وَفِيهَا انْحَطَّتْ رُتْبَةُ الْوَزِيرِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى غَلَبَةَ الْمَوَالِي عَلَى الْمَهْدِيِّ نَظَرَ إِلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَصَيَّرَهُمْ مِنْ جُلَسَاءِ الْمَهْدِيِّ، ثمّ إنّ أبا عبيد الله الوزير كلّهم الْمَهْدِيَّ فِي أَمْرٍ، فَعَرَضَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ هَؤُلاءِ الأَرْبَعَةِ فِي ذَلِكَ الأَمْرِ، فَسَكَتَ الْوَزِيرُ، ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِإِبْعَادِهِ عَنِ الْمَهْدِيِّ [٢] .
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ ذَا تِيهٍ وَكِبْرٍ بِحَيْثُ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الرَّبِيعُ الْحَاجِبُ مِنَ الْحَجِّ جَاءَهُ مُسَلِّمًا، فَلَمْ يَنْهَضْ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ لَهُ، فَتَأَلَّمَ وَلَمْ يَزَلْ يَعْمَلُ عَلَيْهِ، إِلا أَنَّ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ حَاذِقًا بِالتَّصَرُّفِ، كَافِيًا، نَاصِحًا لِمَخْدُومِهِ، عَفِيفًا، وَيُرْمَى بالْقَدَرِ [٣] .
ثُمَّ إِنَّ الرَّبِيعَ سَعَى فِي ابْنٍ لِلْوَزِيرِ، وَاتَّهَمَهُ بِبَعْضِ خَطَايَا الْمَهْدِيِّ، إِلَى أَنِ اسْتَحْكَمَتِ التُّهْمَةُ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، اقْرَأْ، فَذَهَبَ لِيَقْرَأَ، فَاسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ: يَا مُعَاوِيَةُ أَلَمْ تَزْعُمْ أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ. قَالَ: فَقُمْ فَاقْتُلْهُ، فَذَهَبَ الْوَزِيرُ لِيَقُومَ فَسَقَطَ مِنْ قَامَتِهِ، فَقَالَ عَبَّاسٌ عَمُّ الْمَهْدِيِّ: إِنْ رأيت يا أمير المؤمنين أن تعفيه،
_________________
(١) تاريخ الطبري ٨/ ١٣٦، والبدء والتاريخ ٦/ ٩٦، والعيون والحدائق ٣/ ٢٧٣، والكامل في التاريخ ٦/ ٥٥، ونهاية الأرب ٢٢/ ١١٣، والبداية والنهاية ١٠/ ١٣٣، وتاريخ الخلفاء ٢٧٣، والمختصر في أخبار البشر ٢/ ٨، ومآثر الإنافة للقلقشندي ١/ ١٨٦.
(٢) تاريخ الطبري ٨/ ١٣٦ و١٣٧.
(٣) تاريخ ابن خلدون ٣/ ٢٠٩، ٢١٠.
[ ١٠ / ٧ ]
فَفَعَلَ، وَأَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُ الْوَلَدِ [١]، قَالَ: وَاتَّهَمَهُ الْمَهْدِيُّ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ الرَّبِيعُ: قَتَلْتَ ابْنَهُ فَلا يَنْبَغِي أَنْ تَثِقَ بِهِ، فَاسْتَوْحَشَ الْمَهْدِيُّ مِنْهُ [٢] .