قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، قَالَا: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ فَرَغَ مِنْ بَدْرٍ بَشِيرَيْنِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ فَبَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ، فَبَشَّرُوا وَنَعَوْا أَبَا جَهْلٍ وَعُتْبَةَ وَالْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ قَالَ: وَيْلَكُمْ، أَحَقٌّ هَذَا؟ هَؤُلَاءِ مُلُوكُ الْعَرَبِ وَسَادَةُ الناس. ثم خرج إلى أَبِي وَدَاعَةَ، فَجَعَلَ يَبْكِي عَلَى قَتْلَى قُرَيْشٍ، وَيُحَرِّضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ، فَقَالَ:
طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِكِ أَهْلِهَا وَلِمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلُّ وَتَدْمَعُ
قُتِلَتْ سُرَاةُ النَّاسِ حَوْلَ حِياضِهِمْ لا تَبْعُدُوا إِنَّ الْمُلُوكَ تُصَرَّعُ
كَمْ قَدْ أُصِيبَ بِهَا مِنْ أَبْيَضَ مَاجِدٍ ذِي بَهْجَةٍ تَأْوِي إِلَيْهِ الضِّيَعُ
وَيَقُولُ أَقْوَامٌ أُذَلُّ بِسَخْطِهِمْ إِنَّ ابْنَ الْأَشْرَفِ ظَلَّ كَعْبًا يَجْزَعُ
صَدَقُوا فَلَيْتَ الْأَرْضَ سَاعَةَ قُتِّلُوا ظَلَّتْ تَسُوخُ بِأَهْلِهَا وَتَصَدَّعُ
نُبِّئْتُ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ كُلَّهُمْ خَشَعُوا لِقَوْلِ أَبِي الْوَلِيدِ وَجَدَّعُوا
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَشَبَّبَ١ بِأُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ:
أَرَاحِلٌ أَنْتَ لَمْ تَحْلُلْ بِمَنْقَبَةٍ وَتَارِكٌ أَنْتَ أُمَّ الْفَضْلِ بِالْحَرَمِ
فِي كَلَامٍ لَهُ، ثُمَّ شَبَّبَ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى آذَاهُمْ.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: كَانَ ابْنُ الْأَشْرَفِ قَدْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِالْهِجَاءِ، وَرَكِبَ إِلَى قُرَيْشٍ فقدم عليهم فاستغواهم على رسول الله، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: أُنَاشِدُكَ اللَّهَ، أَدِينُنَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُمْ سَبِيلًا. ثُمَّ خَرَجَ مُقْبِلًا قَدْ أَجْمَعَ رَأْيَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُعْلِنًا بِعَدَاوَتِهِ وَهِجَائِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْجَمَّالُ الْمَخْرَمِيُّ -الَّذِي قَالَ فِيهِ ابْنُ عَدِيِّ: كَانَ عِنْدِي مِمَّنْ يَسْرِقُ الْحَدِيثَ. قُلْتُ: لَكِنْ رَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ- ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، ثَنَا عَمْرٌو، عن عكرمة،
_________________
(١) ١ شبب الشاعر: ذكر أيام اللهو والشباب. وبفلانة: تغزل بها ووصف حسنها. المعجم الوجيز "٣٣٣".
[ ٢ / ٨١ ]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ مَكَّةَ عَلَى قُرَيْشٍ فَحَالَفُوهُمْ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ. فَقَالُوا لَهْمُ: أَنْتُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَأَخْبِرُونَا عَنَّا وَعَنْ مُحَمَّدٍ، قَالُوا: مَا أَنْتُمْ وَمَا مُحَمَّدٌ؟ قَالُوا: نَحْنُ نَنْحَرُ الْكَوْمَاءَ وَنَسْقِي اللَّبَنَ عَلَى الْمَاءِ وَنَفُكُّ الْعُنَاةَ وَنَسْقِي الْحَجِيجَ، وَنَصِلُ الْأَرْحَامَ. قَالُوا: فَمَا مُحَمَّدٌ؟ قَالُوا: صُنْبُورٌ قَطَعَ أَرْحَامَنَا وَاتَّبَعَهُ سُرَّاقُ الْحَجِيجِ بَنُو غِفَارٍ. قَالُوا: لَا، بَلْ أَنْتُمْ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَهْدَى سَبِيلًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] الْآيَةَ١.
قَالَ سُفْيَانُ: كَانَتْ غِفَارٌ سَرِقَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بن جعفر بن محمد بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَلَحِقَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُعْلِنًا بِمُعَادَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَهِجَائِهِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا خَرَجَ مِنْهُ قَوْلَهُ:
أَذَاهِبٌ أَنْتَ لَمْ تَحْلُلْ بِمَنْقَبَةٍ وَتَارِكٌ أَنْتَ أُمَّ الْفَضْلِ بِالْحَرَمِ
صَفْرَاءُ رَادِعَةٌ لَوْ تُعْصَرُ انْعَصَرَتْ مِنْ ذِي الْقَوَارِيرِ وَالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ
إِحْدَى بَنِي عَامِرٍ هَامَ الْفُؤَادُ بِهَا وَلَوْ تَشَاءُ شَفَتْ كَعْبًا من السقم
لم أر شَمْسًا بِلَيْلٍ قَبْلَهَا طَلَعَتْ حَتَّى تَبَدَّتْ لَنَا فِي لَيْلَةِ الظُّلَمِ
وَقَالَ:
طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِكِ أَهْلِهَا
"الْأَبْيَاتَ".
فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمًا: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَقَدْ آذَانَا بِالشِّعْرِ وَقَوَّى الْمُشْرِكِينَ عَلَيْنَا". فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَأَنْتَ". فَقَامَ فَمَشَى ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: إِنِّي قَائِلٌ. قَالَ: "فَأَنْتَ فِي حِلٍّ". فَخَرَجَ مُحَمَّدٌ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، حَتَّى أَتَى كَعْبًا وَهُوَ فِي حَائِطٍ، فَقَالَ: يَا كَعْبُ جِئْتُ لِحَاجَةٍ؛ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ: "من لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ"؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَجِبَ إِلَيْكَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا. قال:
_________________
(١) ١ "إسناده حسن": أورده ابن كثير في "تفسيره" "٢/ ٢٩٥"، قال الدكتور أبو عمر نادي الأزهري في "المقبول من أسباب النزول" "٢٢٠": وهي طريق جيدة إلى ابن عباس وإسنادها حسن. قلت: والحديث له شواهد. والصنبور: الأبتر الذي لا عقب له.
[ ٢ / ٨٢ ]
"قُلْ". فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَقَدْ عَنَّانَا، وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ. قَالَ: وَأَيْضًا لَتَمَلَّنَّهُ.
قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسَلِّفَنَا.
قَالَ: ارْهَنُونِي نساءكم. قال: كيف نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أبناءك. قَالَ: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا، فَيُقَالُ: رَهْنٌ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ؟ قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ؟ قَالَ: نَرْهَنُكَ الَّلأَمَةَ. فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ لَيْلًا، فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ، وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُ مِنَ الْحِصْنِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي أَبُو نَائِلَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعْرِهِ، فَأَشَمُّهُ ثُمَّ أُشِمُّكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي أُثَبِّتُ يَدَيَّ فَدُونَكُمْ. فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا، وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا، أَيْ: أَطْيَبَ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشَمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَشَمَّهُ ثُمَّ شَمَّ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ يَعْنِي ثَانِيًا. قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: دُونَكُمْ. فَضَرَبُوهُ فَقَتَلُوهُ. وَأَتَوُا النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَخْبَرُوهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ١.
وَقَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيَّ كَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفَّارَ قُرَيْشٍ فِي شِعْرِهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَهْلُهَا أَخْلَاطٌ، مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَمِنْهُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، وَمِنْهُمُ الْيَهُودُ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَلَقَةِ وَالْحُصُونِ، وَهُمْ حُلَفَاءُ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتِصْلَاحَهُمْ كُلَّهُمْ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ مُسْلِمًا وَأَبُوهُ مُشْرِكٌ وَأَخُوهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ يُؤْذُونَهُ أَشَدَّ الْأَذَى، فَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ وَالْمُسْلِمِينَ بِالصَّبْرِ وَالْعَفْوِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وَقَالَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ
_________________
(١) ١ راجع: سيرة ابن هشام" "٢/ ٥١-٥٧"، و"صحيح البخاري" "١/ ٣٤١"، و"سنن أبي داود" مع "عون المعبود" "٢/ ٤٢".
[ ٢ / ٨٣ ]
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ أَنْ يَبْعَثَ رَهْطًا لِيَقْتُلُوا كَعْبًا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ سَعْدَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَأَبَا عَبْسٍ، والحارث ابن أَخِي سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي خَمْسَةِ رَهْطٍ أَتَوْهُ عَشِيَّةً، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِمْ بِالْعَوَالِي. فَلَمَّا رَآهُمْ كَعْبٌ أَنْكَرَهُمْ وَكَادَ يُذْعَرُ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جَاءَتْ بِنَا إِلَيْكَ الْحَاجَةُ. قَالَ: فَلْيَدْنُ إِلَيَّ بَعْضُكُمْ فَلْيُحَدِّثَنِي بِهَا. فَدَنَا إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: جِئْنَاكَ لِنَبِيعَكَ أَدْرَاعًا لَنَا لِنَسْتَنْفِقَ أَثْمَانَهَا.
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَقَدْ جُهِدْتُمْ، قَدْ نَزَلَ بِكُمْ هَذَا الرَّجُلُ. فَوَاعَدَهُمْ أَنْ يَأْتُوهُ عِشَاءً حِينَ يَهْدَأُ عَنْهُمُ النَّاسُ. فَجَاءُوا فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَامَ لِيَخْرُجَ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا طَرَقُوكَ سَاعَتَهُمْ هَذِهِ لِشَيْءٍ تُحِبُّ. فَقَالَ: بَلْ إِنَّهُمْ قَدْ حَدَّثُونِي حَدِيثَهُمْ. فَاعْتَنَقَهُ أَبُو عَبْسٍ، وَضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بِالسَّيْفِ، وَطَعَنَهُ بَعْضُهُمْ بِالسَّيْفِ فِي خَاصِرَتِهِ. فَلَمَّا قَتَلُوهُ فَزِعَتِ الْيَهُودُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
فَغَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ أَصْبَحُوا فَقَالُوا: إِنَّهُ طُرِقَ صَاحِبُنَا اللَّيْلَةَ وَهُوَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا فَقُتِلَ، فَذَكَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الَّذِي كان يقول فِي أَشْعَارِهِ.
وَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَكَتَبَ بَيْنَهُمْ صَحِيفَةً، وَكَانَتْ تِلْكَ الصَّحِيفَةُ بَعْدَهُ عِنْدَ عَلِيٍّ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ١.
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ كَانَ مَعَهُمْ، فَأُصِيبَ فِي وَجْهِهِ بِالسَّيْفِ أَوْ رِجْلِهِ.
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَمَشَى مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، ثُمَّ وَجَّهَهُمْ وَقَالَ: "انْطَلِقُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ".
وَذَكَرَ الْبَكَّائِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةَ بِأَطْوَلِ مِمَّا هُنَا وَأَحْسَنَ عِبَارَةً، وَفِيهِ: فَاجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُحَمَّدٌ، وَسِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ؛ وَهُوَ أَبُو نَائِلَةَ الْأَشْهَلِيُّ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ الْحَارِثِيُّ. فَقَدَّمُوا إِلَى ابْنِ الْأَشْرَفِ سِلْكَانَ، فَجَاءَهُ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ سَاعَةً وَتَنَاشَدَا شِعْرًا، ثُمَّ قال: ويحك يا ابن الْأَشْرَفِ، إِنِّي قَدْ جِئْتُ لِحَاجَةٍ أُرِيدُ ذِكْرَهَا لَكَ فَاكْتُمْ عَنِّي. قَالَ: أَفْعَلُ. قَالَ: قَدْ كان قدوم هذا الرجل علينا
_________________
(١) ١ في "سنه" وأصله في "الصحيح" كما تقدم آنفًا.
[ ٢ / ٨٤ ]
بَلَاءً مِنَ الْبَلَاءِ عَادَتْنَا الْعَرَبُ وَرَمَوْنَا مِنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَقُطِعَتْ عَنَّا السُّبُلُ حَتَّى ضَاعَ العيال وجهدنا. فقال ابن الأشرف: أما والله لقد أخبرتك يابن سلامة أن الأمر سيسير. إِلَى مَا أَقُولُ. فَقَالَ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَبِيعَنَا طَعَامًا وَنَرْهَنُكَ وَنُوثِّقَ لَكَ، وَتُحْسِنُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَتَرْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ؟ قَالَ: لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَفْضَحَنَا، إِنَّ مَعِي أَصْحَابًا لِي عَلَى مِثْلِ رَأْيِي، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ آتِيكَ بِهِمْ فَتَبِيعَهُمْ، وَتُحْسِنَ فِي ذَلِكَ، وَنَرْهَنُكَ مِنَ الْحَلْقَةِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ. قَالَ: فَرَجَعَ سِلْكَانُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا السِّلَاحَ ثُمَّ يَنْطَلِقُوا فَيَجْتَمُعُوا إِلَيْهِ. وَاجْتَمَعُوا، وَسَاقَ الْقِصَّةَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأَطْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَتْلَ الْيَهُودِ، وَقَالَ: مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ فَاقْتُلُوهُ.
وَحِينَئِذٍ أَسْلَمَ حُوَيَّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ. وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ أخوه محيصة. فقتل محيصةُ ابنَ سُنَيْنَةَ الْيَهُودِيَّ التَّاجِرَ، فَقَامَ مُحَيِّصَةُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَجَعَلَ يَضْرِبُ أَخَاهُ وَيَقُولُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ قَتَلْتَهُ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ١. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ مَنْ لَوْ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ دِينًا بَلَغَ بِكَ هَذَا لَعَجَبٌ. فَأَسْلَمَ حُوَيِّصَةُ.
وَفِي رَمَضَانَ: وُلِدَ السَّيِّدُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ -﵄.
وَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: تَزَوَّجَ أَيْضًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ، مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَهِيَ أُمُّ الْمَسَاكِينِ، فَعَاشَتْ عِنْدَهُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَتُوُفِّيَتْ.
وَقِيلَ: أَقَامَتْ عِنْدَهُ ثمانية أشهر، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ "إسناده ضعيف": أخرجه أبو داود "٣٠٠٢"، وقال الشيخ الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" "٦٤٨": ضعيف.
[ ٢ / ٨٥ ]