت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبة في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين، فتوضّأ جبريل﵇- ورسول الله ﷺ، كَمَا رَأَى جِبْرِيلَ توضّأ، ثم قام به جبريل فصلّى به، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بصلاته. ثم انصرف جبريل ﵇. (سيرة ابن هشام ١/ ٢٨٣) . وانظر «الأوائل لابن أبي عاصم النبيل ٣٦، ٣٧ رقم ٣٩ من طريق الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عن أبيه زيد بن حارثة. أخرجه النسائي ١٣٤، ١٣٥، وابن ماجة ٤٦١، وأبو داود ١٦٦، ١٦٧، وأحمد ٤/ ١٦١، والبيهقي ١/ ١٦١.
(٢) هكذا في الأصل، وفي أصل نهاية الأرب للنويري ١٦/ ١٦٩ وهو في سيرة ابن هشام «عبد الملك ابن عبيد الله» وانظر دلائل النبوّة للبيهقي ١/ ٤٠٢.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٢٦٦، نهاية الأرب ١٦/ ١٦٩.
[ ١ / ١٢٩ ]
«إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [١] . وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَخَرَجَ فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ شَجَرٌ وَلَا جَبَلٌ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ [٢] وَقَالَ: غَرِيبٌ.
وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي: ثنا أَبُو الرَّبِيعِ، ثنا أَبُو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك قال: جاء جبرئيل إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ مَكَّةَ، قَدْ خَضَبَهُ أَهْلُ مَكَّةَ بالدّماء، قال: مالك؟ قَالَ:
خَضَبَنِي هَؤُلَاءِ بِالدِّمَاءِ وَفَعَلُوا وَفَعَلُوا، قَالَ: تُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ادْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ، فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَتْ تَخُطُّ الْأَرْضَ حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ إِلَى مَكَانِهَا، قَالَ: ارْجِعِي إِلَى مَكَانِكِ فَرَجَعَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: حَسْبِي. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ [٣] .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٤]: حَدَّثَنِي وهب بن كيسان، سمعت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ اللَّيْثِيِّ، حَدَّثْتُ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ مَا ابْتَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ النُّبُوَّةِ حِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي حِرَاءَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا
_________________
(١) في صحيحه (٢٢٧٧) كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ، وتسليم الحجر عليه قبل النبوّة، والترمذي في سننه ٥/ ٢٥٣ رقم ٣٧٠٣ في المناقب، باب رقم ٢٦ وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن سيد الناس في عيون الأثر ١/ ٨٩، والقاضي الفاسي في شفاء الغرام ١/ ٤٣٩.
(٢) سنن الترمذي ٥/ ٢٥٣ في المناقب، باب رقم ٢٧ (٣٧٠٥) .
(٣) أخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن (٤٠٢٨) وقال: في الزوائد: هذا إسناد صحيح، إن كان أبو سفيان، واسمه طلحة بن نافع، سمع من جابر، وانظر دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٤٠٩.
(٤) سيرة ابن هشام ٢٦٧.
[ ١ / ١٣٠ ]
تَتَحَنَّثُ بِهِ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَالتَّحَنُّثُ التَّبَرُّرُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [١]: فَكَانَ يُجَاوِرُ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، يُطْعِمُ مَنْ جَاءَهُ مِنَ الْمَسَاكِينِ، فَإِذَا قَضَى جِوَارَهُ مِنْ شَهْرِهِ، كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ الْكَعْبَةَ، فَيَطُوفُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ، وَذَلِكَ الشَّهْرُ رَمَضَانُ، خَرَجَ ﷺ إِلَى حِرَاءَ وَمَعَهُ أَهْلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ فِيهَا بِرِسَالَتِهِ، جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جَاءَنِي وَأَنَا نَائِمٌ بِنَمَطٍ [٢] مِنْ دِيبَاجٍ فيه كتاب، فقال: اقرأ، قلت: ما أَقْرَأُ؟ قَالَ: فَغَتَّنِي [٣] بِهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: وَمَا أَقْرَأُ؟ فَغَتَّنِي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: وَمَا أَقْرَأُ؟ مَا أَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا افْتِدَاءً مِنْهُ أَنْ يَعُودَ لِي بِمِثْلِ مَا صَنَعَ بِي، فَقَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ٩٦: ١ إلى قوله ما لَمْ يَعْلَمْ ٩٦: ٥ [٤]، فَقَرَأْتُهَا ثُمَّ انْتَهَى عَنِّي، وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي، فَكَأَنَّمَا كَتَبْتُ فِي قَلْبِي كِتَابًا.
فِي هَذَا الْمَكَانِ زِيَادَةٌ، زَادَهَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [٥]، وَهِيَ: وَلَمْ يَكُنْ فِي خَلْقِ اللَّهِ أَحَدٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ شَاعِرٍ أَوْ مجنون فكنت لا أطيق أن انظر إليهما، فَقُلْتُ: إِنَّ الأَبْعَدَ، يَعْنِي نَفْسَهُ، لَشَاعِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، ثُمَّ قُلْتُ: لَا تُحَدِّثْ عَنِّي قُرَيْشٌ بِهَذَا أَبَدًا، لَأَعْمِدَنَّ إِلَى حَالِقٍ مِنَ الْجَبَلِ، فَلَأَطْرَحَنَّ نَفْسِي فَلَأَسْتَرِيحَنَّ، فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي وَسَطٍ مِنَ الْجَبَلِ، سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وأنا جبريل، فرفعت
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٢٦٨.
(٢) النمط: ضرب من البسط له حمل رقيق، لا يكادون يقولون (نمط) إلا لما كان ذا لون من حمرة أو خضرة أو صفرة. (لسان العرب) .
(٣) كأنه أراد عصرني عصرا شديدا حتى وجدت منه المشقّة. (النهاية في غريب الحديث لابن الأثير) .
(٤) سورة العلق- الآيات ١- ٥.
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٢٦٩.
[ ١ / ١٣١ ]
رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافٍّ قَدَمَيْهِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ، فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَمَا أَتَقَدَّمُ وَلَا أَتَأَخَّرُ، وَجَعَلْتُ أَصْرِفُ وَجْهِي عَنْهُ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، فَلَا أَنْظُرُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا إِلَّا رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ، فَمَا زِلْتُ وَاقِفًا حَتَّى بَعَثَتْ خَدِيجَةُ رُسُلَهَا فِي طَلَبِي، فَبَلَغُوا أَعْلَى مَكَّةَ وَرَجَعُوا إِلَيْهَا، وَأَنَا وَاقِفٌ فِي مَكَانِي ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي، فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَهْلِي، حَتَّى أَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَجَلَسْتُ إِلَى فَخِذِهَا مُضِيفًا إِلَيْهَا [١] فَقَالَتْ: يا أبا القاسم اين كنت؟ فو الله لَقَدْ بَعَثْتُ رُسُلِي فِي طَلَبِكَ حَتَّى بَلَغُوا أَعْلَى مَكَّةَ وَرَجَعُوا، ثُمَّ حَدَّثْتُهَا بِالَّذِي رَأَيْتُ، فقالت:
أبشر يا بن عمّي [٢] واثبت فو الّذي نَفْسُ خَدِيجَةَ بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ نَبِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ [٣] . ثُمَّ قَامَتْ فَجَمَعَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا، ثُمَّ انْطَلَقَتْ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ وَقَرَأَ الْكُتُبَ، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا رَأَى وَسَمِعَ، فَقَالَ وَرَقَةُ: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ كُنْتِ صَدَقْتِ يَا خَدِيجَةُ، لَقَدْ جَاءَهُ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي يَأْتِي مُوسَى، وَإِنَّهُ لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَقُولِي لَهُ فَلْيَثْبُتْ، فَرَجَعَتْ خَدِيجَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ بِقَوْلِ وَرَقَةَ، فَلَمَّا قَضَى جِوَارَهُ طَافَ بِالْكَعْبَةِ، فَلَقِيَهُ وَرَقَةُ وَهُوَ يَطُوفُ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكَ لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَقَدْ جَاءَكَ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي جَاءَ مُوسَى وَلَتُكَذَّبَنَّهُ وَلَتُؤْذَنَّهُ وَلَتُخْرَجَنَّهُ وَلَتُقَاتَلَنَّهُ، وَلَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَأَنْصُرَنَّ اللَّهَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ، ثُمَّ أَدْنَى رَأْسَهُ مِنْهُ فَقَبَّلَ يافوخه [٤] .
_________________
(١) أضفت إلى الرجل: إذا ملئت نحوه ولصقت به.
(٢) في بعض المراجع «يا بن عم» وكلاهما صواب.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٢٦٩، نهاية الأرب ١٦/ ١٧٠، ١٧١، عيون الأثر ١/ ٨٦.
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٢٧٠، الروض الأنف ١/ ٢٧٤، نهاية الأرب ١٦/ ١٧١، ١٧٢، عيون الأثر ١/ ٨٦، ٨٧، السير والمغازي ١٢٢.
[ ١ / ١٣٢ ]
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي «مَغَازِيهِ»: كَانَ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا أَوَّلَ مَا رَأَى أَنَّ اللَّهَ أَرَاهُ رُؤْيَا فِي الْمَنَامِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَهَا لِخَدِيجَةَ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ وَشَرَحَ صَدْرَهَا بِالتَّصْدِيقِ، فَقَالَتْ: أَبْشِرْ، ثُمَّ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ رَأَى بَطْنَهُ شُقَّ ثُمَّ طُهِّرَ وَغُسِّلَ ثُمَّ أُعِيدَ كَمَا كَانَ، قَالَتْ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ فَأَبْشِرْ، ثُمَّ اسْتَعْلَنَ لَهُ جِبْرِيلُ وهو بأعلى مكة، فأجلسه في مجلس كَرِيمٍ مُعْجِبٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أَجْلَسَنِي عَلَى بِسَاطٍ كَهَيْئَةِ الدُّرْنَوَكِ [١] فِيهِ الْيَاقُوتُ وَاللُّؤْلُؤُ، فَبَشَّرَهُ بِرِسَالَةِ اللَّهِ ﷿ حَتَّى اطْمَأَنَّ. الَّذِي فِيهَا مِنْ شَقِّ بَطْنِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَهَا بِمَا تَمَّ لَهُ فِي صِغَرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُقَّ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ شُقَّ مَرَّةً ثَالِثَةً حِينَ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، فَأَنْشَدَ وَرَقَةُ:
إِنْ [٢] يَكُ حَقًّا يَا خَدِيجَةُ فَاعْلَمِي حَدِيثُكِ إِيَّانَا فَأَحْمَدُ مُرْسَلُ
وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ وَمِيكَالُ مَعَهُمَا مِنَ اللَّهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ
يَفُوزُ بِهِ مَنْ فَازَ فِيهَا بِتَوْبَةٍ وَيَشْقَى بِهِ الْعَانِي الْغَوِيُّ الْمُضَلَّلُ
فَسُبْحَانَ مَنْ تَهْوِي الرِّيَاحُ بِأَمْرِهِ وَمَنْ هُوَ فِي الْأَيَّامِ مَا شَاءَ يَفْعَلُ
وَمَنْ عَرْشُهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا وَأَقْضَاؤُهُ فِي خَلْقِهِ لا تبدّل
_________________
(١) ستر له خمل. (النهاية) .
(٢) في البيت خرم.
(٣) في نسخة دار الكتب، والمنتقى لابن الملا، وفي (ع) . ومن حكمه في خلقه لا يبدّل. وفي دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٤٠٤. ومن أحكامه في خلقه لا تبدّل. والأبيات في السير والمغازي لابن إسحاق ١٢٣ مع زيادة عمّا هنا، وانظر سيرة ابن كثير ١/ ٤٠٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [١] حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حكيمٍ [٢] أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ [٣]: أَيِ ابْنَ عَمٍّ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إِذَا جَاءَكَ، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: «يَا خَدِيجَةُ هَذَا جِبْرِيلُ» هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَتْ: يَا بْنَ عَمٍّ قُمْ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى، فَقَامَ فَجَلَسَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ: قَالَ نَعَمْ، قَالَتْ: فَتَحَوَّلْ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِي الْيُمْنَى، فَتَحَوَّلَ فَقَعَدَ عَلَى فَخِذِهَا، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ:
فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي، فَفَعَلَ، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ: قَالَ: «نَعَمْ»، فَتَحَسَّرَتْ فَأَلْقَتْ خِمَارَهَا، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قال: «لا» قالت: اثبت وأبشر فو الله إِنَّهُ لَمَلَكٌ وَمَا هَذَا بِشَيْطَانٍ [٤] . قَالَ: وَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنٍ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ أُمِّيَ فَاطِمَةَ بِنْتَ حُسَيْنٍ تُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ خَدِيجَةَ، إِلِّا أَنِّي سَمِعْتُهَا تَقُولُ: أَدْخَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِرْعِهَا فَذَهَبَ عِنْدَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَقَالَتْ: إِنَّ هَذَا لَمَلَكٌ وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ [٥] .
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: نا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ عُلَمَائِهِمْ يَقُولُ: كَانَ أَوَّلُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على نبيّه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ٩٦: ١ إلى قوله ما لَمْ يَعْلَمْ ٩٦: ٥ فَقَالُوا:، هَذَا صَدْرُهَا الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حِرَاءَ، ثُمَّ أُنْزِلَ آخِرُهَا بَعْدُ بِمَا شَاءَ اللَّهُ.
_________________
(١) السير والمغازي ١٣٣.
(٢) هو مولى الزبير.
(٣) في السير والمغازي «فيما تثبّتته به، فيما أكرمه الله به من نبوّته» .
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٢٧١- ٢٧٣، السير والمغازي ١٣٣، نهاية الأرب ١٦/ ١٧٤، ١٧٥.
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٢٧٣، ٢٧٤ السير والمغازي ١٣٤.
[ ١ / ١٣٤ ]
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [١]: ابْتُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّنْزِيلِ فِي رَمَضَانَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ٢: ١٨٥ [٢]، وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ٩٧: ١ [٣] وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ٤٤: ٣ [٤] .
قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق [٥] قَالَ: هَمَزَ جِبْرِيلُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي، فَانْفَجَرَتْ عَيْنٌ، فَتَوَضَّأَ جِبْرِيلُ وَمُحَمَّدٌ ﷺ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَرَجَعَ، وَقَدْ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِ خَدِيجَةَ، حَتَّى أَتَى بِهَا الْعَيْنَ فَتَوَضَّأَ كَمَا توضّأ جبريل، ثم صلّى ركعتين هو وخديجة، ثُمَّ كَانَ هُوَ وَخَدِيجَةُ يُصَلِّيَانِ سِرًّا، ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ [٦] فَوَجَدَهُمَا يُصَلِّيَانِ فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا هَذَا يَا مُحَمَّدُ.
فَقَالَ: دِينٌ اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ فَأَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ [٧]، وَكُفْرٍ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى.
فَقَالَ عَلِيٌّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ أَسْمَعْ بِهِ قَبْلَ الْيَوْمِ، فَلَسْتُ بِقَاضٍ أَمْرًا حَتَّى أُحَدِّثَ بِهِ أَبَا طَالِبٍ، وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُفْشِي عَلَيْهِ سِرَّهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْلِنَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَلِيُّ إِنْ لَمْ تُسْلِمْ فَاكْتُمْ، فَمَكَثَ عَلِيٌّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ [٨] ثُمَّ أَوْقَعَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ الْإِسْلَامَ، فَأَصْبَحَ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَقِيَ يَأْتِيهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ أَبِي طَالِبٍ، وَكَتَمَ إِسْلامَهُ.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٢٧٥.
(٢) سورة البقرة- الآية ١٨٥.
(٣) سورة القدر- الآية ١.
(٤) سورة الدخان- الآية ٣.
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٢٨٣، السير والمغازي ١٣٧.
(٦) في السير «بيومين» .
(٧) في السير «وإلى عبادته» .
(٨) في السير «ثم إن الله» .
[ ١ / ١٣٥ ]
وَأَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَمَكَثَا قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ يَخْتَلِفُ عَلِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْإِسْلَامِ [١] .
وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ [٢]، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَصَابَتْ قُرَيْشًا أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ- وَكَانَ مُوسِرًا- إِنَّ أَخَاكَ أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَ النَّاسَ، مَا تَرَى، فَانْطَلِقْ لِنُخَفِّفَ عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا، وَضَمَّهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا فَاتَّبَعَهُ عَلِيٌّ وَآمَنَ بِهِ. وَقَالَ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ خَدِيجَةُ، وَأَوَّلُ رَجُلَيْنِ أَسْلَمَا أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَإِنَّ عَلِيًّا كَانَ يَكْتُمُ الْإِسْلَامَ فَرَقًا مِنْ أَبِيهِ، حَتَّى لَقِيَهُ أَبُوهُ فَقَالَ: أَسْلَمْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: آزِرِ ابْنَ عَمِّكَ وَانْصُرْهُ.
وَقَالَ: أَسْلَمَ عَلِيٌّ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ.
وَقَالَ يُونُسُ: عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ التَّمِيمِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ عِنْدَهُ [٣] كَبْوَةٌ وَتَرَدَّدَ وَنَظَرَ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، مَا عتم [٤] عنه حين
_________________
(١) السير والمغازي ١٣٧.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٢٨٥.
(٣) في سيرة ابن هشام ١/ ٢٨٩ «كانت فيه عنده» وفي السير والمغازي ١٣٩ «كانت له عنوة كبوة» .
(٤) في هامش الأصل «تأخر» وفي نهاية الأرب ١٦/ ١٨٧ وعيون الأثر ١/ ٩٥ «عكم» أي ما أحتبس وما انتظر ولا عدل.
[ ١ / ١٣٦ ]
ذَكَرْتُهُ وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ» [١] . وَقَالَ إِسْرَائِيلُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا بَرَزَ، سَمِعَ مَنْ يُنَادِيهِ، يَا مُحَمَّدُ، فَإِذَا سَمِعَ الصَّوْتَ انْطَلَقَ هَارِبًا، فَأَسَرَّ ذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ نَدِيمًا لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ [٢] .